القانون الدولي الإنساني قواعد الرحمة في ساحات الدماء

حفظ

A woman holds her dog as she walks past burned cars a day after an Israeli airstrike in Beirut, Lebanon, Thursday, April 9, 2026. (AP Photo/Emilio Morenatti)
آثار غارة جوية إسرائيلية في بيروت بلبنان يوم 9 أبريل/نيسان 2026 (أسوشيتد برس)

يقصد بالقانون الدولي الإنساني مجموعة القواعد والضوابط التي تهدف إلى الحد من تأثير النزاعات المسلحة، وحماية الذين لا يُشاركون في المعارك مثل المدنيين أو من لم يعودوا طرفا في القتال مثل الجنود المصابين، كما يرمي إلى الحد من الوسائل المستخدمة في الصراع أملا في التخفيف من الخسائر البشرية و المادية المترتبة عليه.

يُعدّ القانون الدولي الإنساني فرعا من فروع القانون الدولي العام، الذي يقوم أساسا على المعاهدات الدولية والقانون الدولي العرفي، إلى جانب المبادئ العامة للقانون، كما هو منصوص عليه في المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية.

ويقتضي الأمر التمييز بين القانون الدولي الإنساني الذي ينظم سلوك أطراف النزاع أثناء الحروب، وبين قواعد القانون الدولي العام التي يكرّسها ميثاق الأمم المتحدة التي تحدد مدى مشروعية لجوء الدول إلى استخدام القوة المسلحة.

ويحظر الميثاق استخدام القوة في العلاقات الدولية، مع إقرار استثنائين رئيسيين: حق الدول في الدفاع عن النفس في حال التعرض لهجوم مسلح، وإمكانية تفويض مجلس الأمن باستخدام القوة للحفاظ على السلم والأمن الدوليين.

وفي المقابل، لا يهتم القانون الدولي الإنساني بتقييم مشروعية اندلاع النزاع أو أسبابه، بل يركّز على تنظيم سلوك أطرافه بمجرد وقوعه، بهدف الحد من آثاره الإنسانية.

النشأة

تبلور القانون الدولي الإنساني في سياق تحولات عميقة شهدها القرن التاسع عشر، لكنه ارتبط بشكل مباشر بصدمة إنسانية أحدثتها معركة سلفرينو عام 1859 التي دارت بين قوات نابليون الثالث والجيش النمساوي.

في أعقاب هذه المعركة، صُدم رجل الأعمال السويسري هنري دونان من هول المعاناة التي أحدثها القتال، إذ تُرك آلاف الجرحى دون إسعاف أو رعاية، مما دفعه إلى التحرك ميدانيا، فبادر مع سكان المنطقة إلى إسعاف الجرحى دون تمييز بين الجنود، في خطوة إنسانية غير مسبوقة في زمن كانت فيه رعاية الجرحى محصورة بالانتماء العسكري.

إعلان

ولم يكتف بذلك، بل وثّق مشاهداته في كتابه الشهير "ذكريات من سلفرينو" الذي صدر عام 1862 وطرح فيه فكرة ضرورة إنشاء هيئات إنسانية محايدة تتولى علاج ضحايا الحروب، إلى جانب إقرار قواعد دولية تُلزم أطراف النزاع بحماية الجرحى.

وجدت دعوة دونان صدى واسعا في أوروبا، لتُترجم عام 1863 إلى تأسيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، باعتباره أول كيان منظم يهدف إلى تقديم الإغاثة في النزاعات المسلحة.

وبالتوازي مع هذا التطور المؤسسي، انخرط دونان مع مجموعة من الإصلاحيين في صياغة قواعد قانونية تنظم سلوك الأطراف المتحاربة، وتكفل الحد الأدنى من الحماية للجرحى والمرضى، سواء كانوا من العسكريين أو المدنيين.

وشكّل هذا الجهد المشترك النواة الأولى لما سيُعرف لاحقا بالقانون الدولي الإنساني، بوصفه إطارا قانونيا يوازن بين ضرورات الحرب واعتبارات الإنسانية.

التعريف

تعرّف اللجنة الدولية للصليب الأحمر القانون الدولي الإنساني بأنه منظومة من القواعد تهدف إلى الحد من الآثار الإنسانية للنزاعات المسلحة، عبر حماية الأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال العدائية، أو الذين كفّوا عن المشاركة فيها، وكذلك من خلال تقييد وسائل وأساليب القتال.

