إعلان

إلهان عمر المحجوبة.. شيء ما يتعطل داخل الإعلام الغربي في قضايا المسلمين

يناقش الكاتب انحيازات الإعلام الغربي وتأثير شبكة المصالح في التغطية وهو ما تجلى بوضوح في قضية إلهان عمر والحرب على غزة (رويترز)

هل وسائل الإعلام الغربية مستقلة بالفعل، أم إنها مؤسسات تتحرك داخل منظومة من المصالح السياسية والاقتصادية والأيديولوجية، وتخضع لحسابات تتجاوز البحث عن الحقيقة ونقل الوقائع؟ وهل الصحفيون وكتّاب الرأي والمحللون الذين يتصدرون شاشاتها وصفحاتها مستقلون في أحكامهم، أم إنهم، بوعي أو من دونه، يعيدون إنتاج الأفكار والمواقف التي تتبناها المؤسسات التي يعملون فيها، والدوائر السياسية والاجتماعية التي ينتمون إليها؟

هذه الأسئلة لم تعد ترفا فكريا، بل أصبحت ضرورية لفهم التناقضات الصارخة في تغطية الحروب والأزمات والانتهاكات، وفي تحديد من يستحق التعاطف والدفاع، ومن يمكن تجاهله أو التشكيك في حقوقه.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

ليست المشكلة في وجود انحيازات لدى وسائل الإعلام بشكل عام في العديد من القضايا، فالموضوعية المطلقة أقرب إلى المثال النظري منها إلى الواقع الإنساني. المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الانحيازات إلى معايير خفية لإنتاج الأخبار، ثم تُقدَّم للجمهور باعتبارها حقائق محايدة. فالمؤسسات الإعلامية لا تكتفي بنقل الأحداث، وإنما تختار ما تنشره، وتحدد موقعه وأهميته، وتقرر من تستضيفه لتفسيره، والمفردات التي تستخدمها لوصفه.

وبذلك تصبح شريكا في صناعة التصورات العامة، لا مجرد وسيط بينها وبين الجمهور.

لماذا تتحول الإجراءات ضد شخصية تنتمي للمؤسسة التقليدية في واشنطن إلى مناسبة لاستدعاء المبادئ الدستورية ومخاطر الاستبداد، بينما لا تحظى شخصية أخرى، تقف خارج الإجماع السياسي السائد، بالقدر نفسه من التضامن الإعلامي؟ وهل تتحدد أهمية الحقوق الدستورية وفق طبيعة الانتهاك، أم وفق مكانة الشخص الذي قد يتعرض له؟

من يستحق غضب وسائل الإعلام؟

تقدم المقارنة المثارة بين التغطية الإعلامية للإجراءات المرتبطة بالنائبة الديمقراطية إلهان عمر، ذات الأصول الصومالية، وتلك التي استهدفت جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، مدخلا لفهم هذه الإشكالية. فقد أثارت قضية عمر، وما أثير حول التحقيق في ملف هجرتها إلى الولايات المتحدة، تساؤلات بشأن استخدام المؤسسات العدلية في الصراع السياسي.

إعلان

وفي المقابل، حظيت الإجراءات التي استهدفت بولتون في أغسطس/آب 2025 باهتمام واسع من صحف أمريكية كبرى، تناولت مخاطر توظيف السلطة التنفيذية لأجهزة إنفاذ القانون ضد الخصوم السياسيين.

والسؤال هنا لا يتعلق بالدفاع عن بولتون أو إدانة عمر، ولا يفترض تطابق الوقائع والأسانيد القانونية في القضيتين، وإنما يتعلق باختلاف الحساسية الإعلامية تجاه الشخصيات السياسية.

لماذا تتحول الإجراءات ضد شخصية تنتمي للمؤسسة التقليدية في واشنطن إلى مناسبة لاستدعاء المبادئ الدستورية ومخاطر الاستبداد، بينما لا تحظى شخصية أخرى، تقف خارج الإجماع السياسي السائد، بالقدر نفسه من التضامن الإعلامي؟ وهل تتحدد أهمية الحقوق الدستورية وفق طبيعة الانتهاك، أم وفق مكانة الشخص الذي قد يتعرض له؟

تتجاوز هذه المفارقة الاختلاف بين امرأة مسلمة سوداء ورجل أبيض محافظ. فبولتون، رغم تطرف مواقفه في السياسة الخارجية ودفاعه عن الحروب والتدخلات العسكرية، ينتمي إلى المؤسسة السياسية والأمنية الأمريكية، وله امتداد داخل شبكات النفوذ ومراكز الأبحاث والإعلام.

