بشار الأسد.. رئيس سوريا المخلوع

حفظ

FILE PHOTO: Syria's President Bashar al-Assad speaks during an interview with Australia's SBS News channel in this handout picture provided by SANA on July 1, 2016. SANA/Handout via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. EDITORIAL USE ONLY. REUTERS IS UNABLE TO INDEPENDENTLY VERIFY THIS IMAGE./File Photo
بشار الأسد أثناء مقابلة مع قناة "إس بي إس" الأسترالية عام 2016 (رويترز عن سانا)

رئيس سوريا المخلوع. حكم البلاد عام 2000 بعد وفاة أبيه حافظ الأسد، وغيّر البرلمان الدستور في ربع ساعة ليسمح بترشحه للرئاسة، ويكون أول رئيس عربي يخلف والده في حكم دولة ذات نظام جمهوري.

شهدت البلاد بداية حكم بشار الأسد شيئا من الانفتاح السياسي والديمقراطي عرف بـ"ربيع دمشق"، لكنه سرعان ما قمعه بعد بضعة أشهر وبدأ "حملة إصلاحات اقتصادية لا سياسية" كما يقول، طالتها اعتقالات لمعارضيه وتضييقات على الحريات، وتوسعت دائرة الفساد وزاد نفوذ رجال السلطة والمقرّبين منهم وتسلطهم على الشعب، مما قاد لإشعال فتيل الثورة السورية عام 2011.

ولإخمادها شنّ حربا على الاحتجاجات مسلطا عليها قوى الأمن، وما لبث أن حرّك قوات الجيش واستخدم الأسلحة الثقيلة، سواء في وجه المظاهرات أو الفصائل المسلحة التي تشكلت للتصدي لنظامه، مما أدى إلى مقتل وإصابة وتشريد مئات الألوف. ثم استعان بإيران وفصائل ومليشيات شيعية مدعومة منها وفدت إلى سوريا من دول الجوار، وعلى رأسها حزب الله اللبناني، وشاركت في القتال ضدّ فصائل المعارضة المسلحة مما أدخل البلاد في حالة كبيرة من الاضطراب، شهدت خلال جميع أشكال المآسي.

وبالرغم من ذلك، تقدّمت فصائل المعارضة المسلحة، وسيطرت على مساحات واسعة من الأراضي السورية، مما دفع الأسد إلى الاستعانة بروسيا عام 2015 التي كان لتدخل سلاح الجو فيها أثرا كبيرا في حسم المعارك لصالح النظام، وانحسار المناطق التي تسيطر عليها المعارضة إلى إدلب ومناطق حولها من شمال البلاد. غير أن حالة الحرب لم تنتهِ بين الطرفين، وإن خفّت شدتها قليلا، إلى أن أطلقت فصائل من المعارضة المسلحة معركة ردع العدوان يوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وبدأت سلسلة من الفتوح والانتصارات قادتها إلى السيطرة على عموم البلاد في 12 يوما.

يوم 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، دخلت فصائل ردع العدوان العاصمة السورية دمشق، وبسطت سيطرتها عليها، وأعلنت إسقاط حكم عائلة الأسد الذي استمر لأكثر من 50 عاما، وفرّ بشار الأسد إلى روسيا.

الولادة والنشأة

ولد بشار حافظ الأسد في محافظة دمشق يوم 11 سبتمبر/أيلول 1965، لأسرة تنتمي إلى الطائفة العلوية (النصيرية) التي تشكل أقلية في البلاد، ونشأ في أجواء السلطة بعد ترؤس والده البلاد في انقلاب عسكري عام 1970.

إعلان

هو الابن الثالث لأنيسة مخلوف والرئيس السابق حافظ الأسد بعد بشرى وباسل، الذي كان من المفترض أن يرث الحكم بعد أبيه، لكنه توفي في حادث سير غامض. وجاء بعد بشار كل من ماهر ومجد.

ولد الأسد ونشأ في فترة سياسية مضطربة في البلاد، وكان والده حينها يقود انقلاب "الحركة التصحيحية" عام 1970، ويحاول بشتى الطرق تثبيت حكمه، خاصة بعد محاولة اغتياله الفاشلة، فسحق كل أشكال المعارضة وبدأها بمجزرة حماة عام 1982، وبدأ سلسلة إعدامات واعتقالات وتعذيب جماعية، وحينها كان بشار في السابعة عشرة من عمره.

