
سوريا الجديدة والكرد.. هل تُطوى صفحة المظالم التاريخية؟
فالقضية التي بدأت قبل عقود طويلة مع سياسات الإقصاء والتهميش، باتت اليوم تقف عند مفترق جديد عنوانه الاعتراف بالحقوق والخصوصية الثقافية من جهة، والسعي إلى الاندماج الكامل في مؤسسات الدولة من جهة أخرى.
وفي حلقة خاصة بعنوان "الكرد والدولة السورية.. من التهميش إلى الاعتراف بحقوقهم وخصوصيتهم الثقافية"، استعرض برنامج "للقصة بقية" المسار الطويل الذي حكم علاقة الكرد بالدولة السورية، منذ عقود الحرمان من الجنسية وحتى الاتفاقات الأخيرة التي فتحت الباب أمام دمج المؤسسات العسكرية والمدنية التابعة للإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة.
استهل البرنامج الحلقة، بالإشارة إلى أن السوريين يترقبون اكتمال تشكيل مجلس الشعب الجديد الذي يضم مئة وأربعين نائبا جرى انتخاب معظمهم عبر هيئات ناخبة، بينما ينتظر استكمال تمثيل محافظة السويداء وتعيين سبعين عضوا ضمن الحصة الرئاسية.
ورغم أن الدولة السورية تؤكد التزامها بمبدأ المواطنة والمساواة أمام القانون، فإن اعتراضات سياسية وحقوقية سبقت ولادة البرلمان الجديد، خصوصا من أطراف كردية اعتبرت أن مستوى تمثيل الكرد وآلية اختيار ممثلي المناطق ذات الغالبية الكردية لا يعكسان تطلعاتهم السياسية.
لكن جذور الخلاف تتجاوز الانتخابات البرلمانية الراهنة إلى تاريخ طويل من السياسات التي تركت ندوبا عميقة في الوعي الكردي السوري.
يروي التقرير المصاحب للحلقة أن نقطة التحول الكبرى بدأت عام 1962 عندما نفذت السلطات السورية إحصاء استثنائيا في محافظة الحسكة أدى إلى تجريد نحو مئة وعشرين ألف كردي من الجنسية السورية.
ويقول الباحث في الشؤون الكردية فريد السعدون إن تلك المرحلة شهدت إجراءات سياسية وإدارية معقدة انتهت بتهجير مئات القرى الكردية، مشيرا إلى أن مشروع "الحزام العربي" الذي انطلق لاحقا سعى إلى إحداث تغيير ديموغرافي في المنطقة عبر توطين عشائر عربية على طول الشريط الحدودي.
وبحسب السعدون، فإن تلك السياسات خلقت فئات واسعة من "مكتومي القيد" الذين حرموا من الوثائق الرسمية والحقوق الأساسية، الأمر الذي راكم شعورا بالظلم استمر لعقود.
ومع اندلاع الاحتجاجات السورية عام 2011، خرجت هذه التراكمات إلى العلن، لكن التطور الحاسم لم يكن في المظاهرات بقدر ما كان في الفراغ الأمني الذي نشأ بعد انسحاب القوات الحكومية من مناطق واسعة في الشمال الشرقي.
صعود الإدارة الذاتية
ومع انسحاب الدولة من مناطق كوباني وعفرين وأجزاء واسعة من الجزيرة السورية عام 2012، برز حزب الاتحاد الديمقراطي باعتباره القوة الأكثر تنظيما وقدرة على ملء الفراغ.
ويقول عضو علاقات مجلس سوريا الديمقراطية في دمشق عبد الوهاب خليل إن الحزب وجد نفسه أمام فراغ أمني وسياسي في منطقة تفتقر إلى رؤية موحدة، ما سمح له بالتمدد وقيادة الإدارة الجديدة.
في المقابل، يرى المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا أن ظهور الحزب جاء في سياق تحولات سياسية شهدتها المنطقة بعد تراجع القوى المرتبطة بالثورة السورية وصعود تيارات جديدة.
أما الباحث الأمني جيروم دريفون فيؤكد أن المجتمع الكردي متنوع بطبيعته، معتبرا أن الجماعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني تمكنت خلال سنوات الحرب من فرض نفسها ممثلا رئيسيا للكرد في سوريا ومنعت ظهور بدائل سياسية منافسة.
وشكل الهجوم الذي شنه تنظيم الدولة على مدينة كوباني نقطة تحول جديدة.
فبدعم من التحالف الدولي تأسست قوات سوريا الديمقراطية كتحالف عسكري يضم عربا وكردا وسريانا، قبل أن تتحول خلال سنوات قليلة إلى القوة المسيطرة على نحو ربع مساحة سوريا.
