حي الشجاعية بغزة.. عسكر فيه نابليون وسمي نسبة لكردي وقاوم إسرائيل

أحد أكبر أحياء قطاع غزة، يعتبر المفتاح الشرقي للقطاع، وكان له دور في كثير من الحروب التي مرت على المنطقة، بدءا من الحروب الصليبية ومرورا بالحرب العالمية الأولى وانتهاء بالحروب الإسرائيلية على غزة، كما شكل مركز انطلاق عدد كبير من الأحزاب والمنظمات الفلسطينية.

الموقع

يقع حي الشجاعية شرق قطاع غزة، بمساحة تبلغ 14 ألفا و305 دونمات (الدونم يساوي ألف متر مربع)، وتجاوز عدد سكانه 110 آلاف نسمة (إحصائية عام 2015).

يضم أكبر سوق للملابس والسلع المنزلية في غزة ويعرف "بساحة الشجاعية"، ويقام به أسبوعيا سوق "الجمعة"، الذي يرتاده غالبا تجار المواشي والأغنام.

تاريخ التأسيس

يعود تاريخ تأسيس حي الشجاعية إلى عهد الأيوبيين، وسمي نسبة إلى "شجاع الكردي"، الذي استشهد في معركة غزة الكبرى بين الأيوبيين والصليبيين عام 1239 ميلادي.

وينقسم إلى قسمين: حي التركمان بالجنوب نسبة للعشائر التركمانية الذين استقروا هناك في عهد السلطان الأيوبي الصالح أيوب بالقرن الـ13 ميلادي، وحي الأكراد بالشمال، والذين استقروا بالمنطقة قادمين بالخصوص من الموصل.

معارك تاريخية

أضفت تلة المنطار -التي ترتفع 85 مترا فوق سطح البحر- أهمية إستراتيجية على الحي وحولته إلى موقع عسكري هام، وجعلته مفتاحا لمدينة غزة.

وقد عسكرت قوات نابليون بونابرت في هذه التلة، وقتل فيها آلاف من جنود الحلفاء أثناء الحرب العالمية الأولى، ودفنوا جميعا في مقبرة بالمنطقة.

وكان لحي الشجاعية دور كبير أثناء معارك عام 1967، وشهد انطلاق شرارة الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987. ففي أكتوبر/تشرين الأول 1987، تحول الحي لساحة مواجهات مسلحة بين المقاومة الفلسطينية وقوات الاحتلال، وأسفرت الاشتباكات آنذاك عن مقتل ضابط إسرائيلي واستشهاد 4 من أعضاء المقاومة.

ويطلق على هذا اليوم اسم "معركة الشجاعية". واستمر صمود الحي حتى أعلن الاحتلال الإسرائيلي فشله، ودخل في مفاوضات مع الجانب الفلسطيني.

معالم

يعتبر جامع أحمد بن عثمان أو "الجامع الكبير" -الذي يقع عند مدخل المدينة القديمة- أكبر جوامع الحي، ويضم قبر أحد مماليك السلطان برقوق، ويدعى "يلخجا".

وتوجد في الحي أيضا عدة مساجد تاريخية أخرى منها مسجد "الهواشي" ومسجد "السيدة رقية" ومسجد "علي بن مروان".

وتبعد مقبرة الحرب العالمية الأولى مسافة ألفي متر شمال الشجاعية، وإلى الشرق تقع مقبرة "التونسي". ويوجد بالشجاعية قبر يقال إنه لشخص "شمشون" الجبار الشهير.

مجازر حي الشجاعية

كان حي الشجاعية عرضة لسلسلة مجازر ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي، وهدفا ثابتا للاجتياحات الإسرائيلية البرية على القطاع، حيث ارتكب جيش الاحتلال مجزرة ضد الحي في الأول من مايو/أيار 2003، إثر تسلل قوات إسرائيلية للحي بآليات مصفحة، بينها 100 دبابة وبغطاء من الطائرات الحربية استهدفت منزل عائلة أبو هين الذي كان يقطنه عدد من قادة كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس).

وتصدى المقاومون لهذا التوغل وأوقعوا طليعة القوة المتسللة بين قتلى وجرحى، وهو ما أدى لاستدعاء الاحتلال مزيدا من القوات وفرض حصار على المنزل، وتوزع القناصة على أسطح المنازل المجاورة.

تواصلت المعركة أكثر من 16 ساعة وسط مساندة من كتائب القسام من عدة محاور، وأسفرت هذه العملية عن استشهاد 13 مواطنا وإصابة واعتقال العشرات، بالإضافة لاستشهاد بعض مقاتلي الكتائب.

ونفذت إسرائيل مجزرة أخرى فجر في 11 فبراير/شباط 2004، خلّفت 15 شهيدا و44 مصابا، من بينهم 20 طفلا وفتى دون سن الـ 18.