عامل حافظ أسرته كما عامل دولته، فـ"طالب بالولاء الكامل ولم يتسامح مع الأخطاء"، وفي مقابلة له مع ديفيد ويلش لكتاب "أسد دمشق الجديد: بشار الأسد وسوريا الحديثة"، يقول بشار "لم يكن والدي من نوع الأب الذي يقول: أحسنت، برافو. بل كان الأب الذي يقول الأشياء السلبية التي لا يجب فعلها".

وعلى العكس كانت علاقته مع والدته، كما تصفها البروفيسورة في علم النفس الجنائي كاثرين سيفيرت، "علاقة اعتمادية عالية لدرجة السيطرة"، وهذا يظهر جليا في محطات حياته، فهي من طلبت منه وقف ربيع دمشق والحذو حذو أبيه في الشدة، وكذا في الثورة السورية.

تعرف بشار على أسماء الأخرس في لندن خلال دراسته هناك، حيث كانت تعمل في مصرف "جي بي مورغان" في حي المال والأعمال، ثم تزوج منها في ديسمبر/كانون الأول 2000، أي بعد توليه الحكم، وهي من عائلة سنية حمصية درست ونشأت في العاصمة البريطانية. وأنجب الأسد منها ابنه الأول حافظ عام 2001، ثم زين عام 2003، وبعدها كريم عام 2004.

حافظ الأسد وزوجته أنيسة مخلوف وأولادهما (من اليمين): بشار وبشرى وباسل ومجد وماهر
حافظ الأسد وزوجته أنيسة مخلوف وأولادهما (من اليمين): بشار وبشرى وباسل ومجد وماهر (غيتي)

الدراسة والتكوين

درس بشار مراحله الأساسية في دمشق، ومنها نال شهادته الثانوية من مدرسة "الحرية الفرنسية" عام 1982. وبعدها انتسب لكلية الطب بجامعة دمشق وتخرج منها عام 1988.

وتطوع ضابطا بعد تخرجه في القوات المسلحة فرع إدارة الخدمات الطبية في الأول من سبتمبر/أيلول 1985 وتخرج منها برتبة ملازم أول تحت الاختبار، وعمل بعدها طبيبا للعيون بمشفى تشرين العسكري عام 1992 قبل أن يسافر إلى لندن لمتابعة دراسته حتى عام 1994.

التجربة العسكرية والتأهيل للسلطة

عقب وفاة باسل النجل الأكبر لحافظ الأسد يوم 21 يناير/كانون الثاني 1994 استدعى الرئيس السوري ابنه بشار إلى دمشق ليؤهله لتولي الحكم بعده، فعُين فورا رئيسا لمجلس إدارة الجمعية العلمية السورية المعلوماتية المسؤولة عن النشاط المعلوماتي في سوريا.

رُفِّع بشار بعدها فورا إلى رتبة نقيب في يوليو/تموز 1994 بعد انضمامه إلى صفوف الجيش السوري، قبل أن ينال رتبة رائد عام 1995، وبعدها مقدم عام 1997، ثم رتبة عقيد ركن في يناير/كانون الثاني 1999.

وبعدها بسنة تولى بشار الأسد قيادة الجيش وتسلم حينها عددا من الملفات كان من بينها الملف اللبناني، ولعب دورا بارزا عام 1998 في تنصيب إميل لحود رئيسا للبنان.

 

بشار الأسد (يمين) مع شقيقه ماهر الأسد
بشار الأسد (يمين) مع شقيقه ماهر الأسد (مواقع التواصل)

تولي الحكم

توفي حافظ الأسد يوم 10 يونيو/حزيران 2000، فأصدر نائب رئيس الجمهورية حينها عبد الحليم خدام مرسوما تشريعيا (9) رفّع فيه بشار إلى رتبة فريق، وعمره حينها 34 عاما و10 أشهر، ومتجاوزا الرتب الثلاثة قبلها: عميد ولواء وعماد، ثم أصدر المرسوم (10) بتعيين بشار قائدا عاما للجيش والقوات المسلحة.

