قرية حمود الأردنية.. ذاكرة من الحجارة والعلم والمقاومة تتحدى الرصاص

الكرك – لم تكن قرية حمود، الواقعة شمال شرقي مدينة الكرك جنوبي الأردن، تتوقع أن يصبح اسمها عنوانا للفاجعة، بعدما عاشت لأكثر من قرن وهي تنسج حكايتها بهدوء بين البيوت الحجرية وحقول القمح وأجراس الكنيسة.
فالقرية التي يقول أهلها إن رجال الأمن لم يدخلوها يوما لفض مشاجرة بين سكانها، وجدت نفسها أمام مشهد لم تعرفه ذاكرتها، حين اخترق الرصاص سكينتها، وحوّل مناسبة للعزاء إلى مأساة وطنية.
قصص مقترحة
list of 2 itemsوعلى مسافة نحو 25 كيلومترا من مركز مدينة الكرك، تقف حمود شاهدة على تاريخ اجتماعي وثقافي يتجاوز مساحتها الجغرافية المحدودة. فمن هذه القرية خرج مثقفون ومقاومون وشخصيات تركت آثارها في الحياة الفكرية والسياسية العربية، بينما بقيت حجارتها القديمة تحتفظ بتفاصيل مجتمع بنى مؤسساته الأولى بجهود أبنائه.

قرية مسالمة
يروي أهالي حمود للجزيرة نت أن قريتهم عرفت عبر تاريخها تقاليد اجتماعية جعلت من التفاهم والاحتكام إلى الوجهاء وسيلة لمعالجة الخلافات، مؤكدين أنها لم تشهد، بحسب ذاكرتهم المتوارثة، مشاجرة استدعت تدخل رجال الأمن.
وتحمل هذه الرواية دلالة خاصة في قرية شهدت هجوما مسلحا أمس الجمعة استهدف كنيسة خلال مراسم عزاء مخلفا قتلى وجرحى؛ إذ يبدو التناقض صارخا بين تاريخ طويل من السكينة ومشهد العنف الذي اقتحم المكان.
ولم تكن العلاقات الاجتماعية فيها قائمة على الجوار وحده، بل على شبكة واسعة من الروابط العائلية والاقتصادية، جعلت البيوت المتلاصقة امتدادا لبعضها، كما جعلت الأفراح والأحزان شأنا جماعيا لا يخص أسرة دون أخرى.
وفي الذاكرة المحلية، يبرز دور شيوخ ووجهاء، من بينهم عود القسوس وإبراهيم القسوس، في إدارة الشؤون الاجتماعية وتنظيم العلاقات بين الأهالي، وفق روايات أبناء القرية التي تحتاج بعض تفاصيلها التاريخية إلى مزيد من التوثيق الأرشيفي.
يربط جورج الهلسة، وهو أحد أبناء القرية، في حديثه للجزيرة نت، نشأتها بتاريخ عشيرة الهلسة، التي تتعدد الروايات بشأن أصولها البعيدة؛ إذ تشير روايات محلية إلى دول عربية مجاورة، بينما تربط أخرى أحد أجدادها بالعصر المملوكي، قبل استقرار العائلة في الكرك وارتباطها بعشائر المنطقة بالمصاهرة.

ذاكرة عائلية
غير أن هذه الروايات، على اختلافها، تلتقي عند حقيقة مركزية في الوجدان المحلي، وهي أن حمود نشأت امتدادا لحياة زراعية استدعت الانتقال من مدينة الكرك إلى الأراضي المحيطة بها.
فقد دفعت الحاجة إلى رعاية المحاصيل والمواشي، والإقامة بالقرب من الحقول خلال مواسم الحراثة والحصاد الطويلة، عائلات الهلسة إلى بناء مساكن مستقرة في المنطقة، لتتحول تدريجيا إلى تجمع سكاني ذي ملامح اقتصادية واجتماعية واضحة.
ويصف أبناء العشيرة ارتباطهم بالقرية بعبارة تتردد بينهم: "حمود مربط خيلنا"، في تعبير يلخص مكانة الأرض بوصفها ذاكرة عائلية لا مجرد ملكية قابلة للبيع والشراء.

وامتد حضور بعض أبناء العائلة إلى بلدان الاغتراب، لا سيما أمريكا اللاتينية، لكن الروايات المحلية تؤكد أن حمود بقيت حاضرة في وجدان المهاجرين، مهما اتسعت المسافات.
من أكثر ما يميز حمود عمارتها الحجرية القديمة، التي اتخذت نمطا أفقيا يقوم على بناء المنازل متجاورة، بحيث يضيف الأبناء مساكنهم إلى بيوت الآباء، فتبدو القرية كأنها بيت كبير تتعدد أبوابه.
وفي بعض تلك المنازل، وجدت فتحات صغيرة تعرف محليا باسم "الطاقة"، تصل بين البيوت المتلاصقة، وتتيح للجيران التواصل دون مغادرة منازلهم. وأصبحت وسيلة لتبادل الأخبار والتنبيه إلى الطوارئ، وإبلاغ الجيران بحالات الولادة والوفاة، والاطمئنان على بعضهم.
وهكذا، تحولت العمارة إلى صورة مادية للتكافل الاجتماعي؛ جدران تفصل بين الغرف، لكنها لا تقطع الصلات بين سكانها.

