إعلان

عام على وقف النار.. لماذا لم تتغيّر حياة الغزيين؟

غزة- قبل أكثر من عام وتحديدا في 29 سبتمبر/أيلول 2025 أصدر البيت الأبيض خطة مفصلة تدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار في قطاع غزة، متبوعة ببرنامج شامل لإعادة الإعمار وإعادة تنظيم الوضع السياسي والأمني في القطاع.

وتسعى الخطة لتحويل غزة إلى "منطقة خالية من السلاح" مع توفير آلية انتقالية للحكم بضمانات دولية وإقليمية، تحت إشراف مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على هيئة دولية جديدة تُعنى بمتابعة التنفيذ.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

وفي 10 أكتوبر/تشرين الأول من نفس العام نفسه، دخل اتفاق وقف إطلاق النار، حيز التنفيذ، فماذا تغير في عام؟

5785 خرقا

خرقت إسرائيل اتفاق وقف النار أكثر من 5785 مرة، قتلت خلالها 1550 فلسطينيا وأصابت نحو 5560 شخصا آخر، وفق معطيات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة -للجزيرة نت- وبذلك لم يضع الاتفاق حدا للموت ولم يوفر ضمانة فعلية لحياة السكان.

أمّا على الأرض فإن كثيرا من الملفات لم تتحقق وربما ازدادت سوءا:

  • لم ينه الاتفاق النزوحَ، ولم يفتح الطريق أمام عودة السكان إلى منازلهم الواقعة خلف ما يُعرف بـ"الخط الأصفر".
  • لم يبدأ الإعمار.
  • لم تتحسن الظروف المعيشية، فما زالت معارك البقاء تُستأنف مع كل صباح، حتى بات الحصول على لقمة العيش يستدعي ساعات من الوقوف في طوابير الانتظار.

كما كشفت الإغلاقات المتكررة لمعبر كرم أبو سالم (جنوبي القطاع حيث تدخل البضائع والمساعدات الغذائية) عن هشاشة السوق حيث أفقدته توازنه، وأعادت شبح نقص الغذاء إلى الواجهة، فقد ارتفع -مثلا- سعر كيس الدقيق (وزن 25 كيلوغراما) من 6 دولارات إلى 100 دولار، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من الأسر التي فقدت مصادر دخلها أو تعيش على مساعدات محدودة.

وبات الغزيون يصطفون أمام نقاط توزيع الخبز، منذ الخامسة فجرا، يحمل كل منهم بطاقة مرقمة تحفظ له دوره في الطابور، وينتظرون الحصول على كيس خبز بوزن كيلوغرام واحد، مقابل 3 شواكل (نحو دولار واحد).

إعلان

وفي إحدى نقاط توزيع الخبز في حي الرمال، تحدثت الجزيرة نت إلى المسؤول عنها علاء عبد ربه عن سبب الأزمة، فقال إن برنامج الأغذية العالمي خفض الكمية المخصصة للنقطة من 550 ربطة خبز إلى 400، رغم وجود أكثر من 5 آلاف نازح في المخيمات المحيطة.

ومن بين المنتظرين كان المواطن إبراهيم قنديل، العاطل عن العمل والمعيل لـ9 أفراد، يقول إنه كان يحصل على كيس طحين وطرد غذائي كل 3 أشهر، ولم يكن يضطر إلى الوقوف في طابور الخبز، أما اليوم فهو منذ 5 أشهر لم يحصل على كيس طحين واحد.

وفي الطابور نفسه لم يحالف الحظ نادر جندية في الحصول على الخبز، بينما ينتظر أطفاله التسعة عودته، وإلى الأمام قليلا يجلس المواطن محمد العرعير على الرصيف، شاردا في واقع لا يرى أن وقف إطلاق النار غيّر منه شيئا.

ويقول للجزيرة نت "منذ أن توقفت الحرب لم يتغير علينا أي شيء. عائلتي في الخيمة، وبيتي خلف الخط الأصفر، والجوع والحرمان كما هو" ويضيف بلهجته "إحنا انضحك علينا (خُدعنا)" ولا يزال وعائلته يواجهون يوميا تبعات حرب لم تنته آثارها في حياتهم.

مساعدات بالقطارة

يُجمعُ الغزيون على أن الحديث عن وقف إطلاق النار كان "شكليا بلا أثر" إذ لم يلمسوا تغييرا ملموسا في حياتهم رغم مرور أكثر من عام على دخوله حيز التنفيذ، لكن هذا الإجماع لا يبقى معزولا عن واقع الإمدادات إلى القطاع.

وتكشف مراجعة الجزيرة نت لسجلات حركة الشاحنات اليومية والأسبوعية، التي حصلت عليها من هيئة المعابر والحدود، عن فجوة واسعة بين عدد الشاحنات المفترض دخولها والواصلة فعليا.

فوفق العدد الذي تستند إليه الهيئة، ينص الاتفاق على دخول 600 شاحنة يوميا، أي 4200 شاحنة أسبوعيا. لكن تحليل السجلات يُظهر أن إجمالي الشاحنات الواصلة تراوح بين 822 و1446 شاحنة أسبوعيا. وحتى في الأسبوع الذي سجل أعلى حصيلة، لم تتجاوز النسبة 34% من الإجمالي المفترض، فيما تراجعت الحصيلة في أسابيع أخرى إلى قرابة الخمس.

