واشنطن دي سي.. عاصمة أميركا المسماة على أول رئيس للبلاد

العاصمة الفدرالية للولايات المتحدة الأميركية، اكتسبت ملامحها العمرانية والجغرافية والسكانية على إيقاع استقلال البلاد عن المستعمر البريطاني عام 1775 وبداية تشكيل الهوية السياسية والإدارية للأمة الجديدة.
تأسست المدينة رسميا عام 1790 بعد توافق بين الولايات على مكان مستقل بعيدا عن الاستقطاب بين شمال البلاد وجنوبها، وتم الاتفاق على إقامتها على أراض من ولاية شمالية هي ميريلاند وولاية جنوبية مجاورة هي فيرجينيا.
سميت المدينة باسم الرئيس الأميركي الأول جورج واشنطن، وكُلف بتصميمها المهندس الفرنسي بيير لانفان وفق رؤية لمدينة عصرية تتميز بشوارع واسعة وساحات ومنتزهات مركزها مبنى الكابيتول.
وبعد مئات السنين على تثبيتها عاصمة فدرالية لأميركا، تطورت واشنطن وأصبحت متعددة الملامح وذات طابع مميز، فهي مدينة محلية للمقيمين والعاملين فيها، ومركز دولي للسلطة والنفوذ، ووجهة سياحية تجذب الزوار من أميركا وخارجها.
التسمية
يجمع اسم العاصمة الأميركية، واشنطن دي سي (ديستريكت أوف كولومبيا/مقاطعة كولومبيا) بين الإحالة إلى أول رئيس للبلاد، جورج واشنطن، والإحالة إلى الاسم التاريخي للولايات المتحدة نفسها، باستحضار اسم كريستوفر كولومبوس، الذي يُنسب إليه تاريخيا اكتشاف القارة الأميركية.
ويكرّم الجزء الأول من التسمية شخصية جورج واشنطن، القائد العام للجيش القاري في الثورة الأميركية ضد الاستعمار البريطاني وأول رئيس للولايات المتحدة (1789-1797).
وتم إطلاق اسم "مدينة واشنطن" في 9 سبتمبر/أيلول 1791، بينما كان الرئيس الأول للبلاد على قيد الحياة ويتولى منصبه.
أما الجزء الثاني من التسمية، فإنه منبثق من دستور الولايات المتحدة، الذي نص على إنشاء مقاطعة فدرالية، منفصلة عن أي ولاية، لتكون المقر الدائم للحكومة الوطنية.
يضم اسمها الحرفين دي سي المأخوذين من (ديستركت أوف كولومبيا أو مقاطعة كولومبيا)، وهي لا تتبع لأي ولاية وتختلف عن ولاية واشنطن، التي تقع بعيدا عنها في شمال غرب الولايات المتحدة على ساحل المحيط الهادي وعاصمتها مدينة سياتل.
ويحيل ذلك الجزء إلى كولومبيا باعتبارها تجسيدا شعبيا وشاعريا للأمة الأميركية المستقلة، وهو مشتق من اسم المستكشف كريستوفر كولومبوس، الذي يُنسب إليه تاريخيا الاكتشاف الأوروبي للأميركيتين. وهكذا فإن اسم "كولومبيا" يستخدم لاستحضار هوية الأمة الجديدة وتطلعاتها، كما هو الحال في معالم أخرى من البلاد بينها جامعة كولومبيا.
وتم التوصل إلى ذلك الحل السياسي الوسط لمنع أي ولاية من ممارسة أي تأثير أو نفوذ محتمل على الحكومة الفدرالية باستضافة العاصمة فوق أراضيها.
ووفق تلك التسوية تنازلت كل من ولاية ميريلاند وولاية فرجينيا عن جزء من أرضهما إلى مقاطعة كولومبيا (مع أن ولاية فرجينيا استعادت لاحقا أراضيها).
الموقع
تقع واشنطن دي سي شرق الولايات المتحدة، على الضفة الشمالية الشرقية لنهر بوتوماك على الحدود بين ولايتي ميريلاند وفيرجينيا.
وتبلغ مساحة المدينة نحو 177 كيلومترا مربعا، وتحد ولاية ميريلاند واشنطن من الشمال والشرق والجنوب، بينما تقع ولاية فرجينيا على نهر بوتوماك من جهتي الغرب والجنوب، وتحيط بواشنطن الضواحي التابعة لكل من ولايتي ميريلاند وفرجينيا.
ويقع مبنى الكابيتول (مبنى مقر حكومة الولايات المتحدة) بالقرب من وسط العاصمة واشنطن، وتمتد بعض الشوارع الواسعة من الكابيتول إلى جميع الاتجاهات، فتقسم واشنطن إلى 4 أقسام وهي الشمال الغربي والشمال الشرقي والجنوب الشرقي والجنوب الغربي.
وفي عام 1800 انتقلت الحكومة الفدرالية من مقرها المؤقت في فيلادلفيا إلى واشنطن دي سي.