ويُعرف هذا القانون أيضا بمسميات مثل "قانون الحرب" أو "قانون النزاعات المسلحة"، ويُعد فرعا من فروع القانون الدولي العام الذي ينظم العلاقات بين الدول، مع تركيز خاص على سلوك الأطراف أثناء النزاعات.

ويمتد نطاق حماية القانون الدولي الإنساني ليشمل المدنيين، والجرحى، وأسرى الحرب، وكل من خرج من دائرة القتال، في حين يفرض قيودا على كيفية إدارة العمليات العسكرية، بما يحقق قدرا من التوازن بين الضرورات العسكرية والاعتبارات الإنسانية.

ومن حيث التطبيق، يسري هذا القانون على جميع أطراف النزاع بشكل متساو، دون النظر إلى الجهة التي بدأت القتال. وقد نشأ في الأصل لتنظيم النزاعات المسلحة بين الدول، دون أن يمتد في بداياته إلى الاضطرابات والتوترات الداخلية.

ولم يبدأ المجتمع الدولي في تقنين قواعد واضحة للحد من ويلات الحروب بدوافع إنسانية إلا منذ نحو قرن ونصف، وهو ما يعكس حداثة هذا الفرع القانوني نسبيا مقارنة بغيره من قواعد القانون الدولي.

التطور

شكّلت اتفاقية جنيف الأولى لعام 1864 حجر الزاوية في نشأة القانون الدولي الإنساني، إذ اقتصرت على تنظيم النزاعات المسلحة بين الدول أو التحالفات التي تشكّلها، في حين أغفلت سائر أشكال الصراعات. واستمر هذا الوضع على حاله حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية.

ويستند القانون الدولي الإنساني إلى مجموعة من الاتفاقيات والنصوص المكتوبة والعرفية، من أبرزها:

  1. الاتفاقية الأولى: تعنى بحماية جرحى ومرضى القوات المسلحة في الميدان.
  2. الاتفاقية الثانية: تعنى بحماية الجرحى والمرضى والغرقى من القوات المسلحة في البحار.
  3. الاتفاقية الثالثة: تعنى بأسرى الحرب.
  4. الاتفاقية الرابعة: تعنى بحماية السكان المدنيين وقت الحرب.
  • ب- البروتوكول الإضافي الأول المكمل لاتفاقيات جنيف الأربع، والمتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة، والمبرم عام 1977.
  • ج- القانون الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية.
  • د- اتفاقية لاهاي المتعلقة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية لعام 1907.
إعلان

وإلى جانب ذلك، يتضمن القانون الدولي الإنساني جانبا عرفيا غير مكتوب، يتمثل -وفق اللجنة الدولية للصليب الأحمر- في قواعد مستمدة من ممارسات عامة مقبولة بوصفها قانونا.

وتبرز أهمية هذا القانون العرفي في النزاعات المسلحة المعاصرة، من حيث كونه يسد الثغرات التي قد يتركها قانون المعاهدات في النزاعات الدولية وغير الدولية، بما يعزز حماية الضحايا.

epa12874311 The President of Rwanda Paul Kagame (C) leads in lighting electronic candles during the Flame of Hope alongside youth from Rwanda at the commemoration ceremony of the 32nd anniversary of the Tutsi genocide, Kwibuka 32, in Kigali, Rwanda, 07 April 2026 (issued 08 April 2026). Starting on 07 April 1994 and lasting until 15 July 1994 during the Rwandan Civil War, 800,000 people were killed by ethnic Hutu extremists targeting members of the minority Tutsi community. EPA/MOISE NIYONZIMA
الرئيس الرواندي بول كاغامي (وسط) في فعالية "شعلة الأمل" بحفل إحياء الذكرى 32 للإبادة الجماعية للتوتسي (الأوروبية)

دور الحربين العالميتين

شهدت الحرب العالمية الأولى فظاعات غير مسبوقة، وأسفرت عن سقوط نحو 9 ملايين قتيل، بينهم عدد كبير من المدنيين. ومع ذلك، لم يستشعر المجتمع الدولي الخطر الواسع الذي تفرضه الحروب على المدنيين إلا في الحرب العالمية الثانية، التي أودت بحياة نحو 60 مليون شخص، أي ما يزيد على 2.5% من سكان العالم آنذاك.