أما إلهان عمر، فهي شخصية سياسية تتحدى عددا من المسلَّمات السائدة، ولا سيما في موقفها من إسرائيل والسياسة الخارجية الأمريكية. وهنا تبرز حقيقة مزعجة: قد تختلف المؤسسات الإعلامية مع أحد أفراد النخبة، لكنها تظل أكثر استعدادا للاعتراف بشرعيته من الاعتراف بمن يتحدى قواعد النادي السياسي نفسه.

الإعلام ونادي النخبة المغلق

لا يمكن فهم تحيزات الإعلام الغربي بمعزل عن البنية الاجتماعية التي يعمل داخلها. ففي واشنطن ولندن وباريس، تتداخل شبكات الإعلام والسياسة والمال ومراكز التفكير وجماعات الضغط.

وينتقل المسؤولون السابقون إلى الأستوديوهات بوصفهم خبراء مستقلين، ويتحول بعض الصحفيين إلى مستشارين سياسيين، ويعود آخرون إلى المؤسسات الإعلامية حاملين معهم العلاقات والتصورات التي تشكلت خلال عملهم داخل السلطة.

هذه العلاقات لا تعني بالضرورة وجود تعليمات مباشرة أو مؤامرة منظمة، لكنها تنتج ما يمكن تسميته "الانحياز البنيوي". فحين يتشابه الصحفيون والمحللون في خلفياتهم الاجتماعية ومصادر معلوماتهم وعلاقاتهم السياسية، تتقارب تلقائيا أحكامهم على الأحداث. ويتحول الإجماع داخل هذه الدوائر إلى ما يشبه الحقيقة البديهية، بينما يُنظر إلى الأصوات المخالفة باعتبارها متطرفة أو غير واقعية أو خارجة عن حدود النقاش المقبول.

وهنا تبرز أهمية الأطروحة التي قدمها إدوارد هيرمان ونعوم تشومسكي في كتابهما "صناعة الموافقة"، حين تناولا الكيفية التي تؤثر بها المِلكية والإعلانات والمصادر والضغوط السياسية والأيديولوجية في إنتاج الأخبار. فالإعلام لا يحتاج دائما إلى رقابة حكومية كي ينحاز؛ قد تكفي بنية المصالح التي يعمل داخلها لتحديد ما يمكن قوله، وما يصعب قوله، ومن يُمنح حق تفسير العالم، ومن يُستبعد من النقاش.

تقدم المقارنة المثارة بين التغطية الإعلامية للإجراءات المرتبطة بالنائبة الديمقراطية إلهان عمر، ذات الأصول الصومالية، وتلك التي استهدفت جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، مدخلا لفهم هذه الإشكالية. فقد أثارت قضية عمر، وما أثير حول التحقيق في ملف هجرتها إلى الولايات المتحدة، تساؤلات بشأن استخدام المؤسسات العدلية في الصراع السياسي

فلسطين تكشف ازدواجية المعايير

ربما لا يوجد اختبار أكثر وضوحا لتحيزات قطاعات من الإعلام الغربي من تغطية القضية الفلسطينية والحرب على غزة. فقد كشفت التغطيات المتباينة عن إشكالية عميقة في اللغة المستخدمة لوصف الضحايا والفاعلين. ففي حالات عديدة، يُقدَّم الضحايا الإسرائيليون من خلال أسمائهم وصورهم وقصصهم الإنسانية، بينما يتحول الفلسطينيون إلى أرقام وإحصاءات، أو إلى أشخاص "قُتلوا" دون تحديد واضح للجهة المسؤولة عن قتلهم.

إعلان

ولا يتعلق الأمر بمجرد اختيار لغوي عابر؛ فاللغة تحدد المسؤولية الأخلاقية والسياسية. هناك فرق جوهري بين القول إن مدنيين "لقوا حتفهم" والقول إنهم "قُتلوا في قصف إسرائيلي". العبارة الأولى تصف النتيجة، بينما تكشف الثانية الفاعل والسياق. وحين تتكرر هذه الاختيارات بصورة غير متوازنة، فإنها تسهم في إعادة تشكيل وعي الجمهور، وتوزيع المسؤولية والتعاطف بصورة انتقائية.

والمفارقة أن مؤسسات إعلامية غربية دافعت بقوة عن حرية التعبير وحق الاحتجاج في سياقات دولية مختلفة، لكنها واجهت اختبارات صعبة عندما تعلق الأمر بالاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين أو بانتقاد إسرائيل.

وقد ظهرت هذه التوترات في الجدل حول التغطية الجامعية والاحتجاجات والاتهامات بمعاداة السامية، حيث اختلط أحيانا النقد السياسي المشروع بالتعميمات والاتهامات المتبادلة. وهذا لا يلغي وجود صحفيين غربيين قدموا تغطيات شجاعة ومستقلة، لكنه يكشف حجم الضغوط التي يمكن أن تواجه من يتجاوز حدود الإجماع المؤسسي.