السكان
قبل وصول المستوطنين الأوروبيين إليها في مطلع القرن الـ17، كانت واشنطن وهي المنطقة المحيطة بنهري بوتوماك وأناكوستيا الحاليين تزخر بالحياة والموارد الطبيعية.
وكانت تقع على ضفاف النهرين قريتان رئيسيتان للأميركيين الأصليين، فقرية ناكوتشتانك، وهي مركز تجاري رئيسي، كانت تقع في السهول الفيضية بين قاعدة بولينغ الجوية ومنتزه أناكوستيا في جنوب شرق العاصمة واشنطن، أمصا البلدة الأخرى، وهي ناميروكوينا، فكانت تقع قبالة جزيرة على الضفة الغربية لنهر بوتوماك.
وبعد 40 عاما من أول احتكاك بالمستوطنين الأوروبيين عام 1608، لم يبقَ سوى ربع سكان المنطقة الأصليين. وفي بداية القرن الـ21 يعيش أكثر من 4 آلاف أميركي أصلي في واشنطن العاصمة، ويواصلون تعريف السكان المحليين والسياح بتاريخهم وثقافتهم.
ويقدر عدد سكان المدينة عام 2025 بنحو 700 ألف نسمة، أغلبيتهم من الأميركيين الأفارقة (45%)، يليهم البيض (نحو 40%) ثم الآسيويون (نحو 4.09%) ثم الناطقون بالإسبانية، إضافة إلى الهنود الأميركيين وعرقيات أخرى.
وتزايد سكان العاصمة واشنطن إبان الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد بين عامي 1861 و1865. كما تزايد سكانها مرة أخرى إبان الحرب العالمية الأولى. وأدت الحرب العالمية الثانية إلى نمو وتطور المدينة بشكل أكبر.
وسعى سكان واشنطن لجعل مدينتهم ولاية قائمة بذاتها في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، لكن الكونغرس رفض ذلك.
واشنطن الحضرية
تحيط بالعاصمة واشنطن دي سي مناطق حضرية تغطي ما يقرب من 4 آلاف ميل مربع (10360 كيلومتر مربع) وتضم 10 مقاطعات، 5 منها في ولاية ميريلاند (مونتغمري، برينس جورج، فريدريك، تشارلز، وكالفرت) و5 في ولاية فرجينيا (أرلينغتون، فيرفاكس، لودون، ستافورد، وبرينس ويليام).

التاريخ
أول من سكن منطقة واشنطن هم الهنود الأميركيون، ثم أخذ السكان البِيض بالقدوم نحو المنطقة في مطلع القرن الـ17، وأقاموا بعض المزارع والحقول.
وبعد أن استخدمت الولايات المتحدة مدنا متعددة عواصم للبلاد قرر الكونغرس الأميركي في عام 1783 إنشاء مدينة تكون هي العاصمة، فأرادت كل ولاية أن تكون هذه العاصمة ضمن حدودها، حتى تم الاتفاق في 1790 على تشييدها على ضفاف نهر بوتوماك، في المنطقة التي نشأ وترعرع فيها الرئيس الأميركي جورج واشنطن الذي أخذت المدينة اسمه.
وعين واشنطن المهندس الفرنسي بيير شارل لانفان لعمل خطة لخريطة المدينة، وكان مبنى الكابتول مركزا لها، وانتقلت الحكومة الفدرالية عام 1800 من مقرها المؤقت في ولاية فيلادلفيا إلى واشنطن دي سي.
واندلعت حرب عام 1812 بين المملكة المتحدة وأيرلندا وكندا من جهة، وبين الولايات المتحدة من جهة أخرى واستمرت نحو 4 سنوات، حرق فيها الجنود البريطانيون مبنى الكابتول والبيت الأبيض وبعض المباني الحكومية الأخرى عام 1814، لكن الولايات المتحدة أعادت بناءها وأكملته في 1819.
الحكم الذاتي
لا يزال الكونغرس يرفض مساعي سكان واشنطن لجعل مدينتهم ولاية قائمة بذاتها، وقد رفض طلبُها عام 1790، لقلة عدد سكانها، إذ عندما أُنشئت المقاطعة كان عدد سكان المنطقة نحو 3 آلاف نسمة فقط، أي أقل بكثير من العدد المطلوب لاعتبارها ولاية آنذاك، وهو 50 ألف نسمة.
في مقابل ذلك تتمتع المدينة باستقلالية في تسيير شؤونها المحلية من خلال مجلس مقاطعة كولومبيا (هو السلطة التشريعية للحكومة المحلية)، الذي أُنشئ بموجب "قانون الحكم الذاتي لمقاطعة كولومبيا لعام 1973″، الذي أصدره الكونغرس وصادق عليه ناخبو المقاطعة.
وجاء قانون الحكم الذاتي نتيجة سعي سكان المقاطعة المستمر لتسيير شؤونهم المحلية بشكل مستقل.
يتألف مجلس المقاطعة من رئيس يُنتخب، و12عضوا -4 منهم يُنتخبون من جميع الأعضاء، وعضو واحد من كل دائرة من دوائر المقاطعة الثمانية. ويُنتخب العضو لأربع سنوات.