كما بدا واضحا أن التقدم التقني والعسكري ينذر بارتفاع أعداد الضحايا في الحروب المستقبلية. وفي هذا السياق، يُنسب إلى الفيزيائي ألبرت أينشتاين قوله إنه لا يعرف كيف ستكون الحرب العالمية الثالثة، لكنه يشك في أن أحدا سيبقى على قيد الحياة ليشهد الحرب الرابعة.

النظام العالمي بعد 1945

عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، عملت الدول المنتصرة على وضع أسس قانونية ومؤسسية لنظام دولي جديد، فتم إنشاء الأمم المتحدة، إلى جانب عدد من الهيئات والهياكل التابعة لها. وتمحور هذا الجهد حول حفظ السلم العالمي وتفادي اندلاع حرب جديدة، مع الحفاظ على مصالح القوى المنتصرة.

وفي ظل الفظائع التي شهدتها الحرب، خاصة بحق المدنيين، تهيأت الظروف لاعتماد اتفاقيات جنيف الأربع عام 1949، لتشكّل الأساس الذي يقوم عليه القانون الدولي الإنساني بصيغته المعاصرة.

دور الحرب الباردة

نجح النظام الدولي في الحرب الباردة في تجنب اندلاع حرب شاملة، رغم أن أزمة الصواريخ الكوبية كادت أن تتطور إلى مواجهة واسعة النطاق. غير أن السمة الأبرز لتلك المرحلة تمثلت في تعدد ساحات النزاعات المسلحة غير المباشرة بين المعسكرين، كما في الحرب الكورية، وحرب كاتانغا في الكونغو، وحرب اليمن الشمالية.

كما تأثر "الصراع العربي الإسرائيلي" بدوره بحالة الاستقطاب الدولي، إذ انعكست التوازنات بين القوتين العظميين على مجريات النزاع.

واتسمت هذه الحروب بسقوط أعداد كبيرة من المدنيين، وباستخدام أسلحة متطورة ذات قدرات تدميرية عالية لم تكن مستخدمة من قبل. وفي هذا السياق، برزت الحاجة إلى تطوير القواعد القانونية القائمة ومواءمة اتفاقيات جنيف الأربع مع طبيعة النزاعات الجديدة.

ملاحق ومعاهدات مكملة

استُكمل المسار الذي بدأ مع اتفاقيات جنيف الأربع عبر إبرام عدد من الاتفاقيات المكملة، من أبرزها اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية، التي نصت على حماية الممتلكات والمنشآت ذات الطابع الثقافي.

كما حظرت اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية استخدام الأسلحة البيولوجية، في حين نصت اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية واتفاقية أوتاوا على حظر استخدام الأسلحة الكيميائية والألغام المضادة للأفراد.

وفي عام 1977، أُقرّ البروتوكولان الإضافيان لاتفاقيات جنيف، والمتعلقان بحماية ضحايا النزاعات المسلحة، إلى جانب ملاحق أخرى تحظر استخدام أنواع معينة من الأسلحة والتكتيكات العسكرية، وتوفر حماية لفئات محددة من السكان وأنواع من الممتلكات.

متى ينطبق القانون الدولي الإنساني؟

ينطبق القانون الدولي الإنساني حصرا في حالات النزاع المسلح، حيث يقدّم نظامين أساسيين للحماية: أحدهما للنزاعات المسلحة الدولية، والآخر للنزاعات المسلحة غير الدولية. وبناء عليه، فإن تحديد القواعد الواجب تطبيقها في أي حالة يعتمد على تصنيف طبيعة النزاع نفسه.

  • النزاع المسلح الدولي

تحدث النزاعات المسلحة الدولية عندما تستخدم دولة أو أكثر القوة المسلحة ضد دولة أخرى. كما يُصنَّف أي نزاع يقع بين دولة ومنظمة دولية ضمن هذا الإطار باعتباره نزاعا مسلحا دوليا.

إعلان

وتُدرج أيضا حروب التحرر الوطني ضمن هذا النوع من النزاعات في حالات معينة، خاصة عندما تخوض الشعوب قتالها ضد الاحتلال الأجنبي أو السيطرة الاستعمارية أو الأنظمة العنصرية، باعتبار ذلك ممارسة لحق تقرير المصير.

  • النزاع المسلح غير الدولي

أما النزاع المسلح غير الدولي، فيقع عندما تدور الأعمال القتالية بين القوات المسلحة لدولة ما وجماعات مسلحة منظمة غير تابعة لها، أو بين هذه الجماعات فيما بينها.

