جبهة تحرير شعب تيغراي.. قوة سياسية وعسكرية تقض مضجع الحكومة الإثيوبية

تنظيم سياسي وعسكري إثيوبي تأسس عام 1975 في إقليم تيغراي شمالي البلاد، وخاض تمردا مسلحا ضد نظام منغستو هيلا مريام، انتهى بالإسهام في إسقاطه عام 1991. تقدم الجبهة نفسها "حركة سياسية تدافع عن حقوق شعب تيغراي ومصالحه"، وتتبنى نظاما فدراليا يقوم على الاعتراف بحقوق القوميات الإثيوبية.
وبعد وصولها إلى السلطة ضمن الائتلاف الذي حكم إثيوبيا، أصبحت على مدى نحو ثلاثة عقود إحدى أبرز القوى السياسية في البلاد، قبل أن تتراجع إلى موقع المعارضة عقب وصول آبي أحمد إلى رئاسة الحكومة عام 2018.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsوتحول الخلاف بين الجبهة والحكومة الاتحادية إلى مواجهة عسكرية مفتوحة في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، اندلعت على خلفية صراع سياسي ودستوري متصاعد، واستمرت الحرب عامين قبل أن تنتهي باتفاق بريتوريا في نوفمبر/تشرين الثاني 2022.
ورغم الاتفاق، ظل مستقبل العلاقة بين تيغراي والحكومة الاتحادية محل خلاف، ولا سيما بشأن وضع المناطق المتنازع عليها، وعودة النازحين، ونزع سلاح قوات الجبهة وترتيبات الحكم في الإقليم.
وفي موازاة ذلك، شهد الوضع السياسي والقانوني للجبهة تحولات متلاحقة؛ فبعد أن صنفتها الحكومة الإثيوبية منظمة إرهابية عام 2021، أُلغي هذا التصنيف عام 2023 في إطار تنفيذ اتفاق السلام، قبل أن تلغي اللجنة الوطنية للانتخابات تسجيلها حزبا سياسيا عام 2025، مما أعاد الجبهة إلى دائرة الخلاف مع الحكومة الاتحادية حول وضعها السياسي.
وتصدرت الجبهة المشهد السياسي والأمني في إثيوبيا مطلع عام 2026، مع تصاعد الخلاف حول تنفيذ اتفاق بريتوريا وتوتر العلاقة بين سلطات الإقليم والحكومة الاتحادية. وتفاقم الوضع في أغسطس/آب مع تجدد المواجهات المسلحة في تيغراي، مما أعاد المخاوف من اندلاع حرب جديدة في شمال إثيوبيا.

النشأة والتأسيس
نشأت جبهة تحرير شعب تيغراي في سياق الاضطرابات السياسية التي شهدتها إثيوبيا بعد الإطاحة بالإمبراطور هيلا سيلاسي عام 1974 ووصول المجلس العسكري المعروف بـ"الدرغ" إلى السلطة. وأدى اعتماد النظام الجديد نهجا مركزيا وقمعه للحركات المعارضة إلى تصاعد النشاط السياسي والقومي في إقليم تيغراي، حيث ظهرت في أوائل سبعينيات القرن العشرين مجموعات سياسية دعت إلى الدفاع عن حقوق سكان الإقليم ومواجهة تهميشه.
وفي هذا السياق، تأسست في 18 فبراير/شباط 1975 جبهة تحرير شعب تيغراي، وانطلقت باعتبارها حركة مسلحة لمقاومة نظام الدرغ. وشكلت امتدادا لنشاط سياسي وتنظيمي سبق ظهورها، ولا سيما في أوساط الطلاب والنشطاء الشباب المنحدرين من الإقليم.
وخاضت الجبهة في سنواتها الأولى حرب عصابات ضد القوات الحكومية، وتمكنت تدريجيا من توسيع نفوذها وبناء تنظيم عسكري أكثر تماسكا، لتتحول مع مرور الوقت إلى إحدى أبرز القوى المسلحة المناهضة لنظام الدرغ.
