الزاوية الليبية.. مدينة الزوايا القرآنية

مدينة ليبية تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط شمال غربي البلاد، وتبعد نحو 50 كيلومترا عن العاصمة طرابلس.
يرجع اسمها -بحسب روايات- إلى كثرة زوايا تحفيظ القرآن فيها، وتعرف رسميا باسم "الزاوية الغربية"، تمييزا لها عن "الزاوية البيضاء" الاسم القديم لمدينة البيضاء شرق ليبيا، وهي عاصمة منطقة الزاوية وخامس أكبر مدن البلاد من حيث عدد السكان بعد طرابلس وبنغازي ومصراتة والبيضاء.
عرفت المدينة تاريخا حافلا بالصراعات، وكانت منشآت النفط الحيوية فيها محورا للعديد من النزاعات التي شهدتها، لكنها أصبحت مدينة حديثة تضمّ مرافق خدمية وجامعة تحمل اسمها، إلى جانب واحدة من أهم مصافي النفط في ليبيا.
شهدت في أغسطس/آب 2026، هجمات بالمسيّرات استهدفت منشآت نفطية وحيوية، عقب اشتباكات بين مجموعات مسلحة امتدت إلى مدينة صرمان المجاورة.
الموقع والسكان
تقع مدينة الزاوية على ساحل البحر الأبيض المتوسط شمال غربي ليبيا، على بعد نحو 50 كيلومترا من العاصمة طرابلس، وتتبع إداريا لمحافظة الزاوية. تحدها مدينة صرمان غربا، ومدينة جنزور شرقا، وسلسلة جبال نفوسة جنوبا، وتبلغ مساحتها الإجمالية 1520 كيلومترا مربعا.
تعد الزاوية أكبر تجمع سكاني بالقرب من العاصمة طرابلس، ويضم سكانها عربا وأمازيغ وليبيين من أصول أفريقية. ووفقا لإحصاءات عام 2021، بلغ عدد سكانها 357631 نسمة وفق مصلحة الإحصاء والتعداد الليبية.

التاريخ
يرجع باحثون نشأة الزاوية إلى العصر الفينيقي، حين عرفت باسم "أساريا" واتخذت محطة تجارية ومرسى للسفن قبالة ساحل قرية الطويبية الحالية. واعتمد سكانها آنذاك على الزراعة وتربية المواشي والصيد البحري، وأقاموا علاقات تجارية مع الفينيقيين ارتكزت أساسا على المنتجات الزراعية.
ذكر المدينة أبو محمد عبد الله بن محمد التيجاني (675-721هـ) في كتابه "رحلة التيجاني"، وكانت تعرف في القرن السابع الهجري باسم "زاوية أولاد سنان"، ووصفها بأنها بلدة ذات شأن، تضم عددا من المباني والسكان، وتشكل سوقا كبيرة للعرب.
ويرجح أن اسمها الحالي ارتبط بكثرة زوايا تحفيظ القرآن فيها، ومن أبرزها زاوية أولاد سنان التي عرفت منذ القرن السادس الهجري، وزاوية بن شعيب التي أسسها الشيخ الحاج محمد بن شعيب عام 1215 للهجرة، وزاوية ابن حمزة في عوسجة، وزاوية أولاد يربوع المعروفة بزاوية الكريمات التي بنيت نحو عام 1271 للهجرة.
وفي العهد العثماني، كانت الزاوية قضاء من الدرجة الثانية يضم العجيلات وزوارة والحوض، ومع بدء الاحتلال الإيطالي، أصبحت إحدى القواعد الرئيسية للمقاومة الليبية، مما جعل السيطرة عليها هدفا للقوات الإيطالية.
الاحتلال الإيطالي
احتلت القوات الإيطالية الزاوية في 4 ديسمبر/كانون الأول 1912، بعد معارك أبرزها السكومة والرأس الأحمر والقبي بالحرشة والقطار ورأس القنة.
وفي معركة السكومة سقط 150 من أهالي المدينة، بعدما عمد بعض المقاتلين الليبيين إلى ربط أرجلهم خشية التراجع عن القتال. لكن القوات الإيطالية اضطرت إلى الانسحاب من المدينة في 17 يوليو/تموز 1915، إثر الثورة التي امتدت في أنحاء البلاد وحصرت وجودها في طرابلس حتى عام 1922.
وفي عام 1918، تحركت قوة إيطالية بقيادة الكولونيل متزتي من زوارة، وخاضت معارك في قصر تليل والعجيلات قبل أن تحتل الزاوية في 20 ديسمبر/كانون الأول.
وفي 10 فبراير/شباط 1919، شهدت المنطقة معركة عنيفة بين المجاهدين والقوات الإيطالية، وخلال تلك المرحلة اتخذت الجمهورية الطرابلسية -التي تعد أول جمهورية دستورية في الوطن العربي- من الزاوية مقرا لقيادتها.
تجددت المقاومة عقب احتلال القوات الإيطالية قصر أحمد في 24 يناير/كانون الثاني 1922، وتركز نشاط المجاهدين بين العزيزية والزاوية، حيث قطعوا خطوط السكك الحديدية التي تربط المدينتين بطرابلس، وعزلوا الحاميتين الإيطاليتين فيهما. ودفع ذلك والي طرابلس الغرب جوزيبي فولبي إلى وضع خطة مكنت من فك الحصار وإعادة احتلال المناطق الداخلية، بعد معارك وعمليات قمع استخدمت فيها القوات الإيطالية الطيران الحربي على نطاق واسع، بالتعاون مع القطع البحرية.
إداريا، ظلت الزاوية في عهد الاحتلال الإيطالي تابعة لطرابلس مع احتفاظها بقدر من الاستقلالية، وأصبحت محافظة في العهد الملكي، ثم بلدية فشعبية في عهد الجماهيرية.