ولكي يُصنَّف الوضع نزاعا مسلحا غير دولي، يجب أن تبلغ حدة الأعمال العدائية مستوى معينا من الشدة، وأن تكون الجماعات المسلحة المشاركة فيه منظمة تنظيما كافيا يتيح لها القيام بعمليات عسكرية مستمرة.

المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني

يقوم القانون الدولي الإنساني على 4 مبادئ أساسية تهدف إلى الحد من آثار النزاعات المسلحة وحماية غير المشاركين في القتال:

  • الإنسانية: حماية كرامة الإنسان في جميع الظروف، ومنع أعمال العنف غير الضرورية، وضمان معاملة الضحايا بإنسانية.
  • التمييز: التفرقة بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأهداف المدنية والعسكرية، بحيث تُوجَّه الهجمات فقط نحو الأهداف العسكرية.
  • الضرورة العسكرية: إجازة استخدام القوة عند الضرورة أثناء القتال، بشرط أن تكون مؤقتة ومحصورة بسياق العمليات، وألا تتجاوز ما تفرضه الحاجة العسكرية.
  • التناسب: منع الهجمات التي تسبب أضرارا مفرطة للمدنيين أو الممتلكات مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة.

الفرق بين القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان

القانونان يتكاملان في هدف واحد هو حماية الإنسان وكرامته، ويشتركان في قواعد أساسية مثل حظر التعذيب، ويطبّقان بشكل متوازٍ وليس متعارضا.

ويختص قانون حقوق الإنسان بمجموعة حقوق أساسية ملازمة لكل إنسان، بغض النظر عن جنسيته أو دينه أو عرقه أو أي صفة أخرى، ويقوم على مبدأ المساواة وعدم التمييز، ويُعد أيضا فرعا من القانون الدولي العام.

ومن أوجه الاختلاف أن القانون الدولي الإنساني يميّز بين المدنيين والمقاتلين، بينما قانون حقوق الإنسان لا يقوم على هذا التمييز. وبعض حقوق الإنسان يمكن تقييدها في حالات الطوارئ، في حين أن قواعد القانون الدولي الإنساني لا تقبل الانتقاص لأنها صُممت خصيصا لحالات النزاع المسلح.

ويطبق القانون الدولي الإنساني فقط أثناء النزاعات المسلحة، بينما قانون حقوق الإنسان يطبق في السلم والحرب على حد سواء (مع بعض الاستثناءات المحدودة).

تحديات

يواجه القانون الدولي الإنساني تحديات كبيرة، خاصة في سياق النزاعات المسلحة، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى طبيعته القائمة على تحقيق توازن دقيق بين المتطلبات العسكرية للدول وحماية الأشخاص غير المشاركين في القتال.

ورغم أن الغالبية العظمى من دول العالم قد انضمت إلى اتفاقيات جنيف الأربع وملاحقها، فإن الحروب لا تزال تتسبب في مآسٍ واسعة، ولا سيما في صفوف المدنيين الذين يشكّلون في كثير من الأحيان النسبة الكبرى من ضحايا النزاعات المسلحة.

إلى جانب النزاعات بين الدول، تمثل الاضطرابات الداخلية أحد أبرز التحديات التي تواجه القانون الدولي الإنساني، نظرا لما يكتنف نصوصه من غموض في هذا المجال. إذ يُحيل هذا النوع من الاضطرابات في الأصل إلى القوانين الوطنية، انطلاقا من مبدأ سيادة الدول، ولا يُدرج ضمن نطاق تطبيقه إلا في حال تحوّله إلى نزاع تقوده جماعات مسلحة أو تمرّد منظم ضد النظام القائم.

المحكمة الجنائية الدولية

كشفت المجازر التي شهدتها الإبادة الجماعية في رواندا وحروب يوغوسلافيا عن قصور في معالجة الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، خاصة تلك المرتبطة بالنزاعات الداخلية، حيث كان المدنيون في كثير من الحالات من بين أول الضحايا.

واستجابة لذلك، أنشأت الأمم المتحدة محكمتين خاصتين بكل من رواندا ويوغوسلافيا، قبل أن يتم إقرار آلية دائمة لملاحقة مرتكبي هذه الجرائم عبر نظام روما الأساسي عام 1998، الذي أسس للمحكمة الجنائية الدولية.

وبدأت المحكمة عملها رسميا في يوليو/تموز 2002، بصفتها هيئة قضائية دولية مختصة بالنظر في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة منذ عام 2003.

المصدر: الجزيرة

إعلان