ويشير التقرير إلى أن توسع نفوذ "قسد" منحها السيطرة على حقول نفطية ومناطق زراعية إستراتيجية، لكنه فتح أيضا باب الجدل بشأن طبيعة علاقتها بحزب العمال الكردستاني وتأثير ذلك على المناطق العربية التي خضعت لسيطرتها.
ويقول عضو البرلمان السوري أمير المشرف الدندل إن "قسد" استندت إلى أيديولوجيا عابرة للحدود تختلف عن الثقافة المحلية، بينما يؤكد فريد السعدون أن العمود الفقري للقوة العسكرية كان يتمثل في وحدات حماية الشعب الكردية التي امتلكت خبرة قتالية طويلة.
سقوط الأسد وتغير المعادلة
وجاء سقوط نظام بشار الأسد ليقلب المشهد بالكامل.. فبعد سنوات من الإدارة شبه المستقلة، وجدت "قسد" نفسها أمام واقع جديد فرض إعادة تعريف علاقتها بالدولة السورية.
ويوضح التقرير أن اتفاق 10 مارس/آذار 2025 شكل محاولة أولى للاندماج العسكري والسياسي، غير أن تعثره مطلع عام 2026 أدى إلى تسارع الانسحابات الميدانية من الرقة وأجزاء من دير الزور وحلب.
ويرى نور الدين البابا أن تعدد التيارات داخل "قسد" وصعوبة توحيد مواقفها كان أحد أسباب تعثر الاتفاق، بينما يؤكد عبد الوهاب خليل أن عوامل دولية وإقليمية لعبت دورا في تعطيل التنفيذ.
في خضم هذه التحولات، أصدرت دمشق المرسوم التشريعي رقم 13 لعام 2026.
المرسوم منح الجنسية لمئات الآلاف من الكرد الذين حرموا منها لعقود، واعترف باللغة الكردية وأقر عيد النوروز عطلة رسمية.
ووصف نور الدين البابا الخطوة بأنها دليل على رغبة الدولة في بناء حلول قائمة على المواطنة والمساواة.
أما فريد السعدون فاعتبرها استجابة لحقوق أصيلة للشعب الكردي، مؤكدا أن نجاحها مرتبط بقدرة الدولة على تحقيق التنمية والاستقرار ومعالجة آثار الحرب.
في حين رأى أمير المشرف الدندل أن المرسوم يمثل بداية مهمة لكنه لا يغني عن تثبيت الحقوق الكردية دستوريا.
خلاف حول البرلمان الجديد
في الجزء الحواري من الحلقة، برزت الخلافات بشأن تمثيل الكرد داخل البرلمان السوري الجديد.
وأكد ممثل الإدارة الذاتية سيهانوك ديبو أن غالبية القوى الكردية غير راضية عن آلية تشكيل الهيئات الناخبة، معتبرا أن التمثيل الحالي لا يعكس الوزن الحقيقي للكرد في البلاد.
وشدد ديبو على أن الكرد كانوا من مؤسسي الدولة السورية الحديثة وأنهم لا يطرحون مشروعا انفصاليا، بل يطالبون بدولة مواطنة تعترف بالتنوع القومي والثقافي.
في المقابل، دافع عضو اللجنة العليا للانتخابات حسن الدغيم عن الآلية الانتخابية بوصفها حلا انتقاليا فرضته ظروف البلاد الاستثنائية، مؤكدا أن الدولة حاولت مراعاة التنوع الثقافي والعرقي في تشكيل اللجان والهيئات الناخبة.
وأضاف أن المرحلة الانتقالية ليست معنية بحسم جميع الملفات التاريخية دفعة واحدة، بل بإعادة بناء مؤسسات الدولة وتوحيد البلاد وتأمين الاستقرار.
وتكشف قصة الكرد والدولة السورية أن الصراع لم يكن مجرد خلاف على التمثيل السياسي أو توزيع المقاعد البرلمانية، بل امتدادا لعقود من التهميش والحرمان والهويات المتنازعة.
واليوم، بينما تتجه قوات سوريا الديمقراطية نحو الاندماج في مؤسسات الدولة، وتبدأ دمشق بإزالة آثار سياسات الماضي عبر تشريعات جديدة، يبقى السؤال مفتوحا حول قدرة سوريا الجديدة على تحويل هذه الخطوات إلى عقد وطني جامع.
وبين ذاكرة الإحصاء الاستثنائي والحزام العربي، وبين مراسيم الاعتراف والاندماج، يقف الكرد والسوريون جميعا أمام اختبار تاريخي: هل تنجح الدولة الجديدة في بناء مواطنة تتسع للجميع، أم أن إرث العقود الماضية سيظل يلقي بظلاله على مستقبل البلاد لسنوات طويلة قادمة؟