الفكر والتوجه الأيديولوجي
تبنت الجبهة في مراحلها الأولى الفكر الماركسي اللينيني، وارتبط خطابها بالمطالب القومية المتعلقة بحقوق القوميات الإثيوبية. وكان من بين أهدافها إقامة نظام سياسي يعترف بحقوق القوميات ويضمن المساواة بينها، فيما ظهرت داخلها في مرحلة مبكرة تيارات دعت إلى استقلال تيغراي وانفصالها عن إثيوبيا، قبل أن يتراجع هذا التوجه تدريجيا لمصلحة مشروع إعادة صياغة الدولة الإثيوبية على أساس فدرالي.
ومع تطور تجربتها السياسية والعسكرية، بدأت الجبهة منذ النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين مراجعة مرجعيتها الفكرية، وابتعدت تدريجيا عن الماركسية-اللينينية التقليدية.
وبعد وصولها إلى السلطة عام 1991، تبنت تحت قيادة ميليس زيناوي مفهوم "الديمقراطية الثورية" إطارا فكريا وسياسيا، مع الإبقاء على النظام الفدرالي القائم على القوميات واعتماد اقتصاد السوق مع دور قوي للدولة.

الصراع مع نظام منغستو
خاضت الجبهة منذ تأسيسها عام 1975 تمردا مسلحا ضد نظام "الدرغ" بقيادة منغستو هيلا مريام، الذي أصبح رئيسا للدولة عام 1977. وتمكنت الجبهة تدريجيا من توسيع نفوذها في إقليم تيغراي، مستفيدة من طبيعة المنطقة ومن تحالفها مع حركات إثيوبية وإريترية مسلحة كانت تقاتل حكومة أديس أبابا. وبحلول أواخر ثمانينيات القرن العشرين، أصبحت قوة عسكرية رئيسية في شمال البلاد.
وفي عام 1988، شاركت جبهة تحرير شعب تيغراي في تأسيس الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية، وهي ائتلاف ضم إلى جانبها منظمة شعب الأورومو الديمقراطية، وحركة الأمهرة الوطنية الديمقراطية، والحركة الديمقراطية لشعوب وقوميات جنوب إثيوبيا.
وتمكنت الجبهة، بقيادة ميليس زيناوي، من ترسيخ موقعها باعتبارها التنظيم الأكثر نفوذا داخل الائتلاف، الذي تحول إلى القوة الرئيسية في مواجهة نظام منغستو هيلا مريام. وبحلول عام 1991، تمكنت قوات الائتلاف من إسقاط النظام والسيطرة على أديس أبابا، لتنتقل جبهة تحرير شعب تيغراي من العمل المسلح إلى ممارسة السلطة من خلال الائتلاف الحاكم.
إسقاط نظام الدرغ
في 28 مايو/أيار 1991، دخلت قوات "الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية" العاصمة أديس أبابا، بعد انهيار نظام منغستو وفراره إلى زيمبابوي. وأصبح ميليس زيناوي رئيسا للحكومة الانتقالية، فيما تولى تاميرات لاينه رئاسة الوزراء. ومثّل سقوط النظام انتقال جبهة تحرير شعب تيغراي من العمل المسلح إلى ممارسة السلطة من خلال الائتلاف الذي قادته.
وفي عام 1995، تولى ميليس زيناوي رئاسة الوزراء بعد اعتماد الدستور الإثيوبي الجديد، واستمر في المنصب حتى وفاته في 20 أغسطس/آب 2012. وأثناء هذه الفترة ظلت جبهة تحرير شعب تيغراي القوة الأكثر نفوذا داخل الائتلاف الحاكم، رغم مشاركتها الرسمية مع أحزاب تمثل قوميات وأقاليم أخرى.

ثلاثة عقود في السلطة
هيمنت جبهة تحرير شعب تيغراي، عبر الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية، على الحياة السياسية في إثيوبيا من عام 1991 إلى عام 2018. وأثناء هذه الفترة أُعيد تنظيم الدولة وفق نظام فدرالي يقوم على ضمان تمثيلية الأقاليم والقوميات، وأصبح إقليم تيغراي أحد الأقاليم الفدرالية في البلاد.
