المجتمع الدولي.. تعريفه ومقوماته وتاريخه

"المجتمع الدولي" مصطلح سياسي واسع الانتشار، ورغم كثرة تردده واستعماله إعلاميا وفي المحافل الدولية، يبقى تعريفه أمرا مختلفا فيه، ويرى البعض ألاّ وجود له، لكنه يستعمل عادة حسب معجم جامعة كامبريدج للإشارة إلى "اجتماع دول العالم للعمل بشكل جماعي في أمر ما"، وقد يستعمل للإشارة إلى الأمم المتحدة وحلفائها.

تعريف المجتمع الدولي

يستعمل المصطلح في المجال السياسي تحديدا، وتستعمله وسائل الإعلام لوصف دول العالم أو جزء منها أو حكوماتها عندما تتفق على أمر ما، وبدقة أكثر يقصد به "جميع الدول ذات النفوذ الدولي التي تختار المشاركة في المناقشات العالمية وصنع القرار العالمي".

ويعرفه الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان بالقول إنه "عندما تعمل الحكومات، بدفع من المجتمع المدني معا لتحقيق أهدافها الإنسانية والعمل من أجل سيادة القانون".

ويقول أستاذ اللسانيات والفيلسوف الأميركي نعوم تشومسكي إن المعنى الحرفي لمصطلح المجتمع الدولي يعني "الجمعية العامة للأمم المتحدة"، أما استخدامه فيقتصر على "الولايات المتحدة وحلفائها".

وهناك تعريف آخر قريب وهو "كافة الدول والمنظمات الإقليمية والدولية، مثل هيئة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، وغيرها من المنظمات التي أنشأت بموجب اتفاقيات ومعاهدات دولية، التي تتفاعل مع بعضها بعضا في العالم".

ومن جهتها، عرّفت المحامية الأميركية روث ويدجوود المصطلح بأنه "مفهوم خطر وغير واقعي"، وقالت إن "استعماله يعفي الدول التي لا تنوي تقديم المساعدة من أي التزامات فعلية، فيضطر القادة إلى سن قوانين غير واقعية، مما يجعل الدول والجهات الفاعلة غير الحكومية تتصرف بطرق غير عملية".

ووفق معهد الموسوعة الإيطالية، فالمجتمع الدولي هو "عدة دول وكيانات أخرى (منظمات دولية) تدير علاقاتها فيما بينها وفقا للقانون الدولي". وفي ورقة بحثية تابعة لجامعة أم البواقي عرف المصطلح بأنه "مصطلح حديث يستعمله السياسيون للتعبير عن وجود مجتمع متضامن دون تحديد مفهوم دقيق له، وينظمه القانون الدولي العام".

ويقول تعريف آخر إنه "الدول ذات سيادة التي تستطيع أن تقيم علاقات فيما بينها ومجبرة على التعايش في الزمان والمكان مع بعضها بعضا".

ويعرفه محمد سعيد الدقاق بأنه "مجموعة من الوحدات السياسية التي تمثل كل واحد منها انتماء سياسيا معينا لمجموعة من أفراد المجتمع، وتتمتع كل منها بنظام قانوني خاص بها".

وعرفه محمد كامل ياقوت بأنه "وجود وحدات في نطاق إقليمي متمايزة عن بعضها بعضا في الشخصية، وتشغل مراكز متفاوتة في بناء المجتمع، وتتمتع بدرجات متفاوتة من الحريات والحقوق والسلطة التي تضيفها عليها مراكزها في المجتمع، وتقوم بينها علاقات متبادلة مستمرة تنظمها قواعد عامة ملزمة أو على الأقل محترمة من معظم هذه الوحدات".

خصائص المجتمع الدولي ومقوماته

للمجتمع الدولي عدة خصائص تميزه، فهو يشمل عدة دول ومنظمات، ولديه تشكيلته الخاصة المكونة من كيانات سياسية مستقلة لها سيادة، ولكل منها هوية مختلفة، وهي غير مترابطة وتحكمها قوانين دولية، والتعاون بينها يكون في إطار المصلحة والتدافع.