إعلان

اجتمع مجلس الشعب السوري عقب وفاة حافظ الأسد في 10 يونيو/حزيران 2000، لتعديل المادة رقم (83) من الدستور التي تنص على أن سنّ الرئيس يجب أن تكون 40 سنة، وفي تصويت استغرق مدة قصيرة جدا أصبحت المادة (83) تنص على أن سن الرئيس يمكن أن تكون 34 سنة، وهي سن بشار في ذلك الوقت، وبهذا التعديل الدستوري الذي يعتبر الأسرع من نوعه في العالم، تمكن بشار من تولي رئاسة البلاد.

وبعد انتخابه رئيسا صار بشار الأسد أول رئيس عربي يخلف والده في الحكم بدولة نظامها جمهوري، وانتخب بعدها أمينا قُطريا لحزب البعث العربي الاشتراكي السوري (الحاكم لسوريا منذ ستينيات القرن العشرين) يوم 27 يونيو/حزيران 2000 خلال المؤتمر القُطري التاسع للحزب.

ربيع دمشق

استبشرت الأوساط المعارضة بتحسن أوضاع البلاد بعد خطاب قسم بشار الأسد أمام مجلس الشعب السوري يوم 17 يوليو/تموز 2000، حيث قال إن "الديمقراطية واجب علينا تجاه الآخرين قبل أن تكون حقا لنا"، وأطلق بشار سراح كثير من المعتقلين السياسيين، وسمح بإطلاق أول صحيفة مستقلة منذ 30 عاما.

وأنشئت منتديات غير رسمية خططت فيها المعارضة لسوريا التي تطمح إليها، لكنها سرعان ما أغلقت قسرا في فبراير/شباط 2001، واعتقل معارضون بتهمة "محاولة تغيير الدستور بوسائل غير مشروعة"، وقال بشار إن أولوياته الإصلاح الاقتصادي لا السياسي، وصرح عام 2001 بأن في سوريا "أسسا لا يمكن المساس بها، قوامها مصالح الشعب وأهدافه الوطنية والقومية والوحدة الوطنية، ونهج القائد الخالد حافظ الأسد والقوات المسلحة".

وبدأ النظام السوري سلسلة اعتقالات واسعة، وشنت الحكومة حملة قمع ضد المعارضين، وزادت رقابة الدولة على المواطنين، وضيق الجيش الخناق وقمع المعارضين في الداخل والخارج محاولة لوقف الحراك الشعبي، واتسعت رقعة اعتقالات وممارسات أجهزة الاستخبارات السورية للخارج حتى اتهمت في عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في منتصف فبراير/شباط 2005، مما أدى إلى خروج القوات السورية من لبنان.

من جهة أخرى أعلن النظام الإصلاح الاقتصادي، وأجل الإصلاح السياسي كما يقول، واستفاد بشار خلالها في تقوية حزب البعث وجعله وعائلته ومقربين على رأس أعمال البلاد في عدة مجالات.

In this photo released on the official Facebook page of Syrian Presidency, Syrian President Bashar Assad, second left, and his wife Asma, center, and their children Zein, left, Karim, right, and Hafez walk outside the Great Mosque of Aleppo, also known as the Umayyad Mosque, in the Old City of Aleppo, Syria, Friday, July 8, 2022. The visit by Assad and his family to the city of Aleppo, Syria's largest and once the nation's commercial center, was his first since government forces captured its rebel-held eastern neighborhoods in December 2016 after a monthslong battle. (Syrian Presidency Facebook page via AP)
الأسد وزوجته أسماء وأبناؤهما خارجين من الجامع الأموي بحلب عام 2022 (أسوشيتد برس عن الرئاسة السورية على فيسبوك)

تأزم العلاقات مع أميركا ولبنان

تأزمت في عهد بشار الأسد علاقة سوريا مع الولايات المتحدة الأميركية، وتحديدا بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 وبعد احتلال أميركا للعراق عام 2003، حيث اتهمت واشنطن دمشق بدعم "الإرهابيين" الذين يتسللون عبر الحدود السورية إلى العراق لمحاربة قواتها.

وتأزمت علاقته مع لبنان بعد اغتيال الحريري، إذ اتهمت المعارضة اللبنانية النظام السوري وحلفاءه في لبنان بمحاولة اغتياله، لكن دمشق نفت كل تلك الاتهامات.

