قُصرة.. مهد لجان الحراسة الشعبية والبلدة المحاصرة بنابلس

قُصرة واحدة من 56 قرية وبلدة تتبع محافظة نابلس شمال الضفة الغربية، وتقع على بعد 24 كيلومترًا جنوبًا، توالت عليها حقب عديدة؛ بدأت بالعهد العثماني ثم الانتداب البريطاني ثم الحكم الأردني عام 1948 في أعقاب النكبة الفلسطينية التي امتدت إلى نكسة يونيو/حزيران 1967، حين وقعت الضفة الغربية تحت الاحتلال الإسرائيلي.
ومع قدوم السلطة الفلسطينية عام 1994، خضعت قصرة تلقائيًا للإدارة الفلسطينية، ولكن وفق التقسيمات الإسرائيلية للأراضي بناء على اتفاق أوسلو، مقسمة بين مناطق "ب" و"ج".
قصص مقترحة
list of 2 itemsوبرزت قُصرة بوصفها موطن النواة الأولى لتشكيل لجان الحراسة الشعبية التي انطلقت أولاها في القرية، ثم امتدت لباقي مناطق الضفة الغربية، عبر مجموعات مقاومة لرصد هجمات المستوطنين والتصدي لهم، بالسهر والعصي والأدوات البسيطة.
عاد اسم قرية قصرة للواجهة في أغسطس/آب 2026 حين أقدم المستوطنون على تشييد بؤرة استيطانية (خيمة) ومحاصرة ثلاثة منازل في منطقة جبل رأس العين غربي قصرة التي تقطنها ثلاث عائلات مكونة من أكثر من عشرة أفراد، بحماية من جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي واصل حصار تلك المنازل بدلًا من إخلاء المستوطنين وطردهم، ومنع أحدًا من الخروج أو الدخول إليها، وبالكاد أدخل وبضغط دولي بعض المساعدات الغذائية والدوائية والماء إلى المواطنين المحاصرين.

الموقع والمساحة
تقع قصرة على بعد 24 كيلومترًا جنوب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، وتقسم إلى مناطق "ب" وتخضع لإدارة السلطة الفلسطينية وفق اتفاق أوسلو، ومناطق "ج" وتخضع لسيطرة الاحتلال الكاملة، أمنيًا وإداريًا.
تقدر مساحة قصرة بنحو 9200 دونم، تحدد صلاحية البلدية في 3 آلاف و100 دونم فقط، هي المخطط الهيكلي للبلدة، فيما يُخضع الاحتلال الإسرائيلي نحو 6 آلاف دونم، يصنفها بمناطق "ج"، إلى سيطرته العسكرية والاستيطانية، وامتدت سيطرته لتطال مناطق مصنفة "ب" أيضًا، حيث يمنع الأهالي من الوصول إلى أراضيهم ومنشآتهم الزراعية فيها، مثل الزيتون ومزارع التين والعنب والدواجن.

الجغرافيا والتضاريس
تعرف قصرة مثل قرى فلسطينية كثيرة بتضاريسها الجبلية والسهلية أيضًا، حيث تتوزع أراضيها ضمن هذه التصنيفات، مما جعلها تتمتع بأجواء حارة وجافة صيفًا وباردة شتاءً. وتحاط القرية المحاذية للشارع الرئيسي الذي يصل نابلس بمدينة أريحا ومناطق الأغوار، بعدد من البلدات المهمة والحيوية جنوب نابلس، ولا سيما عقربا وقبلان وقريوت ومجدل بني فاضل وجوريش.
السكان
تشير المعلومات إلى أن عدد سكان قصرة عام 1922 كان نحو 707 نسمات، وارتفع ليصل إلى نحو 5418 نسمةً وفقًا للتعداد الرسمي الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عام 2017، فيما تشير الإحصاءات المحلية إلى أن عدد السكان وصل بحلول عام 2026 إلى 8 آلاف نسمة داخل القرية، فيما يعيش 10 آلاف نسمة في الخارج، معظمهم في الأردن.
وتتكون البلدة من 3 عائلات كبيرة (حمائل)، هي أبو ريدة وعودة وحسن، التي تعد أكبرها، ومن تلك العائلات تتوزع عوائل أخرى وتتعدد مسمياتها، مثل وادي وكنعان والسقا وغيرها.

