برامج متفرقة

الأغنية الشعبية بين التهميش والانتشار.. كيف غنت سوريا خارج دمشق وحلب؟

يتناول برنامج “غاليريتا” قصة الأغاني الشعبية السورية التي ظلت خارج دائرة الضوء لعقود، رغم غناها وتنوعها، بسبب هيمنة ثقافة المدينة المركزية على الإعلام والمؤسسات، في مشهد يعكس صراع الريف والمركز.

 

تشير بعض التقارير إلى أن الأغاني الشعبية السورية تعاني التهميش في الساحة الفنية، ووفقا لحلقة (2026/8/23 ) من برنامج "غاليريتا" الذي يبث على منصة الجزيرة 360، وهذا رابطها، فإن الوسط الفني السوري يطرح سؤالا محوريا عن اختفاء أصوات وأنماط غنائية تماما من المشهد الثقافي السوري.

ويستهل البرنامج بقصة المطرب الراحل فؤاد غازي، ابن ريف حماة، الذي وصفه المطرب اللبناني وديع الصافي بـ"ملك العتابا" (أحد أبرز أنواع الزجل والشعر الغنائي الشعبي الذي تشتهر به أرياف وبوادي بلاد الشام)، ورغم انتشار صوته بين ملايين السوريين، ظل اسمه مجهولا لدى كثيرين، وتوفي عام 2011 وهو لا يزال يصنف في التصنيف العام كـ"مطرب أعراس" في نموذج يعكس إشكالية الشهرة المرتبطة بالجغرافيا لا الموهبة.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

وتعود جذور هذه الظاهرة إلى بداية تشكل الدولة السورية الحديثة بعد رحيل المستعمر الفرنسي عام 1946، إذ كانت دمشق وحلب تمثلان القلب الاقتصادي والسياسي والثقافي، بينما عوملت مناطق مثل "الجزيرة" وسهل الغاب والفرات وحوران كأطراف بعيدة.

وفي السياق، يوضح المؤرخ الفلسطيني حنا بطاطو في كتابه "فلاحو سوريا" هذا التفاوت الحضري، مشيرا إلى أن الريف كان الكتلة الأكبر في البلاد ويحمل عبء الزراعة، لكن معدلات الفقر ووفيات الأطفال كانت أعلى بكثير من المدينة، مما جعل التهميش "بنية اجتماعية" وليس مجرد شعور.

بينما يؤكد الباحث السوري محمد جمال باروت -في تحليله لبنية الدولة الحديثة- أن ثقافة المدينة المركزية ظلت تهيمن على حساب الثقافة المحلية والريفية، وأن الريف لم يعامل كشريك متساو في إنتاج الهوية الوطنية، بل كفضاء تابع ينبغي أن يلتحق بنموذج المدينتين الكبيرتين.

تقسيم غير معلن

وانتقل هذا التقسيم إلى المجال الفني بشكل غير معلن، فظهر تصنيف ثنائي: غناء راق وغناء شعبي، حيث قدم الطرب الحلبي والموشحات والقدود (منظومات غنائية وموسيقية سورية أصيلة بُنيت على "قَدّ" أو مِقدار ألحان دينية أو مدنية شائعة) كواجهة حضارية، في حين ظلت العتابا والموليا (لون من ألوان الشعر والغناء الشعبي التراثي الشهير في وادي الفرات) وأغاني الحصاد والرعاة خارج الاعتراف العام.

ولم يكن التقسيم ثقافيا فحسب، بل امتد إلى البعد المؤسسي، حيث توضح الحلقة أنه مع ولادة إذاعة دمشق عام 1947، أصبحت هناك مؤسسة واحدة تحدد ما يسمعه السوريون، تعكس الصورة التي تريد الدولة تقديمها عن البلاد، وهي صورة راقية قريبة من النموذج الثقافي العربي السائد المتأثر بالقاهرة وبيروت.

وحتى عندما دخلت بعض اللهجات ضمن برامج الإذاعة، دخلت بشكل مخفف ومرتب وقابل للفهم بالنسبة للمدينة، بينما اعتبرت الأغاني المحلية باللهجات الريفية "ثقيلة" ومحلية أكثر من اللازم.