تسببت الأزمة بإشعال فتيل ما عرف بـ"ثورة الأرز"، وظهر تجمع وتحالف قوى "14 آذار"، الذي طالب بخروج الجيش السوري الذي حكم لبنان وهيمن على حياتها السياسية قرابة 30 عاما.

وأيدت الإدارة الأميركية اتهامات اللبنانيين لسوريا بالتواطؤ في عملية الاغتيال أو التقصير والإهمال في منع وقوعها.

وصدر بعدها القرار (1559) من مجلس الأمن الدولي يطالب بخروج الجيش السوري من لبنان، وأعلن بشار الأسد في 5 مارس/آذار التزامه بالانسحاب الكامل لجيشه من لبنان.

ونُفذ القرار يوم 26 أبريل/نيسان 2005، وخرجت القوات السورية تحت ضغط دولي جديد، وبعد وجود عسكري دام منذ عام 1976، وأغلق الملف الذي وكّل لبشار إبان تجهيزه للحكم، وفتح ملف متوتر جديد مع لبنان.

FILE - A combo of file photos shows Syrian President Bashar Assad, left, on Aug. 19, 2009, in Tehran, Iran, and his father, former Syrian President Hafez Assad, on Dec. 1, 1972, in an unknown location. (AP Photo, File)
حافظ الأسد (يمين) وابنه بشار الأسد حكما سوريا أكثر من نصف قرن (أسوشيتد برس)

صعود المعارضة

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2005 أطلق المعارضون السوريين "إعلان دمشق" الذي عد أول بيان صريح ضد الحكومة، فردت الحكومة بسلسلة اعتقالات وتوقيف ومنع سفر لناشطين معارضين.

إعلان

وفي مايو/أيار 2005 جدد حزب البعث ولجنته المركزية انتخاب بشار في المؤتمر العاشر، ثم أعيد انتخابه رئيسا للجمهورية يوم 27 مايو/أيار 2007 وبدأ ولايته الدستورية الثانية.

وأعيد انتخابه رئيسا للجمهورية العربية السورية يوم 3 يونيو/حزيران 2014، وقد حظيت تلك الانتخابات بسخرية من طرف اللاجئين السوريين الذين وصفوها بالعبثية، في ظل الأوضاع المأساوية التي تعيشها البلاد.

وبدأ ولايته الثالثة، ثم في 26 مايو/أيار 2021 فاز بالانتخابات الرئاسية من جديد وبدأ ولايته الرابعة وسط تشكيكات بنزاهة الانتخابات ونتائجها.

 

الثورة السورية

عام 2011 وبعد انطلاق الربيع العربي، واندلاع الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن، سأل السفير الأميركي لسوريا حينها بشار الأسد "هل أنت قلق من وصول رياح التغيير إلى سوريا؟"، لكن بشار الأسد أجاب بأنه مطمئن لأن الشعب السوري يدعمه ويساند حكومته كل المساندة.

لكن وبعد أسبوعين فقط خرجت مظاهرة في سوق الحريقة بدمشق، ثم من درعا كتب شبان عبارات ضد بشار على جدران مدرستهم، فاعتقلهم النظام وعذبهم مما أشعل الانتفاضة، وخرج السوريون في عدة مدن مطالبين بالحرية والإصلاح السياسي والتغيير.

عرض سفيرا أميركا وفرنسا على بشار المساعدة واقترحا عليه الدخول في مفاوضات مع قادة المعارضة السورية قبل تأزم الوضع، فوافق وطلب من أميركا تنظيمها، لكن السفير الأميركي في سوريا حينها قال إن النظام عرقل كل محاولات الحوار بسلسلة اعتقالات شنها ضد معارضيه.

ويقول فراس ابن وزير الدفاع السوري السابق مصطفى طلاس إنه أرسل خطابا مطولا لبشار قال فيه إن "الناس تعبت ولن تستطيع فعل ما فعله والدك في الثمانينيات، فشارك شعبك بالسلطة والثروة"، لكنه يقول إن بشار غضب من مقترحه وأمره ألا يطالبه بإصلاح.