الكتاب والمحللون: استقلال أم انتماء؟

لا تقتصر المسؤولية على المؤسسات الإعلامية، بل تمتد إلى كتاب الرأي والمحللين والخبراء الذين يساهمون في تشكيل النقاش العام. فكثير من هؤلاء يتحركون داخل منظومات فكرية ومهنية تحدد فرص ظهورهم وانتشارهم، وتمنح بعض المواقف شرعية أكبر من غيرها.

ولا يعني ذلك أن كل محلل يتلقى تعليمات، وإنما أن الانتماء المؤسسي قد يتحول تدريجيا إلى إطار يحدد زاوية النظر إلى الأحداث.

والأخطر أن بعض المحللين يقدمون مواقف سياسية وأيديولوجية واضحة تحت غطاء الخبرة العلمية المحايدة. فالمسؤول السابق الذي دافع عن حرب معينة قد يظهر لاحقا محللا مستقلا لتفسير نتائجها، دون مساءلة كافية عن دوره في صناعتها.

والباحث المرتبط بمؤسسة ذات توجه سياسي محدد قد يُقدَّم باعتباره خبيرا موضوعيا، دون توضيح كافٍ للسياق المؤسسي الذي يعمل داخله.

وهكذا تتشكل دائرة مغلقة: وسائل الإعلام تختار الخبراء الذين يؤكدون تصوراتها، والخبراء يكتسبون شرعيتهم من حضورهم الإعلامي، ثم يتحول تكرار المواقف نفسها إلى إجماع يبدو طبيعيا.

وفي هذه العملية، لا يُقصى الرأي المخالف بالضرورة عبر المنع المباشر، وإنما من خلال تقليص حضوره، أو التشكيك في أهليته، أو وضعه خارج الحدود المقبولة للنقاش.

ربما لا يوجد اختبار أكثر وضوحا لتحيزات قطاعات من الإعلام الغربي من تغطية القضية الفلسطينية والحرب على غزة. فقد كشفت التغطيات المتباينة عن إشكالية عميقة في اللغة المستخدمة لوصف الضحايا والفاعلين. ففي حالات عديدة، يُقدَّم الضحايا الإسرائيليون من خلال أسمائهم وصورهم وقصصهم الإنسانية، بينما يتحول الفلسطينيون إلى أرقام وإحصاءات، أو إلى أشخاص "قُتلوا" دون تحديد واضح للجهة المسؤولة عن قتلهم

الحرية في مواجهة المصداقية

ليس المقصود أن الإعلام الغربي كتلة واحدة أو أنه يفتقر إلى الصحافة المستقلة. فقد كشفت مؤسسات وصحفيون غربيون انتهاكات حكوماتهم، وفضحوا حروبا وجرائم وعمليات تضليل، ودفع بعضهم أثمانا مهنية وشخصية باهظة. وهذه الحقيقة ينبغي الاعتراف بها، لأنها تؤكد أن المشكلة ليست في الغرب بوصفه جغرافيا أو هوية، وإنما في بنية السلطة والمصالح التي تؤثر في المؤسسات الإعلامية، أيا كان موقعها.

لكن وجود صحافة مستقلة لا يمنح المؤسسات الكبرى حصانة من النقد، ولا يجعل حرية التعبير ضمانة تلقائية للموضوعية. فالحرية شرط ضروري للصحافة، لكنها ليست كافية لإنتاج الحقيقة. قد تكون المؤسسة حرة تماما من تدخل الحكومة، لكنها أسيرة لمصالح مالكيها، أو حسابات جمهورها، أو تصورات العاملين فيها، أو علاقاتها مع مراكز النفوذ.

ولهذا فإن مستقبل الصحافة لا يتوقف فقط على قدرتها على مواجهة الرقابة السياسية، وإنما على استعدادها لمساءلة انحيازاتها الخاصة. فالمؤسسة التي تنتقد السلطة لكنها تتجنب مساءلة مصالحها ليست مستقلة بالكامل، والصحفي الذي يدافع عن الحقيقة عندما توافق قناعاته ويتجاهلها عندما تناقضها لا يمارس المهنية بقدر ما يمارس الانتقاء.

لا تكمن خطورة التحيز الإعلامي في أن تكون للمؤسسات مواقف وتوجهات، بل في أن تحتكر تعريف الحقيقة بينما تخفي الشروط التي تنتج من خلالها هذه الحقيقة. فحين تتحول الصحافة إلى نادٍ للنخبة، وتصبح المبادئ رهينة هوية الضحايا وموقعهم من السلطة، يفقد الإعلام وظيفته الأساسية بوصفه رقيبا على القوة، ويصبح جزءا من آليات ممارستها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إعلان