الاقتصاد
اعتمدت قصرة في اقتصادها ومنذ البدايات على الزراعة، بشتى أشكالها، وخاصة الزيتون والعنب والتين، إضافة إلى تربية المواشي والدواجن. وفي جبل رأس العين المستهدف حاليًا، لا تزال أشجار الزيتون الرومي المعمرة شاهدة على إعمار المنطقة وزراعتها.
كما اعتمدت القرية في اقتصادها أيضًا على اليد العاملة داخل الخط الأخضر (عمال إسرائيل)، ولكنها توقفت مع دخول حرب الإبادة على قطاع غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث أغلقت إسرائيل المعابر وأوقفت تصاريح العمل للفلسطينيين في الضفة الغربية.
ومع تسارع وتيرة الاستيطان وزيادة الاعتداءات عقب تلك الحرب، أقدمت سلطات الاحتلال على هدم كثير من المنشآت التجارية والصناعية في البلدة، خاصة في الشارع الرئيسي للبلدة.

التاريخ
تشير سجلات الضرائب العثمانية إلى أن قصرة، بضم القاف وسكون الصاد وفتح الراء، يعود إلى الأفاعي القصيرة التي تنتشر في أراضيها، وفي رواية أخرى نسبة إلى كسرى ملك الفرس الذي سكن القرية وأقام فيها، ظهرت عام 1596 تحت اسم "القصير" في سجلات الضرائب العثمانية، حيث كان عدد سكانها 14 أسرةً وجميعهم مسلمون.
ثم توالت عليها، مثل باقي مناطق فلسطين التاريخية، حقب عديدة؛ فأعقب الإنجليز العثمانيين، ثم جاء الحكم الأردني عام 1948 في أعقاب النكبة الفلسطينية التي امتدت إلى أن وقعت الضفة الغربية تحت الاحتلال الإسرائيلي في نكسة يونيو/حزيران 1967.
ومع قدوم السلطة الفلسطينية عام 1994، خضعت قصرة تلقائيًا للإدارة الفلسطينية، ولكن وفق التقسيمات الإسرائيلية للأراضي بناء على اتفاق أوسلو، مقسمة بين مناطق "ب" و"ج".
تأسس أول مجلس قروي في قصرة عام 1994 مع قدوم السلطة الفلسطينية وكان أول رئيس له عبد المنعم أبو ريدة، وظلّ المجلس يعمل بهذه الصفة حتى عام 2015 حين حُوّل إلى مجلس بلدي، وذلك دفعًا في ارتقاء القرية وتقدمها إداريا وخدماتيا واستقلالا ماليا بشكل أكبر.
معالم
تضم قصرة عددًا من "الخِرَب" الأثرية، منها خربة الكرك أو خربة القريق، وتقع في غرب البلدة، وخربة نبّوح، جنوب شرق البلدة، إضافة إلى "جبل القعدة"، وهو جبل القرية الشمالي ويحتوي على آثار عديدة منها الآبار والمُغر الرومانية القديمة.
تعد مدرسة قصرة الثانوية للبنين، المبنية عام 1921، أحد المعالم التاريخية في البلدة وواحدة من 5 مدارس فيها، تتوزع بين الذكور والإناث بمختلف المراحل الدراسية. كما تضم القرية 7 مساجد، ومركزًا صحيًا حكوميًا.