وذكر طلاس أن عائلة الأسد اجتمعت أول الثورة، وقررت حل الوضع أمنيا وإدخال الجيش، ويذكر مدى تأثير أم بشار أنيسة على ابنها، حيث نصحته بالاقتداء بأبيه لوقف الاحتجاجات.

وأضاف أن بشار لا يهمه الدمار الذي لحق بالبلد طالما أنه سيبقى رئيسا، وأنه لن يتنحى أبدا عن السلطة حتى لو اتفقت كل الأطراف على إزاحته.

FILE PHOTO: A billboard with a picture of Syria's Bashar al-Assad shows damage by bullet holes, after the ousting of Syria's Bashar al-Assad, in Damascus, Syria, December 16, 2024. REUTERS/Ammar Awad/File Photo
بشار الأسد أطيح به بعد ثورة عليه استمرت أكثر من 13 عاما (رويترز)

قمع المعارضة

قمع النظام السوري المظاهرات بالرصاص الحي والاعتقالات والاعتداءات، واستهدفت مداهماته الناشطين والمتظاهرين السلميين مع نصب الحواجز في المدن والأرياف، ما دفع المتظاهرين إلى تغيير شعاراتهم من المطالبة بالحرية إلى الدعوة لإسقاط النظام ورفض حكم بشار الأسد.

القمع والاعتقالات والتنكيل بحق المعارضين السوريين واستعمال البراميل المتفجرة والأسلحة المحرمة، وتدهور الوضع الأمني بالبلاد جعلت عدة دول تدين ممارسات النظام السوري وتطالب برحيل الأسد، منها الحكومتان الأميركية والفرنسية، التي قالت على لسان وزير خارجيتها السابق لوران فابيوس "موقفنا واضح ونحن نعتبر بشار الأسد جلادا ويجب أن يرحل في أسرع وقت".

ومع اشتداد الحرب شهد العالم أزمة هجرة غير مسبوقة، وكان للدول الأوروبية النصيب الأكبر من المهاجرين، ولإيجاد حل للصراع ووقف تدفق اللاجئين بدأت في عام 2012 مفاوضات دولية تحت رعاية الأمم المتحدة تهدف إلى تشكيل حكومة انتقالية في دمشق، لكن روسيا التي تعد الحليف الأبرز لآل الأسد عرقلت الأمر ورفضت التدخل الغربي في القضية السورية.

ويقول وزير خارجية فرنسا سابقا عن حديث دار بينه وبين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف حول مصير بشار الأسد فكان رده "أرسلوه حيث شئتم لكننا غير مستعدين لاستقباله"، لكن موقف روسيا تغير بعد مؤتمر جنيف عام 2012 فعارضت روسيا الحكومة الانتقالية حفاظا على قاعدتها العسكرية في سوريا.

دعم من جهات خارجية

لجأ بشار بعد ذلك -مدعوما من روسيا وإيران وحزب الله– إلى استخدام الأسلحة لإخماد المظاهرات السلمية، فحملت المعارضة السلاح، ودخلت البلاد في حرب سقط فيها مئات الآلاف من القتلى والجرحى، واعتقل عشرات الآلاف، وشرد الملايين، ودمر عدد هائل من المدن والقرى جزئيا أو كليا.

وقررت أميركا وحكومات أخرى منها فرنسا توحيد المعارضة، وتقوية شوكتها للتفاوض على عملية انتقالية، فقد بدا لها رحيل الأسد حينها ليس ببعيد، ورصدت مبالغ كبيرة لتسليح وتدريب فصائل ثورية سورية، لكنها تراجعت فور شعورها بضعف المعارضة ولدخول تنظيم الدولة البلاد وخوفها من أن يسيطر على دمشق بعد زوال الأسد.

إعلان

عرف بشار أن نقطة ضعف الغرب تكمن في خوفه من تنظيم الدولة، فأعلن ما سماها حربا على "الإرهاب"، وأطلق سراح كثير من أعضاء التنظيم المعتقلين، حتى قالت فرنسا إن مخابراتها "رصدت تواطؤا ودعما من بشار للإرهابيين بشكل ما".

وعبّر وزير الخارجية الفرنسي السابق لوران فابيوس عن دهشته من تحول بشار من الرئيس "اللطيف" -الذي زار الإليزيه للقاء الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي واجتمعا حول مأدبة عشاء بحضور زوجتيهما أواخر عام 2010- إلى شخص يأمر لاحقا بإسقاط براميل متفجرة من طائرات الهليكوبتر على السكان المدنيين، قائلا إن ذلك "لا يقبله أي عقل سليم".