أدت عدة مقومات عالمية لبروز المجتمع الدولي والنظر إلى العالم ككيان واحد بين مكوناته نطاق مشترك، ومن هذه المقومات "تحريم استخدام القوة في العلاقات الدولية"، علما أن ذلك لا ينفي وجودها، إلا أن آليتها اختلفت بسبب معاهدات واتفاقات تحدد التعاملات بين الدول.

ومن المقومات الأخرى صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، مما ساهم في توحيد العالم، واعتبر "الناس جميعا سواء أمام القانون ويتساوون في حق التمتع بحماية القانون دون تمييز".

إضافة إلى الإحساس المشترك بضرورة التضامن الدولي لمواجهة الفقر والتخلف. وأخيرا صدور القانون الدولي الذي "وضع القواعد التي تحكم العلاقات بين الدول فيما بينها، أو تلك التي تكون المنظمات الدولية طرفا فيها"، أي اختصارا وضع أسس لتنظيم المجتمع الدولي.

وتنقسم شخوص المجتمع الدولي إلى مجموعتين، الأولى يندرج تحتها أشخاص القانون الدولي العام (أي الدول) والثانية الكيانات المتمتعة بالشخصية القانونية الدولية وهي المنظمات الدولية الحكومية العالمية والإقليمية.

السياق التاريخي

لم يكن المجتمع الدولي وليد اللحظة ولا جاء فجأة، إنما هو نتاج تفاعل حضاري عبر التاريخ، وخصائصه ومقوماته ساهمت جميعها تدريجيا بإرساء قواعد لجمع دول العالم تحت مظلة دولية قانونية واحدة.

تعد "معاهدة قادس" بين فرعون مصر رمسيس الثاني وملك الحيثيين "خاتسار" عام 1278 قبل الميلاد، أول معاهدة دولية من نوعها في تاريخ البشرية، فقد أنهت الحرب بينهما، وشكّلت بداية تحالف مشترك، وتضمنت صياغات وعناصر لا تزال تستخدم حتى الآن.

وفي الشرق ظهر قانون "مانو" الهندوسي الذي نظم العلاقات بين الكيانات السياسية المختلفة في الحرب والسلم، وتضمن أيضا بنودا عن عقد الاتفاقيات والمبعوثين. وكانت للصين أيضا علاقات متبادلة ضبطتها بنظام "كونفوشيوس".

لكن عموما كانت نظرة الاستعلاء عند بعض الحضارات وإيمانها بتفوقها عرقيا وحضاريا على غيرها، عائقا أمام العلاقات الدولية، حيث غالبا ما كان يتم إخضاع شعوب العالم والسيطرة عليها من قوى كبرى بالقوى دون مراعاة أي اعتبارات إنسانية، وكانوا يرون شرعية قتلهم واسترقاقهم، كما في تاريخ العلاقات الدولية زمن اليونان والرومان.

وبعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية، ظهرت الحضارة الإسلامية التي أرست عبر شريعتها عددا من المبادئ والجوانب الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية في العلاقات الدولية، أهمها وأبرزها ترسيخ مبدأ السلام في العلاقات الدولية والالتزام بالعهود واحترامها وكذا حماية حقوق الإنسان.

في المقابل، كان المجتمع الأوروبي يصارع بعد سقوط الدولة الرومانية، وقد دخل في نزاعات قسمته إلى ممالك وإمارات متنازعة بقيت كذلك حتى القرن الثامن الميلادي، فخلص البابا عام 800 إلى تطبيق نظرية السيادتين التي تحكم المجتمعات بسلطتين، الأولى دينية تديرها الكنيسة والثانية الدولة ويتحكم بها الإمبراطور.

زعزعت هذه النظرية استقرار أوروبا وفاقمت الصراعات بين الكنيسة والحكومة، فقاد ذلك فيما بعد لظهور النظام الإقطاعي الذي وفر إمكانية الانفراد بالسلطة للأمراء والحكام، واستمرت أوروبا في صراعات وحروب حتى نهاية القرون الوسطى في أوروبا في القرن الـ15.

ولادة المجتمع الدولي الحديث

بدأت أوروبا بعدها مرحلة جديدة، وعملت على تطوير العلاقات الدولية الحديثة، خاصة مع بدء توسع مستعمراتها واكتشاف مناطق جديدة زادت من سيطرتها وقوتها عالميا.