وشهدت إثيوبيا إبانها نموا اقتصاديا ملحوظا وتوسعا في البنية التحتية والخدمات، إلا أن الحكومة تعرضت في المقابل لانتقادات واسعة بسبب التضييق على المعارضة والحريات السياسية، وهيمنة الائتلاف الحاكم على مؤسسات الدولة، مما أدى مع مرور الوقت إلى تصاعد الاستياء الشعبي من النظام القائم، ولا سيما في أوساط الأورومو والأمهرة، وانتهى الأمر إلى احتجاجات واسعة أسهمت كثيرا في وصول آبي أحمد إلى رئاسة الحكومة عام 2018.
من السلطة إلى المعارضة
بعد تولي آبي أحمد رئاسة الحكومة في أبريل/نيسان 2018، بدأ بإعادة تشكيل الائتلاف الحاكم. وفي ديسمبر/كانون الأول 2019 أُعلن عن تأسيس حزب الازدهار خلفا للجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية، وانضمت إليه معظم مكونات الائتلاف، بينما رفضت جبهة تحرير شعب تيغراي الاندماج فيه، لتخرج بذلك إلى المعارضة وتصبح القوة الرئيسية المعارضة للحكومة الاتحادية داخل النظام السياسي الإثيوبي.
وتفاقم الخلاف بعد قرار الحكومة الاتحادية تأجيل الانتخابات الوطنية التي كانت مقررة في أغسطس/آب 2020 بسبب جائحة كوفيد 19. وفي 9 سبتمبر/أيلول من العام ذاته، أجرت سلطات إقليم تيغراي انتخابات إقليمية من جانب واحد، اعتبرتها الحكومة الاتحادية غير قانونية، مما عمّق الخلاف أكثر بين الطرفين.

حرب تيغراي
اندلعت الحرب في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 بعد هجوم على قواعد للجيش الإثيوبي في تيغراي، وسط تبادل الاتهامات بين الطرفين بشأن المسؤولية عن اندلاع الحرب. وردت الحكومة الاتحادية بعملية عسكرية واسعة، بمشاركة قوات من إقليم أمهرة وقوات إريترية، وتمكنت من السيطرة على ميكيلي، عاصمة تيغراي، في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2020.
لكن سقوط العاصمة لم ينه القتال؛ إذ واصلت قوات تيغراي عملياتها، واستعادت ميكيلي وأجزاء واسعة من الإقليم في يونيو/حزيران 2021، قبل أن تتقدم جنوبًا باتجاه مناطق قريبة من أديس أبابا. وأعلن الطرفان في مارس/آذار 2022 هدنة إنسانية، لكن القتال استؤنف في 24 أغسطس/آب من العام نفسه.
وانتهت الحرب باتفاق وقف الأعمال العدائية الموقع في بريتوريا بجنوب أفريقيا في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2022 بوساطة الاتحاد الأفريقي. ونص الاتفاق على وقف القتال وتسليم الأسلحة الثقيلة واستعادة الخدمات، فيما توصل الطرفان في 12 نوفمبر/تشرين الثاني بالعاصمة الكينية نيروبي إلى ترتيبات تنفيذية لتنفيذ الاتفاق، شملت آليات نزع سلاح قوات تيغراي.
وخلفت الحرب خسائر بشرية كبيرة وتداعيات إنسانية واقتصادية عميقة، إذ أودت بحياة ما لا يقل عن 600 ألف شخص وفق تقديرات الاتحاد الأفريقي، وأدت إلى نزوح نحو مليوني شخص، علاوة على تدمير البنية التحتية وتعطل الخدمات الأساسية، ولا سيما الصحة والتعليم. كما واجه مئات الآلاف خطر المجاعة بسبب انقطاع الإمدادات وتعطل وصول المساعدات، في حين وثقت منظمات دولية وحقوقية انتهاكات واسعة بحق المدنيين، بينها عمليات قتل وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.