ويصف السفير الفرنسي في سوريا سابقا ميشيل ديكلو شخصية الأسد قائلا "مسيرتي المهنية طويلة ونادرا ما صادفت شخصية ينبعث منها ذلك القدر من التلون".

Syrian President Bashar Assad, right, shakes hands with Iranian President Ebrahim Raisi in Damascus, Syria, Wednesday, May 3, 2023. Raisi Wednesday met Assad in Damascus in a bid to boost cooperation between the two allies, state media reported. (AP Photo/Omar Sanadiki)
الرئيس السوري بشار الأسد (يمين) والرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في دمشق عام 2023 (أسوشيتد برس)

العلاقات الدولية

قبل الثورة السورية كان بشار الأسد قد وصل إلى أعلى مركز إقليميا خلال حكمه، ولا تهديدات من الدول المجاورة له، ففي العراق النظام السياسي المقرب من إيران الحليف معها، وفي لبنان كان حليفا مع حزب الله، وعقب حرب غزة الأولى استطاع توطيد علاقاته عربيا باعتباره وسيطا لحلها.

وكانت لبشار شعبية كبيرة حينها حتى جاء في المرتبة الثانية بعد حسن نصر الله باعتباره الزعيم الأكثر شعبية في العالم العربي في استطلاع أجرته جامعة ماريلاند عام 2008 في 6 دول عربية.

لكن بعد اندلاع شرارة الثورة السورية ورفض الأسد وحكومته التعاون مع "المبادرة العربية لحل الأزمة السورية" أعلنت جامعة الدول العربية يوم 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، تجميد عضوية النظام السوري بسبب "قمعه الاحتجاجات المناهضة للنظام عسكريا"، ثم فرضت عقوبات اقتصادية.

وافق الأسد في ديسمبر/كانون الأول على تنفيذ مخرجات المبادرة لأجل رفع العقوبات عن البلاد، فأرسلت بعثة مراقبين عرب لمراقبة تنفيذها داخل سوريا، لكنها أكدت تدهور الأوضاع في الداخل واستمرار استعمال العنف، فتبدد إمكانية التوصل لحل.

وعقب فشل المبادرة العربية حاولت جامعة الدول العربية اللجوء لمجلس الأمن لوقف عدوان النظام السوري على مواطنيه، لكن روسيا والصين استعملتا حق النقض (الفيتو) ففشلت المحاولة.

وقررت عدة دول عربية قطع علاقاتها رسميا، لكن منها من أعادات العلاقات بعد عدة سنوات واستقبلت الأسد في بلادها بداية من عام 2018، ومنها من أصرت على موقفها بتجميد العلاقات مثل قطر والكويت والمغرب.

واستطاع نظام الأسد استعادة مقعده في جامعة الدول العربية خلال القمة الثانية والثلاثين التي عقدت في مدينة جدة السعودية يوم 19 مايو/أيار 2023، بعد أن قاطعته الأنظمة العربية لسنين بسبب ممارساته ضد معارضيه.

عقوبات ومذكرات اعتقال

وعام 2011 فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على بشار الأسد مع آخرين من أسرته ومقربين منه، وأعلنت حظر الاستثمارات في قطاع النفط السوري، ووقف تصدير معدات صناعة النفط والغاز وحظر تجارة الذهب تجميد أصول مؤسسات سورية وأفراد، وغيرها من العقوبات.

وأدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية بشار الأسد على لائحة العقوبات بموجب الأمر التنفيذي (13573) يوم 18 مايو/أيار 2011، وحسب تقرير لوزارة الخارجية الأميركية، فإن الأسد وزوجته "يمارسان نفوذا كبيرا على جزء كبير من ثروة سوريا".

وأعلنت جامعة الدول العربية فرض عقوبات اقتصادية على سوريا، وتعليق كل المعاملات مع بنكها المركزي، وأي معاملات واتفاقات تجارية معها.