وبالتدريج استطاعت أوروبا التخلص من هيمنة الكنيسة، وقضت على الأنظمة الإقطاعية، وظهرت إنجلترا كأول دولة حديثة، ولإنهاء الصراعات والحروب الدينية بين الكاثوليك والبروستانت المستمرة (حرب الثلاثين عاما) أبرم حكام أوروبا اتفاقية "وستفاليا" عام 1648 التي عدت صك ميلاد القانون الدولي العام.

عقب معاهدة وستفاليا احتاجت الدول المستعمِرة الأوروبية تنظيم المستعمرات فيما بينها، وأنشئ المؤتمر الأوروبي، فكانت أول أشكال المجتمع الدولي، لكنها اقتصرت على الدول الأوروبية مهمشة باقي دول العالم.

قررت الدول الأوروبية إنشاء "القانون العام الأوروبي" لتنظيم ما قد ينشأ بينها من تعاونات، وكان قوامه المساواة القانونية بين الدول، وبقي قانونا أوروبيا مسيحيا حتى عام 1856 عندما انضمت إليه تركيا ثم اليابان، ولم يعد يخص القارة الأوروبية فقط، وهكذا بدأ يتسع حتى انضمام دول أخرى.

مع تطور الثورة الصناعية وبداية تقارب العالم أكثر وتواصله بشكل أعمق، وبعد الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الأولى، ظهرت الحاجة إلى وجود تعاون دولي يضبط العلاقات بين الدول ويوضح آليتها لإرساء "السلام" ومنع نشوب حرب عالمية ثانية، فأنشئت "عصبة الأمم"، لكن الولايات المتحدة رفضت التصديق على ميثاقها، ففشلت.

وفي عام 1945 وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تأسست هيئة الأمم المتحدة وبرز المجتمع الدولي بمفهومه الحالي، وبدأت عدة دول تتحرر من قبضة الاستعمار وتبرز بوصفها كيانات مستقلة لها سيادة، بالتزامن مع تأسيس منظمات إقليمية ودولية وهيئات متخصصة ومعاهدات واتفاقات دولية نظمت العلاقات فيما بينها.

نجحت الأمم المتحدة من جهة في القضاء على عدد كبير من الأمراض المعدية، إضافة إلى إرسائها عددا من الاتفاقيات والقوانين منها قانون البحار عام 1982 والإطار الأساسي للتعامل مع النزاعات البحرية، وأيضا تأسيسها لفريق حكومي دولي لتغير المناخ عام 1988.

وساهم "الرأي العام العالمي" في تعزيز نطاق القانون الدولي، مما دفع الحكومات لتوقيع معاهدة حظر الألغام عام 1997، وإنشاء المحكمة الجنائية الدولية عام 1998.

من جهة أخرى، فشلت الأمم المتحدة في عدة جوانب، فلم تستطع تفادي الحرب الباردة وحرب فيتنام وحرب يوغوسلافيا، وأيضا الحرب في الجزائر، ولا وقف الإبادة الجماعية في كمبوديا ورواندا وفلسطين، ولا حل الأزمات بعد الربيع العربي وما لحقه من اعتقالات وتهجير.

القانون الدولي

القانون الدولي هو جملة من القواعد الدولية التي تهدف لتنظيم العلاقات بين مختلف مكونات المجتمع الدولي، والتي بدورها شهدت تطورا مهما، الأمر الذي ساهم في إثراء ماهية القانون الدولي من جهة والمجتمع الدولي من جهة أخرى.

ولا يقتصر دور القانون الدولي على الوظيفة التنظيمية، وإنما له وظيفة تأطيرية، تكمن في تدعيم نطاقه ومجال تدخله من خلال تأطير جل المجالات التي تعد هاجسا للمجتمعات الإنسانية لغاية إرساء أرضية ملائمة تهدف لتجسيد قيم التعاون والتشارك بين مختلف الدول.

وأهميته التأطيرية تكمن في الحضور المكثف للمنظمات الدولية، ذات الطابع الاقتصادي والصحي والثقافي والحقوقي والرياضي وغيرها، التي سعت لمأسسة القانون الدولي وتوفير مناخ مناسب للتوافق، الغاية منه توطيد العلاقات الدولية.

المصدر : مواقع إلكترونية