ما بعد اتفاق بريتوريا
أنهى اتفاق بريتوريا الحرب المفتوحة، لكنه ترك عددا من القضايا دون تسوية نهائية، أبرزها وضع المناطق المتنازع عليها، وعودة النازحين، ونزع السلاح وترتيبات الحكم في الإقليم. وفي ديسمبر/كانون الأول 2022 بدأت الجبهة تسليم أسلحتها الثقيلة وفق ما نص عليه اتفاق السلام، فيما بدأت الحكومة استعادة الخدمات والمؤسسات الاتحادية في الإقليم.
وفي الوقت ذاته، ظهرت خلافات داخل الأوساط السياسية في تيغراي بشأن إدارة مرحلة ما بعد الحرب، ولا سيما بين قيادة الجبهة والإدارة المؤقتة التي أنشئت بموجب اتفاق السلام. ليظل تنفيذ الاتفاق بطيئا بسبب ذلك، خصوصا في ملف الأراضي المتنازع عليها وعودة النازحين، مما أبقى التوتر قائما بين الجبهة والحكومة الاتحادية.

عودة التوتر في 2026
عاد الصراع إلى الواجهة في يناير/كانون الثاني 2026، عندما اندلعت اشتباكات بين قوات مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي، وفي مقدمتها قوات دفاع تيغراي، من جهة، والقوات الاتحادية والقوات المتحالفة معها من جهة أخرى، في مناطق متنازع عليها غرب وجنوب تيغراي.
وفي 26 يناير/كانون الثاني، تقدمت قوات دفاع تيغراي في منطقة صلمتي قبل أن تتراجع لاحقا، ثم سيطرت في 29 يناير/كانون الثاني على منطقتي ألاماطا وكوريم في جنوب تيغراي بعد انسحاب القوات الاتحادية منهما. وأثارت هذه التطورات مخاوف من تجدد الحرب التي انتهت باتفاق بريتوريا.
وفي 20 أبريل/نيسان 2026، أعلنت جبهة تحرير شعب تيغراي عزمها استعادة مؤسسات الحكم التي كانت قائمة قبل الحرب، متهمة الحكومة الاتحادية بانتهاك اتفاق بريتوريا وتمديد ولاية الإدارة المؤقتة من دون التشاور معها. وفي 5 مايو/أيار، أعادت الجبهة المجلس التشريعي السابق، الذي انتخب رئيسها ديبرصيون جبر ميكائيل رئيسا للإقليم، في خطوة عمقت الخلاف حول ترتيبات الحكم ومستقبل اتفاق السلام.
ومع تصاعد التوتر، تحركت أطراف إقليمية ودولية لاحتواء الأزمة. ففي 11 يونيو/حزيران 2026، زار الممثل الأعلى للاتحاد الأفريقي لمنطقة القرن الأفريقي أولوسيغون أوباسانجو ميكيلي والتقى ديبرصيون جبر ميكائيل، في إطار جهود لمنع تجدد القتال ودفع الطرفين إلى تنفيذ اتفاق بريتوريا. وفي 18 يونيو/حزيران، فرضت الولايات المتحدة الأمريكية قيودا على منح التأشيرات لأشخاص مرتبطين بالجبهة، متهمة إياهم بتقويض جهود السلام.
تجدد المواجهة المسلحة
وفي الأول من أغسطس/آب 2026، اندلعت اشتباكات جديدة بين الجيش الإثيوبي وقوات مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي في شمال البلاد، ولا سيما في غربي إقليم تيغراي، في أول تصعيد عسكري واسع منذ اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب عام 2022. وأثارت المواجهات مخاوف من تجدد الحرب، في ظل استخدام أسلحة ثقيلة وتبادل الطرفين الاتهامات بشأن مسؤولية التصعيد.
وجاءت المواجهات بعد أشهر من تصاعد التوتر بين الجبهة والحكومة الاتحادية، على خلفية الخلاف حول تنفيذ بنود أساسية من اتفاق بريتوريا، ولا سيما ما يتعلق بالمناطق المتنازع عليها وعودة النازحين. وتزامن ذلك مع انقسامات داخل المعسكر السياسي والعسكري في تيغراي وظهور فصيل مسلح منشق عن قوات الجبهة، إلى جانب تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، ما زاد مخاوف من اتساع نطاق المواجهة في شمال البلاد.
