المقامة النابلسية

حاولنا أن نخفف من ثقل الهم على صابر، وننسيه معاناته على الحواجز والمعابر، فنهون عليه خوفه من إرهاب الدولة وتوجسه مما يدور حوله، ولكنه سرعان ما أطلعنا على حجم المعاناة الكبير في زمن احتلال جائر بلا ضمير.
تنهد ابن أبي صابر من الأعماق وقال لنا: الوضع يا جماعة أصبح لا يُطاق.. فالاستيطان نحونا يزحف، ونهب الأرض لا يتوقف، فجرافات الاحتلال كلابٌ مسعورة، والبلدوزرات تقصف الأشجار المذعورة ومصادرة مئات الدونمات تبدو في أبشع صورة، فمدينتنا الحرة نابلس على بساط من الجمر تجلس، وحصاراتها المتلاحقة حديث كل مجلس.
| يا لسوء الحال وضيق المجال، فنابلس الجوهرة الكنعانية الثمينة ما زالت للاحتلال رهينة، ومصيبتها تنم عنها بسمتها الحزينة |
ناهيك عن حملات الدهم والاعتقال، تلك التي تطال النساء والرجال، ولا ترحم الشيوخ والأطفال، فالطَّرق على الأبواب بكعاب البنادق له في ذاكرة المدينة سجلاتٌ وسوابق.
أحدنا ضرب بقبضة يده على صدره، وكاد يصرخ من شدة قهره، ولكنه تمالك نفسه وقال: يا لسوء الحال وضيق المجال، فنابلس الجوهرة الكنعانية الثمينة ما زالت للاحتلال رهينة، ومصيبتها تنم عنها بسمتها الحزينة.
هنا أحمر وجه صابر النابلسي وتجهّم، وكاد الشرار يتطاير من فمه وهو يتكلم، حيث راح في كلامه يحتد وكأنه موج بحرٍ هائج يمتد، فسمعناه بنفسٍ ثائرة يقول وعمر السامعين يطول: ولكن مدينتنا الكنعانية "شكيم" ما زالت تعض بأسنانها على اسمها القديم، وتقول بلسان عربي فصيح: معاذ الله أن أنحني للريح، فأنا ابنة جبل النار، وأم فرسانٍ أحرار، لا يُخمد ثورتي حصار، فمهما تمادى العدوان، وتنمر من حولي استيطان، فإن تاريخ صمودي معروف، وعزم رجالي موصوف، فهم أعزاء النفوس شُمُّ الأنوف، أحفادُ أجداد شهدت لهم رماح وسيوف، وكم دحروا في الميادين المئات من الأعداء والألوف.
قلت وأنا أنفض عن قلبي غبار الأحزان: هل لك يا ابن أبي صابر أن تطلعنا على حجم الاستيطان، الذي ينتشر سرطانه في أكثر من مكان؟ حدثنا عن خطره الداهم ومدى انتشاره الظالم.
| هنا مستوطنات أقيمت على عشرات الآلاف المسروقة من الدونمات، والتي تمت مصادرتها منذ الثمانينيات، من قرنٍ عصيب مضى بعد أن ترك لنا شرا لا زال وما انقضى |
قام ابن جبل النار على الفور ووجهه أدار، حتى وقف بنا أمام خارطة معلقة على جدار، وبيدٍ غاضبةٍ أشار.. قال انظروا إلى هذه القرى الطيبة المحبوبة التي أصبحت بالاستيطان منكوبة، محاطة بالمستوطنات وقد صودرت من أراضيها مئات الدونمات، فالاستيطان أمره مخيف والمستوطنون مستمرون في شق الطرق والتجريف، البؤر الاستيطانية تزيد بالتوسعة وبناء الوحدات السكنية، على حساب الأرض الفلسطينية، وهم يختارون المواقع الإستراتيجية على سفوح الجبال وفي أعالي التلال، وكأنهم يقيمون مواقع عسكرية قائمة مهيأة لحربٍ استيطانية قادمة!
تنهد صابر بن أبي صابر النابلسي، وقال بصوت متحشرج شجي: انظروا إلى هذه الصور الجانبية للمستوطنات القديمة والجديدة في قرى جنوب نابلس المهددة على الدوام، دون رادع أو احتجاج من عرب نيام.