ولا تقتصر المشكلة على حجم الإمدادات وتذبذب تدفقها من أسبوع إلى آخر، بل تمتد إلى تحكّم جيش الاحتلال في عدد الشاحنات وأصناف حمولاتها، وفق هيئة المعابر والحدود، إذ لا يسمح إلا بإدخال السلع الاستهلاكية، ويحظر دخول مواد البناء والأجهزة والمستلزمات الطبية، فضلا عن المواد الصناعية والتجارية.

تدافع النازحين على تكايا الطعام بعد منع جيش الاحتلال دخول المواد التموينية والخضراوات واللحوم إلى القطاع منذ أيام (الجزيرة)

إغاثة لا تفي بالاحتياج

تنعكس الفجوة بين ما يتوفر وما هو مطلوب على الأسر التي تعتمد على المساعدات لتأمين احتياجاتها الأساسية، إذ تنفي وزارة التنمية الاجتماعية وجود أي تحسن ملموس في مستوى المساعدات الإنسانية منذ بدء وقف إطلاق النار، وتقدّر أن ما يدخل القطاع لا يتجاوز 35% من حجم المساعدات المطلوبة، فيما لا تزال 65% من الاحتياجات الأساسية غير ملباة.

وتعزو المتحدثة باسم الوزارة عزيزة الكحلوت، في حديثها للجزيرة نت، استمرار الأزمة إلى تكرار إغلاق المعابر، وتوقف مؤسسات إغاثية عن العمل، وتعليق برامج المساعدة أو تقليص أعداد المستفيدين منها، إلى جانب منع إدخال مواد أساسية.

إعلان

وتوضح الوزارة أن نحو 530 ألف أسرة تحتاج إلى المساعدة، فيما تقيم نحو 250 ألف أسرة، تضم مليونا و22 ألف شخص، في مراكز الإيواء ومخيمات النزوح، وسط افتقار إلى الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

المرضى حكاية أخرى

وفي حصيلة أوسع للفجوة بين الالتزامات الواردة في الاتفاق وما تحقق على الأرض، يقول رئيس المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة إن 76 ألفا و497 شاحنة مساعدات وبضائع دخلت القطاع خلال 379 يوما منذ وقف إطلاق النار، مقابل 227 ألفا و400 شاحنة كان يفترض دخولها بمعدل 600 شاحنة يوميا، بما يعادل، وفق حساباته، نحو 33.6% من العدد المقرر.

وتمتد الفجوة بين ما أُعلن وما تحقق إلى حركة التنقل عبر معبر رفح، بما في ذلك سفر المرضى الذين يحتاجون إلى العلاج خارج القطاع. ويقول الثوابتة للجزيرة نت إن 14 ألفا و307 مسافرين غادروا عبر معبر رفح، من أصل 38 ألفا و800 كان مقررا سفرهم، بنسبة تنفيذ تبلغ 36.8% حسب قوله.

ينتظرون حصتهم من الغذاء من إحدى التكايا بغزة (الجزيرة)

تمدد واحتلال الأرض

جغرافيا، يضيق جيش الاحتلال الأرض على الغزيين، فالمساحة المتاحة لهم تتقلص هي الأخرى، إذ تواصل قواته تحريك "الخط الأصفر" دون التزام بالحدود التي رسمها الاتفاق.

فمع بدء وقف إطلاق النار قبل عام، أبقى "الخط الأصفر" نحو 53% من مساحة القطاع تحت الانتشار العسكري الإسرائيلي، لكن القوات الإسرائيلية واصلت تحريك المكعبات الإسمنتية الصفراء التي تحدده باتجاه الغرب، موسعة نطاق سيطرتها ومناطق تقييد الوصول.

وبحسب بيانات الأمم المتحدة، باتت القيود على الوصول تشمل نحو 65% من مساحة القطاع، ولم يبق لنحو 2.1 مليون فلسطيني سوى قرابة 128 كيلومترا مربعا، أي 35% من مساحة غزة.

جيش الاحتلال يزيح المكعبات الإسمنتية ويوسّع نطاق سيطرته عبر "الخط الأصفر" (الجزيرة)

وصاية أو انتداب

من جهته، يعبر المحلل السياسي إياد جودة عن تخوفه من أن تكون خطة الرئيس الأمريكي المعلنة تحت عنوان "مجلس السلام " تمثل إعادة تموضع للسيطرة على القطاع تحت مسمى جديد، محذرا من أن تفتح الباب أمام واحد من أشكال الوصاية أو الانتداب الجديد.

ويلفت في حديثه للجزيرة نت إلى أن استخدام المساعدات الإنسانية أداة للضغط على الفلسطينيين ليس سياسة جديدة، بل نهج تتبعه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وفق تعبيره.

ويرى أن إبقاء سكان غزة تحت وطأة الاحتياجات اليومية والأزمات المعيشية الخانقة يسهم في صنع بيئة طاردة، معتبرا أن ذلك يندرج ضمن سياسة تهجير مدروسة يتبعها الاحتلال الإسرائيلي.

وبين الوعود بمرحلة جديدة والواقع الذي لم يتغير، يظل اتفاق وقف إطلاق النار حبرا على ورق، ما دام الغزيون لا يلمسون أثره في تفاصيل حياتهم اليومية.

المصدر: الجزيرة