التقسيم الانتخابي
تُقسّم واشنطن العاصمة إلى 8 دوائر لأغراض بلدية وتمثيلية. ويبلغ عدد سكان كل دائرة تقريبا 75000 نسمة، ويمثلها عضو منتخب في مجلس واشنطن العاصمة.
تُراجع وتُعدّل حدود الدوائر الانتخابية كل 10 سنوات بناء على نتائج تعداد الولايات المتحدة للحفاظ على توازن السكان. وقد أُقرّت آخر تحديثات للحدود في عام 2022 بعد تعداد عام 2020.
الاقتصاد
يعتبر اقتصاد واشنطن اقتصادا متنوعا ومتناميا، وذلك في ظل تزايد نسبة الوظائف المهنية وانتشار الأعمال التجارية الخاصة.
ويعمل مئات الآلاف من سكان منطقة العاصمة واشنطن في الحكومة الفدرالية، ويعمل عدد قليل آخر في الصناعة، كما يتوافد ملايين السياح لزيارة واشنطن كل عام فيسهمون في ازدهار أسواقها.
معالم
تضم واشنطن دي سي عددا من المعالم والمباني التي تعتبر من بين الأفضل في أميركا برمتها من حيث القيمة التاريخية والمعمارية والرمزية والسياسية، ومن أهمها البيت الأبيض، مقر الرئاسة الأميركية، وكاتدرائية واشنطن الوطنية، ونصب جيفرسون التذكاري، ومبنى الكابيتول، ونصب لنكولن التذكاري، ونصب محاربي فيتنام القدامى.

ويقع الكابيتول وسط المدنية وهو مقر مجلس النواب ومجلس الشيوخ. وتم بناؤه على الطراز الكلاسيكي وله مظهر خارجي أبيض اللون، ويتميز بقبة ضخمة تشبه قبة كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان.
ومن أبرز المواقع السياحية في واشنطن دي سي منتزه "ناشيونال مول"، الذي يضم أهم المتاحف والمباني السياسية والثقافية والنصب التذكارية في المدينة.
وتضم المدينة مباني لطباعة الأوراق المالية، ونصب فرانكلين روزفلت التذكاري، إلى جانب الكثير من المكتبات مثل مكتبة الكونغرس، ومكتبة فولغر شكسبير، التي تضم مجموعة كبيرة من مؤلفات الروائي والشاعر الإنجليزي ويليام شكسبير.
وتضم واشنطن دي سي عددا من المتاحف مثل متحف التاريخ الطبيعي، ومتحف التاريخ الأميركي، ومتحف الفن الحديث، ومتحف الطوابع البريدية.
المناخ
تتمتع واشنطن بمناخ معتدل مع رطوبة عالية. ويتوزع هطول الأمطار بالتساوي على مدار العام، بمتوسط يتراوح بين 75 و100 ملم شهريا.
وتعد فصول الشتاء فيها رطبة، ونادرا ما تتساقط فيها الثلوج بكثافة. وغالبا ما يذوب الثلج الخفيف الرطب بسرعة، إذ يبلغ متوسط درجات الحرارة في النهار بالشتاء نحو درجتين مئويتين؛ ومع ذلك، يمكن لدرجات الحرارة المتجمدة ليلا أن تحول الثلج الذائب إلى جليد بسرعة.
في الصيف، تكثر فترات ارتفاع درجات الحرارة، مصحوبة غالبا برطوبة كثيفة. يبلغ متوسط درجات الحرارة في النهار بالصيف نحو 24 درجة مئوية، ولكن قد تتجاوز 39 درجة مئوية. بينما يتميز الربيع والخريف باعتدالهما.