الثورة الليبية
ومع اندلاع ثورة 17 فبراير/شباط 2011، شهدت المدينة معارك عنيفة بين الثوار وكتائب نظام معمر القذافي. ودارت مواجهات في ميدان الشهداء ومحيط المدينة، في محاولة لفك الحصار المفروض عليها، قبل أن يسيطر الثوار على المدينة في أواخر أغسطس/آب 2011.
وبعد سقوط نظام القذافي، أصبحت الزاوية منطقة إدارية تمتد من رأس جدير على الحدود التونسية غربا إلى جنزور شرقا. وشهدت لاحقا اشتباكات قبلية متفرقة، كان أبرزها في يناير/كانون الثاني 2014، كما أدت احتجاجات إلى توقف مصفاة الزاوية، التي تبلغ طاقتها الإنتاجية في الظروف الطبيعية 120 ألف برميل يوميا.
الاقتصاد
يرتكز اقتصاد الزاوية أساسا على قطاعي النفط والزراعة، إذ تقع المدينة بالقرب من حقل نفطي مهم، وتضم أول مصفاة للنفط في ليبيا، إلى جانب أكبر مصفاة لإنتاج النفط وتكريره في البلاد.
ويصدر ميناؤها نحو 251 ألف برميل من النفط، وهو ميناء تصدير النفط الوحيد في غربي ليبيا، في حين تتركز بقية الموانئ النفطية في وسط البلاد.
وتسهم وفرة المياه الجوفية في دعم النشاط الزراعي، ولا سيما زراعة البطاطا والبصل والطماطم، إلى جانب تربية المواشي.
الأهمية الإستراتيجية
تكتسب الزاوية أهمية إستراتيجية لاحتضانها مصفاة نفطية ومرافق حيوية، إلى جانب إشرافها على الطريق الساحلي ومعابر رئيسية تربط مدن الساحل الغربي بالعاصمة طرابلس.
وتسيطر "قوة الإسناد الأولى"، بقيادة محمد بحرون المعروف بـ"الفار" على مناطق في المدينة والطريق الممتد منها شرقا نحو طرابلس، في ظل خريطة أمنية معقدة تضمّ تشكيلات مسلحة ترتبط بدرجات متفاوتة بمؤسسات الدولة، مع احتفاظها بقياداتها ومناطق نفوذها وتحالفاتها الخاصة.
في أغسطس/آب 2026، شهدت الزاوية ثلاث هجمات بالمسيّرات في يومين، استهدفت منشآت نفطية وحيوية، عقب اشتباكات بين مجموعات مسلحة امتدت إلى مدينة صرمان المجاورة. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجمات، كما لم تتضح دوافعها.