هنا مستوطنات أقيمت على عشرات الآلاف المسروقة من الدونمات، والتي تمت مصادرتها منذ الثمانينيات، من قرنٍ عصيب مضى بعد أن ترك لنا شرا لا زال وما انقضى، فهناك 850 دونما صودرت غرب المدينة و650 دونما جنوب المدينة السجينة، ومعظم الأراضي المصادرة بأشجار الزيتون مزروعة، وقد باتت بالجرّافات مقلوعة، أشجار مثمرة زرعها أجدادنا من عشرات السنين، وقد داستها أقدام المستوطنين، والاستيطان أيها السادة هو الأشد فتكا بأرضنا وتهديدا لحلمنا في أن يكون لنا دولة مستقلة، تتحرر بقيامها أرضنا المحتلة، ونستظل بها بعيدا عن خضوع فيه هوان ومذلّة.
الاستيطان أيها الأخوة كما ترون له طوفانٌ أسود اللون، وإن لم تتحرك من حولنا صحوة عربية إسلامية يصعب علينا التصدي للهجمة الاستيطانية، ولكننا لا نفقد الأمل، ولا بد من ردّة فعلٍ وعمل، فلا بد من فجرٍ لنا ظاهر، ولا بد لهذا الليل من آخر، ولنا في قول الشاعر الشابي أنسب الدروس وخير العبر، حيث قال: إذا الشعب يوما أراد الحياة .. فلا بد أن يستجيب القدر.
| شعرنا ونحن نستمع لصابر النابلسي بالامتعاض، وبمزيجٍ من الحزن والغضب في نفوسنا فاض، فلاحظ علينا تجهُّم الوجوه والنظر المبهور والمشدوه، فبدا وكأنه يود عن إزعاجنا أن يعتذر |
وهذه مدننا وقرانا في فلسطين العزيزة الأبية ترفض المذلة والدنية، تجابه النوازل والأهوال، وتعيش فوق الاحتلال، لا تقبل من محتل إهانة وترفع على رؤوس الأشهاد له أكبر إدانة، وفي انتظار صحوة عربية إسلامية سنسعى بها إلى محكمة الجنايات الدولية.
هكذا نحن في طولكرم وجنين ونابلس وقلقيلية ورام الله والقدس وبيت لحم والخليل، نتحدّى الاحتلال ونقهر المستحيل، نضيء بدم شهدائنا وجرحانا الطريق ونطفئ بأيدينا وأقدمنا حريقا من بعد حريق، عن درب التحرير والخلاص لا نحيد ولا نميل حتى لو كانت مسيرتنا في ظلام الاحتلال مسافتها ألف ألف ميل.
شعرنا ونحن نستمع لصابر النابلسي بالامتعاض وبمزيجٍ من الحُزنِ والغضب في نفوسنا فاض، فلاحظ علينا تجهُّم الوجوه والنظر المبهور والمشدوه، فبدا وكأنه يود عن إزعاجنا أن يعتذر، وراح في الحديث يختصر، إلى أن وصل إلى مرارة الختام، فراح يقاسمنا الحنين إلى العدل والسلام، وقال ممازحا ومداعبا لنا: يا معشر الأحبة هيا بنا نتجول في نابلس البطلة المغوارة نتفقدّها شارعا شارعا وحارةً حارة، ثم نُسكِتُ مرارةً ما زالَ لها في الأفواهِ والنفوس بقيّة بحلاوة وطعم الكنافة النابلسية.
هنا تنهد الجميع وخفنا على الأرض أن تضيع، ولكننا رحنا نشد على يد صابرٍ النابلسي، وبين عزم غاضب وأمل قوي قلنا له وبدمع في العيون باسم، وبصوت جماعيّ حازم: الاحتلال يا ابن أبي صابرٍ إلى زوال، وبقاءُ المحتلِ على أرضنا من المحال، فإلى اللقاء في يوم اللقاء.. يوم النصر والخلاص من كل مصيبةٍ وداء، وشرٍّ جرّه إلى البلاد غرباءُ دخلاء.