قصرة والاستيطان
لم يستبعد الاحتلال قصرة من مشاريعه الاستيطانية، التي أطلقها عقب احتلال الضفة الغربية عام 1967، حيث بدأ مسلسل الاستيطان في القرية عام 1981، بإقامة مستوطنة مجدليم عند المدخل الرئيسي للقرية، لتسيطر بذلك على شرق القرية وشمالها. وفي الجنوب غرست مستوطنات إحيا وإيش كودش أنيابها على أراضي قصرة والقرى المحيطة.
ومع استهداف منطقة جبل رأس العين، يريد الاحتلال إطباق سيطرته على القرية من الغرب وعزلها بالكامل، وإحاطتها بالمستوطنات، فيما يواصل تشييد بؤره الاستيطانية فوق 16 موقعًا من أراضي القرية وجبالها، ويحول دون وصول المواطنين إليها، وكل تلك المستوطنات والإجراءات العسكرية للجيش تسيطر على ثلثي مساحة القرية (6 آلاف دونم).
وفي عام 2026، لا تزال سلطات الاحتلال تغلق مدخل قصرة الرئيسي شرقًا ببوابة عسكرية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، مما اضطر السكان لسلك طرق التفافية عبر القرى المجاورة في تنقلاتهم.
وفي ظل تضييقات الاحتلال ومصادرة الأرض وتقليص مساحة المخطط الهيكلي للقرية، اضطر كثيرون للبناء في مناطق "ج"، حيث يتهدد الهدم الإسرائيلي 300 منزل في عام 2026.

ثورة وثوار
أسهمت قصرة كباقي المناطق الفلسطينية في استنهاض الحركات الثورية المناهضة للاحتلالات المختلفة، ولا سيما الإنجليزية والإسرائيلية، وشهدت القرية معركة وادي سباس (بين قصرة وقرية جالود)، التي وقعت عام 1938 ضد الانتداب البريطاني، وكان من أبرز المشاركين فيها؛ مرزوق الأسمر عودة، حيث استشهد فيها بعد قيامه بإسقاط طائرة حربية بريطانية، فيما أصيب عبد الرحيم قاسم حسن (أبو نادر) بجراح في يده، إلى جانب عفانة محمد وبدوي صالح حسن والحاج أحمد حافظ ادعيس عودة وغيرهم.
أما محمد فارع كنعان (أبو فارع) فبرز كأحد الشخصيات النضالية في قصرة، كان ضابطًا سابقًا في الجيش الأردني، وأسهم بعد عام 1967 في تشكيل خلية ثورية في المنطقة مرتبطة بمنظمة التحرير الفلسطينية، وكان لها دور في نقل السلاح إلى الضفة الغربية.
استشهد أبو فارع في معركة جماعين جنوب نابلس عام 1969 بعد عدة ساعات من المواجهة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، وفيما استشهد البعض وأسر آخرون كان نادر عبد الرحيم قاسم حسن الفدائي الوحيد الذي تمكن من الانسحاب والاختفاء بنجاح بعد تلك المعركة، وظل مطاردًا ومتخفيًا عن أعين الاحتلال 26 عامًا، ولم يظهر للعلن إلا بعد دخول السلطة الفلسطينية إلى مدينة أريحا حيث ذهب متخفيًا إلى هناك والتحق بالقوات الفلسطينية.

بين انتفاضتين
شاركت القرية في الانتفاضة الفلسطينية عام 1987 (انتفاضة الحجارة)، ثم انتفاضة الأقصى عام 2000، حيث ذاع صيتها أكثر مع تزايد اعتداءات المستوطنين، وبرزت المقاومة الشعبية إحدى وسائل نضال القرية في التصدي لهم.
وشهد عام 2014 أحد أهم المواجهات مع المستوطنين، حين احتجز شبان من القرية 16 مستوطنًا حاولوا الاعتداء على أهلها، وأبرحوهم ضربًا قبل تسليمهم لجيش الاحتلال، وتكرر المشهد ثانيةً عام 2017 باحتجاز 20 مستوطنًا آخر.
وفي العام ذاته بدأت النواة الأولى لتشكيل لجان الحراسة الشعبية التي انطلقت أولاها في قصرة، ثم امتدت لباقي مناطق الضفة الغربية عبر مجموعات مقاومة سلاحها السهر والعصي وأدوات بسيطة ترصد هجمات المستوطنين وتتصدى لهم.
كل ذلك جعل قصرة على دائرة الاستهداف للجيش والمستوطنين الذين شنوا اعتداءات كثيرة، تخللها حرق مسجدين و48 منزلًا بشكل كامل وجزئي، واندلعت مواجهات أدت لارتقاء 11 شهيدًا، منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، بينهم 8 استشهدوا بعد الحرب على غزة، 6 منهم ارتقوا برصاص الاحتلال في يوم واحد، خلال أحداث شهدتها القرية.
اعتقل الاحتلال وجرح عشرات المواطنين والشبان من القرية، ويقبع في سجونه 40 مواطنًا، لم تفلح كل المحاولات والغرامات الكبيرة التي دفعت بالضغط على الاحتلال والإفراج عنهم.
جبل رأس العين
يقع جبل رأس العين في الجهة الغربية من بلدة قصرة، ويعد الجبل منطقة جغرافية هامة ومتنفس القرية الوحيد، للبناء والتنزه، في ظل سيطرة الاحتلال ومستوطناته على معظم مناطق القرية وجهاتها الشرقية والشمالية والجنوبية، ويقع ضمن المناطق المصنفة "ب"، وفيه نحو 60 منزلًا يقطنها 200 نسمة.
سمي جبل رأس العين بذلك، لاحتوائه على نبع عين ماء قديم جدًا ويعد الوحيد في قصرة، وقديما كان مصدرًا مهمًا لأهالي القرية، ولا تزال تظهر معالم خطوط المياه التي بنيت خلال حقبة الانتداب البريطاني. وكان النبع يغذي نحو 60 منزلًا أقيمت في منطقة الجبل بالماء، وفي مطلع عام 2026 سيطر المستوطنون على نبع الماء.
يرتفع جبل رأس العين نحو 950 مترًا عن مستوى سطح البحر، وتقدر مساحته بـ700 دونم (الدونم= ألف متر مربع)، ويعد موقعًا إستراتيجيًا وذا إطلالة جذابة على مناطق عدة من القرى المحيطة، وغور الأردن، وهو بذلك أعلى نقطة في البلدة التي يتراوح ارتفاعها بين 750 و850 مترًا عن مستوى سطح البحر.