وكان الحي هدفا للغارات الجوية المتكررة ومنطقة اشتباكات مكثفة بين المقاومة وقوات الاحتلال خلال الاجتياح البري، في عدوان إسرائيل على القطاع خلال 2008 و2009، وأيضا أثناء العدوان على القطاع عام 2014.

كما كان مسرحا لمجزرة أخرى راح ضحيتها أكثر من 75 شهيدا، ومئات المصابين معظمهم من النساء والأطفال، بالإضافة لإبادة عائلات بأكملها، وذلك بعد قصف عشوائي بأكثر من 100 قذيفة إسرائيلية استهدف منازل بالحي، وتسبب بانتشار جثث وأشلاء الشهداء في الشوارع وتحت الركام وتدمير المنازل والمحلات التجارية والطرق بشكل كامل. وتكررت هجمات مماثلة في حرب 2021.

وتجددت الغارات العنيفة على الحي في حرب 2023 التي تعد -بالنسبة لما سبقها من حروب- الأعنف على القطاع، كما وصفت بأنها "حرب إبادة جماعية"، إذ ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلية العديد من المجازر المروعة، منها مجزرة الشجاعية التي قصفت خلالها 50 عمارة سكنية ومنزلا، وهو ما أدى لاستشهاد واصابه المئات من المواطنين.

قوة بشرية

تعد نسبة الإنجاب في حي الشجاعية من بين الأعلى في العالم، إذ يبلغ معدل الأسرة الواحدة ما بين 8 أفراد و16 فردا، ويستقبل الحي نحو 10 آلاف مولود جديد كل عام.

ويكتسب حي الشجاعية مكانة مهمة في التاريخ الفلسطيني لأنه كان مقرا تاريخيا لانطلاقة أغلب الفصائل، إذ شهد البدايات الأولى لمنظمة التحرير الفلسطينية، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وهو المقر الرئيسي للحركات الإسلامية، وفي مقدمتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي.

ومن أبنائه العديد من قادة كتائب القسام، ومن أبرزهم أحمد الجعبري، نائب القائد العام للكتائب، الذي اغتيل بقصف إسرائيلي في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2012.

كما ضم الحي أشخاصا بارزين على الساحة الفلسطينية مثل مريم فرحات، الملقبة بـ"خنساء فلسطين" والمعروفة أيضا بـ"أم نضال"، والتي قدمت 3 من أبنائها شهداء، وتوفيت عام 2013 في مستشفى الشفاء بعد معاناة مع المرض.

وينحدر من حي الشجاعية أيضا شاعر الثورة الفلسطينية معين بسيسو الذي ولد هناك، كما قدمت عائلات الحي العديد من الشهداء والمعتقلين وكانوا أيضا دائما في الصفوف الأولى في المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

مجازر وحصار 2024

اجتاحت قوات الاحتلال الإسرائيلي حي الشجاعية في 27 يونيو/حزيران 2024 للمرة الثالثة منذ بداية عدوانها على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، واستهل الجيش الإسرائيلي العملية العسكرية بقصف بري وجوي مكثف استهدف المباني وتجمعات المواطنين في الشوارع.

وراح ضحية هذه المجزرة العشرات من الشهداء والجرحى، في وقت يعاني منه الحي والقطاع ككل من نقص الوقود والمعدات الطبية الأساسية، وأدت إلى نزوح آلاف المدنيين من الحي إلى أماكن متفرقة تحت وضع إنساني صعب. وواصل الجيش الإسرائيلي القصف الليلي للحي وشن غارات جوية شملت عدة أحياء وسط القطاع.

وشهد حي الشجاعية بعدها عمليات عسكرية لكتائب القسام، وسرايا القدس، وكتائب الشهيد عمر القاسم، وكتائب شهداء الأقصى، استهدفت قوات الاحتلال ودباباته، ما أسفر عن خسائر في العتاد والأرواح.

ونفذ الاحتلال مجزرة أخرى قبل ذلك يوم 15 يونيو/حزيران 2023 عندما قصف عدة منازل في الحي، واستشهد على إثرها 5 بالتزامن مع عدة مجازر في القطاع.

كما شهد الحي أحد أبرز لحظات الحرب أثناء أولى عمليات الاحتلال في الشجاعية في ديسمبر/كانون الأول من 2023، عندما أطلقت القوات الإسرائيلية النار على 3 من الأسرى المحتجزين لدى فصائل المقاومة، كانوا يحملون أعلاما بيضاء ويتحدثون العبرية.

وأثناء ذات العملية العسكرية جعلت القوات الإسرائيلية من المدنيين دروعا بشرية، حيث أجبرتهم على البحث عن المقاومين سيرا بين الأبنية والطرقات، تحت تهديد القتل بطائرات مسيرة كانت ترافق كل رهينة فلسطيني.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية