موازين
عريب الرنتاوي لـ"موازين": إسرائيل أكثر بطشا لا أكثر أمنا.. 7 أكتوبر يهز تصور القوة
قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 بثمانية أيام، قال مستشار الأمن القومي الأمريكي حينئذ جيك سوليفان إن الشرق الأوسط هو "الأهدأ منذ عقدين". هذه العبارة اختارها مقدم برنامج "موازين" علي السند ليبدأ حواره مع عريب الرنتاوي، وسأله عن الفجوة بين هذا التصور ومنطقة اشتعلت فيها الحرب بعد أيام، واتسعت تداعياتها إلى أكثر من ساحة.
وفي حلقة (2026/10/7) من "موازين" لم يضع الرنتاوي خطأ التقدير على واشنطن وحدها، موضحا أن تقدير استقرار الوضع في غزة كان منتشرا في المنطقة أيضا، وأنه شخصيا كان ضمن من اعتقدوا أن حماس انشغلت بإدارة قطاع غزة، والسعي إلى توسيع تصاريح عمل أكثر للغزيين داخل الخط الأخضر وتخفيف القيود عبر المعابر.
قصص مقترحة
list of 2 itemsواستعاد الرنتاوي في هذا السياق مقالا كتبه خلال مواجهة سابقة خاضتها حركة الجهاد الإسلامي مع إسرائيل، بعنوان "لا تتركوا الجهاد وحيدا". وقال إن تقديره حينئذ انطلق من اعتقاد بأن حماس لم تعد راغبة في الانخراط في مواجهة واسعة، قبل أن يكشف 7 أكتوبر/تشرين الأول خطأ هذا التقدير.
من هنا يبدأ الرنتاوي قراءته: لم يكن ما حدث مفاجأة أمنية لإسرائيل وأمريكا فقط، بل مفاجأة لكثيرين قرأوا الهدوء الظاهر في غزة بوصفه استقرارا، ولم ينتبهوا إلى ما كان يتراكم خلفه من انسداد سياسي وحصار وتوسع استيطاني.
تحذيرات لم تصل إلى تقدير صحيح
في رده على سؤال عن التحذيرات التي قيل إن أجهزة إسرائيلية تلقتها قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، يرفض الرنتاوي تفسير ما جرى عبر نظرية مؤامرة تقول إن إسرائيل أو بنيامين نتنياهو استدرج العملية لتبرير الرد اللاحق.
ويرى أن التحذيرات -إن وُجدت- لم تكن تتضمن تفاصيل عن عملية بهذا الحجم أو طبيعة الاقتحام الذي وقع، بل كانت تحذيرات عامة من أن استمرار الضغط على الفلسطينيين والحصار والاستيطان والتصعيد في المسجد الأقصى يمكن أن يقود إلى انفجار.
وبحسب قراءته، انصب التقدير الإسرائيلي على احتمال تصاعد في القدس أو الضفة الغربية، حيث ملف الأسرى والمقدسات والاستيطان، ولم يتوقع عملا منظما ينطلق من غزة ويضرب مواقع وفرقة عسكرية ومستوطنات في غلاف القطاع.
"حذرت من هذا السيناريو منذ 2016".. وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق أفيغدور ليبرمان يقول إنه قدم وثيقة وصف فيها سيناريو لما حدث في 7 أكتوبر#فيديو pic.twitter.com/vrP6USqfbo
— قناة الجزيرة (@AJArabic) October 7, 2026
ويصف الرنتاوي هذا الإخفاق بأنه نتيجة "غطرسة القوة"، ويقارن بين صدمة حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 وصدمة 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
7 أكتوبر في سياق أطول
يرفض الرنتاوي التعامل مع السابع من أكتوبر بوصفه واقعة مبتورة من تاريخ فلسطين. ويربطه بصراع ممتد، وبالتهجير الذي رافق قيام إسرائيل عام 1948، وبالحروب المتكررة على غزة، والحصار الطويل، وتراجع أفق التسوية السياسية.
كما يطرح فرضية مفادها أن إجراء الانتخابات الفلسطينية التي كانت مقررة عام 2021، وتشكيل حكومة وحدة وطنية بعدها، ربما كانا سيفتحان مسارات مختلفة، ويحولان دون الوصول إلى لحظة السابع من أكتوبر. وهذه فرضية تحليلية طرحها الرنتاوي في الحلقة، وليست واقعة يمكن الجزم بها.
وفي حديثه عن آثار العملية، يقول الرنتاوي إنها وجهت ضربة لصورة "الجيش الذي لا يُقهر" ولمنظومة الأمن الإسرائيلية. ويستند في ذلك إلى مشاهد الاقتحام والانهيار الأولي للجدار والمواقع العسكرية، بوصفها لحظة تركت أثرا عميقا في الوعي الإسرائيلي والفلسطيني معا.
من إدارة الصراع إلى خطة الحسم
عند الحديث عن مآلات ما بعد السابع من أكتوبر، يستعيد الرنتاوي "خطة الحسم" التي طرحها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش عام 2017.
ويعرض الرنتاوي الخطة بوصفها انتقالا من إدارة الصراع إلى محاولة حسمه، عبر رفض قيام دولة فلسطينية، وتوسيع السيطرة على الأرض، ووضع الفلسطينيين أمام ثلاثة خيارات: القبول بالعيش تحت الاحتلال من دون حقوق سياسية، أو الرحيل، أو مواجهة القتل والسجن عند المقاومة.
ويرى الرنتاوي أن حكومة نتنياهو تبنت -في الجوهر- هذا المسار بعد وصولها إلى السلطة أواخر عام 2022. ولذلك لا يقرأ الحرب بوصفها ردا عسكريا منفصلا عما سبقها، بل بوصفها امتدادا لمشروع سياسي أوسع يتعلق بالأرض والحقوق الفلسطينية ومستقبل الضفة وغزة.
تحولات في الرواية الغربية
يرى الرنتاوي أن أحد آثار الحرب تمثل في اهتزاز الرواية الإسرائيلية داخل جامعات ومدن غربية، وفي انتقال فلسطين إلى صلب النقاش السياسي والإعلامي في دول عديدة.
كما يدعم بعض استنتاجاته بأرقام واستشهادات ونسب تراجع التأييد لإسرائيل في دول أوروبية، وعن أثر الحرب في نتائج انتخابية، وعن قول منسوب إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن تكلفة الدفاع عن إسرائيل على السياسيين الأمريكيين.
لذلك، يصف الرنتاوي الحرب بأنها أضعفت السردية الإسرائيلية في قطاعات من الرأي العام الغربي، وأنتجت جيلا جديدا أقل التصاقا بالرواية الصهيونية التقليدية.
وفي هذا السياق، نقل الرنتاوي عن دبلوماسي روسي قال له قبل السابع من أكتوبر إن موسكو كانت تظن أن ملامح النظام العالمي الجديد ستتشكل في كييف، قبل أن تدرك أنها قد تتشكل في غزة.
القوة ليست تدمير المنازل
يصل الرنتاوي بعد ذلك إلى فكرته المركزية عن معنى القوة. فإسرائيل -في تقديره- استعادت قدرتها على البطش والتدمير، لكنها لم تتحول بالضرورة إلى قوة أكثر أمنا أو أكثر قدرة على الردع.
ويقول "القوة لا تتجلى فقط بتدمير المنازل فوق رؤوس ساكنيها من المدنيين، القوة تتخطى الجانب العسكري إلى الجانب الأخلاقي والسياسي والمجتمعي والنظام السياسي".
في هذه الجملة يلخص الرنتاوي منطقه: كثافة القوة النارية لا تكفي وحدها لإنتاج نصر سياسي. ويعتقد أن القوة تقاس أيضا بتماسك المجتمع، وشرعية الدولة، وقدرتها على حماية سكانها، وتحويل الإنجاز العسكري إلى واقع مستقر.
ويشير في هذا الإطار إلى ما يسميه انقساما بين "إسرائيل الساحل" ذات الطابع العلماني الليبرالي، و"إسرائيل الجبل" التي يربطها باليمين الديني والاستيطاني.
وينقل الرنتاوي عن المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه قوله إن نحو 320 ألف إسرائيلي هاجروا منذ 7 أكتوبر 2023، مضيفا أن المغادرين ينتمون -بحسب بابيه- إلى شرائح من النخبة الاقتصادية والاجتماعية، بينها رجال أعمال وأشكناز وعلمانيون ليبراليون من سكان الساحل.
من الحرب الخاطفة إلى الاستنزاف
يرى الرنتاوي أن السابع من أكتوبر وضع العقيدة الأمنية الإسرائيلية أمام اختبار صعب. فإسرائيل -بحسب تحليله- اعتادت خوض حروب قصيرة وحاسمة، ونقل القتال إلى أرض الخصم، وحصره في جبهة أو جبهتين، مع إبقاء جبهتها الداخلية بعيدة قدر الإمكان عن تكلفة الحرب.
لكن هذا النموذج -كما يقول- تغيّر بعد السابع من أكتوبر. فالحرب امتدت زمنيا، وتعددت ساحاتها، وأصبحت الجبهة الداخلية الإسرائيلية طرفا مباشرا في معادلة الصواريخ والمسيّرات والإنذارات والإجلاء والضغط الاقتصادي.
بيانات نشرتها شعبة إعادة التأهيل في وزارة الدفاع الإسرائيلية تظهر استقبال نحو 30 ألف جريح من قوات الأمن منذ 7 أكتوبر 2023، ليرتفع إجمالي من ترعاهم الشعبة إلى نحو 91 ألفا و200 شخص من مختلف أفرع الجيش الإسرائيلي وقوات الأمن#إنفوغراف pic.twitter.com/90qxDfWWJh
— قناة الجزيرة (@AJArabic) October 7, 2026
ولا يعني ذلك -وفق قراءة الرنتاوي- أن التفوق العسكري الإسرائيلي انتهى، بل إن فكرته تقوم على التمييز بين امتلاك القدرة العسكرية والقدرة على إنهاء الصراع أو تحقيق أمن طويل المدى.
ويخلص إلى أن إسرائيل باتت -في تقديره- "أكثر بطشا وتدميرا، وليست أكثر قوة وتأثيرا"، لأن التوحش لا يضمن في النهاية نصرا سياسيا ولا يمنع نشوء خصوم جدد.
الأردن وسوريا والخليج
لا يحصر الرنتاوي تداعيات الحرب داخل فلسطين وإسرائيل. فهو يقرأ خطاب العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني تجاه التهجير والضم بوصفه دليلا على استشعار تهديد مباشر للأردن.
كما يرى أن إسرائيل تحولت في قسم من الحسابات الخليجية من شريك أمني محتمل إلى مصدر تهديد وقلق، بحسب قراءة سياسية للضيف.
وفي الملف السوري، يعتقد الرنتاوي أن الضربات والتوغلات الإسرائيلية واستباحة مناطق سورية، من جبل الشيخ إلى حوض اليرموك، ستراكم غضبا قد يُنتج مقاومة شعبية في المستقبل.
الباحث الأول بمركز الجزيرة للدراسات لقاء مكي: لا يمكن لإسرائيل أن تقبل بوجود سلاح لحزب الله في #لبنان، فقد تحولت نظرية الردع الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر إلى نظرية المنع، بحيث يسعى نتنياهو إلى عدم امتلاك الجوار أي قدرات عسكرية لتهديد تل أبيب#الأخبار #مسار_الأحداث pic.twitter.com/SPfhn0hj35
— قناة الجزيرة (@AJArabic) March 28, 2025
وحدة الساحات وأثمانها
يقدم الرنتاوي تقييما نقديا لما يُعرف بـ"وحدة الساحات"، ويرى أن حماس وزعيمها الراحل يحيى السنوار خاضا لحظة السابع من أكتوبر/تشرين الأول من دون تنسيق مسبق على ساعة الصفر مع أطراف المحور.
وبحسب تحليله، جاء إسناد حزب الله تدريجيا وبقواعد اشتباك محدودة، ويرى أن ذلك كان خطأ إستراتيجيا. ويعرض رأيا مفاده أن الخيارات كانت بين دخول واسع منذ البداية أو تجنب الدخول العسكري المباشر، مع البحث عن أشكال أخرى للاستنزاف.
وخلال هذا الحديث، ينقل الرنتاوي قولا نسبه إلى وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، مفاده أن دخول حزب الله بكامل قوته منذ اليوم الأول كان قد يغيّر مسار المواجهة.
ويتحدث الرنتاوي أيضا عن أثر الهجمات اليمنية في الملاحة وميناء إيلات، لكنه يورد أرقاما محددة تحتاج إلى مصادر أصلية قبل إدراجها في أي نسخة صحفية نهائية.
من تداعيات 7 أكتوبر إلى الاستفراد الأمريكي وغياب الدور الأوروبي.. كيف أصبح المشهد الفلسطيني مرآةً لتحولات الإقليم؟ pic.twitter.com/4ckWdEceEZ
— قناة الجزيرة (@AJArabic) July 3, 2026
أمريكا والفراغ الأمني
ينتقد الرنتاوي إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، ويرى أنها تبنت الرواية الإسرائيلية وقدمت دعما عسكريا وسياسيا واسعا لإسرائيل خلال الحرب.
كما يتحدث عن تحول إسرائيل -في تقديره- من "ذخر إستراتيجي" للغرب إلى عبء أمني وأخلاقي واقتصادي.
ويستعيد في هذا السياق وثيقة "الانفصال النظيف" التي أعدها فريق من المحافظين الجدد عام 1996، ودعت إلى تقليل اعتماد إسرائيل على الدعم الأمريكي. ويقارن بين ذلك الطرح وما يراه اليوم من اعتماد إسرائيلي واسع على واشنطن.
ومن هنا يطرح الرنتاوي تصوره لنظام أمن إقليمي تشترك فيه "الأمم الأربع" العرب والفرس والأتراك والكرد. ويقول إن إيران إذا كانت جزءا من المشكلة، فلا بد أن تكون جزءا من أي حل أمني إقليمي. ولا يقدمه بوصفه ترتيبا قريبا أو مشروعا جاهزا، بل رؤية سياسية بديلة عن منظومة أمنية يعتقد أن أمريكا لم تعد قادرة على ضمانها.
حرب لم تضع أوزارها
في ختام الحلقة، يقول الرنتاوي إن السابع من أكتوبر "لم يضع أوزاره بعد"، فالحرب -في قراءته- لا تزال تعيد تشكيل النقاش بشأن الردع والأمن وفلسطين والعلاقة بين إسرائيل ومحيطها.
لا يقلل هذا التقدير من حجم القوة العسكرية الإسرائيلية أو من التكلفة الإنسانية الهائلة التي خلفتها الحرب، لكنه يضع أمامها سؤالا سياسيا لا عسكريا: هل تستطيع إسرائيل أن تحول قدرتها على التدمير إلى أمن مستدام ونتيجة سياسية، أم أنها تطيل الصراع وتراكم شروط جولات جديدة؟