ومع مشروع الجمهورية العربية المتحدة عام 1958، أصبح المشروع القومي أوضح، مما استدعى تخفيف الفروقات الداخلية، فأصبحت اللهجات الكثيرة عائقا، والهويات المناطقية مشكلة، والموسيقى المحلية جدا شيئا يحتاج إلى تهذيب، وفقا للباحث ريمون معلوم الذي استشهدت به الحلقة.

وفي عام 1960، ولد التلفزيون السوري في الوقت نفسه الذي فقدت فيه سوريا جزءا من خصوصيتها السياسية داخل الوحدة، فصارت هناك محاولة لصناعة صورة ثقافية موحدة، فن عربي مرتب ورسمي يشبه المزاج القومي العام، وكان المطرب صباح فخري الصورة المثالية للأغنية السورية، بتراثه الحلبي وقدوده وموشحاته.

وبعد انتهاء الوحدة عام 1961، ووصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963 ثم استيلاء الرئيس الأسبق حافظ الأسد على الحكم عام 1970، ترسخت المعادلة، وأصبحت الدولة مركزية أكثر من أي وقت مضى، وأصبح الأمن حاضرا في كل شيء، والإعلام شبه مغلق، وظهرت "سوريا رسمية" واضحة: أغان وطنية، تمجيد للقائد، وتراث مقبول ومدروس.

وفي تلك الفترة، عاشت مناطق كاملة تهميشا اقتصاديا واجتماعيا واضحا، حيث كانت مناطق سهل الغاب في ريف حماة، والجزيرة السورية الغنية بالنفط والزراعة، والرقة ودير الزور بالنسبة للمركز "شرقا بعيدا"، فحملت الأغاني الخارجة من هذه المناطق شعور مناطق بأكملها بأنها خارج الصورة.

الأغنية الكردية

ويستشهد البرنامج بمسيرة الفنان الشعبي ذياب مشهور -أحد أهم الأصوات الفراتية- الذي ظل دائما مطربا شعبيا وليس نجما مركزيا، وقضى عمره يحاول إثبات أن الغناء الفراتي ليس أقل قيمة من طرب المدينة، لكن النظام الثقافي كان مبنيا بطريقة تجعل المركز هو الأصل والباقي إضافات.

أما بالنسبة للأغنية الكردية، فتوضح غاليريتا أن الموضوع لم يكن مجرد تهميش، بل كان امتدادا لسياسات تعريب "قاسية"، حيث كانت اللغة والأسماء الكردية ممنوعة، فكيف لأغنية كردية أن تصل الإعلام؟ تتساءل الحلقة، وتضيف أن أصواتا كاملة ظلت محبوسة داخل الجغرافيا، لأن وجودها الثقافي كان نفسه سياسيا حساسا.

وفي منطقة السويداء، حيث يتركز الدروز، كانت الربابة الآلة الموسيقية الرسمية، وأشهر الأصوات يحيى القنطار، بينما مثّل فهد بلان حالة مختلفة، إذ حاول أن يتحايل على النظام بأخذ روح الغناء الشعبي الحوراني والبدوي وتقديمه في قالب قادر على العبور للعالم العربي.

ومع ثورة الكاسيت في أواخر السبعينيات، انكسر احتكار المركز، فأصبح بإمكان الناس تسجيل الأعراس والعتابات والموليا والدبكات ونسخها وتوزيعها دون موافقة الدولة، وهذه الثورة هي التي صنعت نجما سوريا سيغير وجه الأغنية العربية، جورج وسوف، الذي انطلق من كاسيت سجل بمطعم الأمير في حمص عام 1979.

وفي بداية الألفينيات، مع ظهور الفضائيات وانتشار "صحون الدش" خرجت الأغنية الشعبية السورية من المحلية للإقليمية، وظهرت أسماء مثل علي الديك وحسين الديك وأذينة العلي، وفي المقابل، خرقت سارية السواس احتكار الرجال للشهرة، وقدمت أغنية خارجة من الشارع السوري بلغته اليومية، وانتشرت عبر الكاسيت والأعراس.

المصدر: الجزيرة