ووقع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على مرسوم اقترحه مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني لفرض عقوبات على عدة كيانات وأفراد من بينهم بشار الأسد ومسؤولين آخرين معه في مارس/آذار 2023. وشملت العقوبات تجميد الأصول وفرض قيود على العمليات التجارية وتعليق الالتزامات الاقتصادية والمالية.

وفي 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2023 أصدر القضاء الفرنسي مذكرة اعتقال دولية لبشار الأسد متهما إياه بـ"التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية" لاستخدامه أسلحة كيميائية محظورة ضد معارضيه عام 2013 في ريف دمشق، مما تسبب بمقتل أكثر من ألف شخص حسب الولايات المتحدة الأميركية وناشطين.

ورغم نفي سوريا استخدامها للأسلحة المحظورة، إلا أن تحقيقا مشتركا بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية أوضح أن النظام السوري استخدم غاز السارين في أبريل/نيسان 2017، وغاز الكلور سلاحا لعدة مرات.

وشملت مذكرة الاعتقال شقيقه قائد الفرقة الرابعة في الجيش السوري ماهر الأسد مع مدير الفرع 450 لمركز الدراسات والبحوث العلمية السورية العميد غسان عباس، ومستشار رئيس الجمهورية للشؤون الإستراتيجية بسام الحسن، وهو أيضا ضابط الاتصال بين القصر الرئاسي ومركز البحوث العلمية.

 

قضاة يحضرون جلسة محاكمة عاطف نجيب، العميد والرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، والمتهم بارتكاب جرائم حرب، في قصر العدل بدمشق، سوريا، 26 أبريل/نيسان 2026.
القاضي فخر الدين العريان (وسط) ترأس المحكمة التي أدانت بشار الأسد بارتكاب جرائم حرب (رويترز)

الخلع

يوم 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أعلنت فصائل المعارضة السورية إطلاقها معركة "ردع العدوان"، بهدف توجيه "ضربة استباقية لقوات النظام السوري"، واستطاعت في الأيام الأولى السيطرة على مدينة إدلب وحلب ثم حماة وحمص.

وفي اليوم الـ12 من المعركة، أعلنت المعارضة السورية سيطرتها على العاصمة دمشق، وإسقاطها حكم عائلة الأسد الذي استمر أكثر من 50 عاما. وذكرت الصحف الغربية أن الأسد غادر البلاد مع أسرته قبل وصول المعارضة إلى العاصمة.

المحاكمة

يوم الأحد 26 أبريل/نيسان 2026، بدأت السلطات السورية الجديدة أولى جلسات محاكمة شخصيات بارزة من حقبة النظام المخلوع، بتهمه ارتكاب جرائم بحق الشعب السوري، من بينها "تعذيب الأطفال"، وكان على رأسهم الرئيس الفار بشار الأسد، وذلك في القصر العدلي في دمشق.

وضمت هذه المحاكمة تسعة متهمين، من بينهم -فضلا عن الأسد- أخوه ماهر الأسد، وابن خالته عاطف نجيب الذي كان الحاضر الوحيد من بين هؤلاء المتهمين بعدما ألقي القبض عليه مطلع 2025، بينما حوكم الباقون غيابيا.

وترأس المحاكمة القاضي فخر الدين العريان، بحضور النائب العام للجمهورية القاضي المستشار حسان التربة، ورئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف، وضمّت عددا من الأعضاء، وممثلين عن منظمات قانونية وإنسانية دولية، وذوي الضحايا.

واستمرت المحاكمة تسع جلسات، استُمع خلالها إلى شهادات الشهود والناجين، ونقلت وسائل الإعلام أغلب أحداثها مع إخفاء وجوه بعض الضحايا أحيانا بحسب طبيعة شهاداتهم، فضلا عن الاستماع إلى مرافعات النيابة العامة والادعاء والدفاع، وأقوال المتهم.

وفي الجلسة التاسع يوم الثلاثاء 11 أغسطس/آب 2026، قضت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق بإعدام بشار الأسد وجميع المتهمين في هذه القضية، وأوضح القاضي فخر الدين العريان أن التحقيقات وأقوال الشهود أثبتت ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وأن مساهمة بشار الأسد في هذه الجرائم كانت مساهمة صاحب القرار الأعلى الذي سخر لها أجهزة الدولة.

المصدر: الجزيرة

إعلان