في ظل موجة الاستيطان المتسارعة وتقسيمات الاحتلال للأرض وسيطرته عليها، كان أهالي قصرة يعدون جبل رأس العين مخزونًا إستراتيجيًا لهم، خاصة وأنه يقع ضمن مناطق "ب"، فبدأت الحركة العمرانية والبناء تمتد إليه عام 2000.
وأمام شدة الحاجة للبناء بدأ المجلس القروي عام 2007 بشق الطرق إليه، ومد شبكات المياه والكهرباء وتوفير خدمات البنية التحتية، حتى قارب سعر الدونم الواحد 100 ألف دولار؛ فهو بعيد عن أقرب مستوطنة من المستوطنات الثلاث (ييش كودش وإحيا ومجدليم) أكثر من 3 آلاف متر.
حصار المنازل في رأس العين
لم يرق هذا التعمير للمستوطنين الذين بدؤوا في يناير/كانون الثاني 2026 أولى اقتحاماتهم واستهداف جبل رأس العين، فسيطروا على نبع الماء، وهاجموا منازل المواطنين ورشقوهم بالحجارة وقطعوا عنهم خدمات الماء والكهرباء، ثم توالت الاعتداءات.
يوم 8 أغسطس/آب 2026، برز العدوان الأكبر للمستوطنين حين اقتحموا جبل رأس العين، ونصبوا خيمة لهم (بؤرة استيطانية) أمام ثلاثة منازل هناك، ليبدؤوا في اليوم التالي فرض حصار على المنطقة ومنع التواصل مع العائلات المحاصرة في المنازل الثلاث.
اقتحم جيش الاحتلال المنطقة مرات عدة، وبعد أيام أزال الخيمة، ودارت مواجهات بينه وبين المستوطنين الذين لم يحل دون وصولهم إلى المكان وإرهاب الأهالي، بل ظهر جنود الاحتلال في مقاطع مصورة وهم يصافحون المستوطنين.
ورغم الضجة الإعلامية التي رافقت الحدث، إلا أن جيش الاحتلال منع دخول المساعدات الغذائية والماء إلى المحاصرين، ولم يسمح إلا بالقليل فقط وتحت ضغط المتضامنين الأجانب والمؤسسات الدولية، ولم تفلح زيارات المسؤولين الدوليين، ومنهم ممثل القنصلية الهولندية، ولا حتى انتقادات السفير الأمريكي في القدس مايك هاكابي للمستوطنين، باعتبار أن صاحب أحد المنازل يحمل الجنسية الأمريكية، بفك الحصار الذي لا يزال مفروضًا.