كنز تاريخي وتراثي
وتشكل مباني حمود القديمة، إلى جانب سوقها ومطحنتها ومدرستها، كنزا تاريخيا وتراثيا يؤهل القرية لتكون وجهة سياحية وثقافية. ولم ينتظر أهاليها وصول المؤسسات التعليمية إليهم، بل بادروا إلى تأسيس مدرستهم بتمويل محلي عام 1922.
وبحسب تصريح الباحث حيدر الهلسة للجزيرة نت، كانت المدرسة الأولى في شمال الكرك، والثانية على مستوى المحافظة، وأسهمت في تعليم أبناء القرية والقرى المجاورة.
وتكشف هذه المبادرة عن مجتمع أدرك مبكرا أن التعليم ليس ترفا، فساهم الأهالي في إنشاء الغرف الصفية وتوفير احتياجاتها ودفع أجور المعلمين، بالتنسيق مع الجهات التعليمية آنذاك.
أما السوق التجاري، فكان مقصدا لتجار من مختلف مناطق الكرك، يبيعون الحبوب والخضراوات، ويشترون بضائع يجلبها أبناء حمود من فلسطين وبلاد الشام (سوريا).
وكانت المقايضة حاضرة في التعاملات التجارية بسبب ندرة النقود، بينما شكّلت مطحنة الحبوب التي عرفتها القرية عام 1939 محطة اقتصادية مهمة، يقصدها المزارعون وسكان المناطق المجاورة.

مكانة مركزية
احتلت الكنيسة مكانة مركزية في الحياة اليومية لحمود، فلم تقتصر وظيفتها على إقامة الصلوات، بل كانت فضاء اجتماعيا ارتبط بمناسبات الميلاد والزواج والوفاة.
وتشير الروايات التي سردها أبناء القرية، للجزيرة نت، إلى أن الحضور الكنسي رافق المراحل الأولى لاستقرار السكان، وأن الكنيسة أدت دورا في توثيق الوقائع الاجتماعية وجمع الأهالي في مناسباتهم المختلفة. ولهذا، فإن استهدافها لم يكن اعتداء على مبنى ديني فحسب، بل أصاب مكانا تختزن جدرانه ذكريات أجيال من أبناء القرية.
وفي حمود، كما في مدن وقرى أردنية كثيرة، تشكّل العلاقة بين المسلمين والمسيحيين جزءا من الحياة الاجتماعية الممتدة، لا مجرد شعار يُستحضر عند الأزمات.
لم تتوقف مساهمتها عند التعليم والزراعة والتجارة؛ إذ ارتبط اسم عائلة الهلسة بشخصيات بارزة في الثقافة والسياسة والعمل الوطني العربي.
ومن أبرز هذه الأسماء الروائي والناقد غالب الهلسة، أحد الوجوه المعروفة في الأدب العربي الحديث، الذي ترك أعمالا روائية ونقدية تناولت الإنسان والمدينة والتحولات الاجتماعية والسياسية، وارتبط اسمه بالحياة الثقافية العربية والعاصمة اللبنانية بيروت خلال سنوات الحرب.
ويبرز كذلك يعقوب العودات، المعروف بالبدوي الملثم، وهو أديب وباحث أردني اهتم بالتراجم والتاريخ والأدب، وأسهم في توثيق جوانب من الحياة الثقافية والوطنية.

اختبار
أما تيريزا الهلسة، المناضلة الأردنية المولودة في مدينة عكا، فارتبط اسمها بعملية اختطاف طائرة سابينا عام 1972 للمطالبة بالإفراج عن أسرى فلسطينيين. واعتقلتها إسرائيل عقب العملية، قبل الإفراج عنها عام 1983 في صفقة تبادل أسرى، ثم عاشت في الأردن حتى وفاتها عام 2020.
وتنسب روايات إعلامية عربية إليها "إصابة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال اقتحام الطائرة"، بينما تختلف روايات أخرى بشأن مصدر الرصاصة التي أصابته.
ويبرز في تاريخ القرية اسم مشعل الخيطان الهلسة، الذي أمضى سنوات في معتقل الخيام الإسرائيلي جنوبي لبنان، في امتداد لسجل من المشاركة الوطنية لأبناء القرية، الذين انخرط بعضهم في المقاومة الفلسطينية، بينما خدم آخرون في صفوف القوات المسلحة الأردنية.
وتبقى درجة الارتباط المباشر لبعض هذه الشخصيات بالقرية، سواء بالولادة أو الإقامة أو الجذور العائلية، مسألة ينبغي التمييز فيها بين الرواية المحلية والسيرة الشخصية الموثقة.

اليوم، تواجه حمود اختبارا قاسيا لذاكرتها؛ فالقرية التي شيّد أهلها مدرسة بأموالهم، وفتحوا بين بيوتهم منافذ للتواصل، وجعلوا من السوق والكنيسة ساحات للقاء، أصبحت شاهدة على جريمة هزت الأردن. لكن تاريخها الممتد يروي حكاية أوسع من لحظة الدم؛ قصة أناس تمسكوا بالأرض، وورثوا أبناءهم العلم والعمل والارتباط بالمكان.
وبيّن حجر قديم يحتفظ بأصوات الأجداد، وجرس كنيسة خيّم عليه الحزن، تبدو حمود اليوم قرية صغيرة تحمل وجعا كبيرا.
