منقذون في غزة.. ينبشون الموت فتولد حياة

حفظ

غزة- في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وبينما كان عدوان الجيش الإسرائيلي يشتد على شمال قطاع غزة ضمن ما عُرفت بخطة الجنرالات، ألقت الطائرات الحربية الإسرائيلية صواريخها على منزل في مخيم جباليا يحتمي به عدد من الشبان، مما أدى إلى استشهاد عدد منهم.

كان الشاب فؤاد شاكر (31 عاما) أحد أولئك الشهداء الذين ارتقوا في تلك الغارة رفقة أصدقاء له، ونقل من نجا منهم خبر استشهاده إلى ذويه الذين كانوا حينها نازحين إلى جنوب قطاع غزة.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

في غمرة العملية العسكرية، بقي جثمان الشاب تحت أنقاض المنزل المدمر، ولم يتمكن أحد من الوصول إليه حتى انسحاب جيش الاحتلال مع دخول تهدئة يناير/كانون الثاني 2025 حيز التنفيذ.

دفن الشهيد فؤاد شاكر بعد عامين على استشهاده، بعدما عُثر أولا على رأسه ثم على بقية جثمانه
دفن الشهيد فؤاد شاكر بعد عامين على استشهاده، بعدما عُثر أولا على رأسه ثم على بقية جثمانه (الجزيرة)

الرأس ثم الجسد

ولم تسفر محاولات البحث عن جثمان الشهيد فؤاد باستخدام وسائل بدائية وعلى مدار شهرين متواصلين إلا عن العثور على عظام جمجمته، كما يقول شقيقه فارس للجزيرة نت. وتم التعرف عليها من حجمها وتجويفي العينين والأنف. فأقامت عائلته صلاة الجنازة على رأسه الذي تمكنت من انتشاله، ودفنته في قبر حُفر عليه اسمه.

لكن النار في قلوب ذويه لم تنطفئ، ولم يكلّوا عن اغتنام أي فرصة للبحث عن بقية جثمانه في مكان استشهاده، حتى أعاد الجيش الإسرائيلي احتلال شمال القطاع في عملية جديدة بدأها في مايو/أيار 2025، وانتهت مع توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول من العام ذاته.

بعد قرابة عامين، وفي 21 سبتمبر/أيلول الماضي، تمكن منقذون من الوصول إلى جثمان الشهيد فؤاد، بعد ساعات من الحفر المتواصل في مكان استشهاده الذي لم يعد يبعد سوى 200 متر عن الخط الأصفر. وحمل فارس ما تبقى من جثمان شقيقه وأعاد دفنه بعد الصلاة عليه، في القبر ذاته الذي سبقه إليه رأسه قبل 18 شهرا.

فارس شاكر يواري جثمان شقيقه فؤاد الثرى بعد انتشاله من تحت الأنقاض
فارس شاكر يواري جثمان شقيقه فؤاد الثرى بعد انتشاله من تحت الأنقاض (الجزيرة)

مهمة صعبة وخطرة

ويستعين ذوو الشهداء بشبان اتخذوا من البحث عن الجثامين المدفونة تحت الأنقاض مهمة لهم منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة. ومن أولئك المنقذين الشاب أدهم الرنتيسي.

إعلان

أمام ركام منزل مدمر في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، كان الرنتيسي (35 عاما) يستعد لبدء مهمة جديدة في البحث عن شهداء بطلب من ذويهم. بدأ مشوار الرنتيسي في البحث عن العالقين منذ عام 2009، عندما كانت تنهال الرمال فجأة على العمال في الأنفاق التجارية الواصلة بين مدينة رفح جنوب القطاع والأراضي المصرية.

منذ ذلك الحين، تشكلت نواة فريق مكون من 6 أفراد، سخروا وقتهم للبحث عن الجثامين العالقة تحت الركام مع توالي الحروب على غزة، رغم شح المعدات وبساطة الأدوات التي لا تكاد تكفي لمواجهة حجم الدمار.

يقول الرنتيسي للجزيرة نت إن عمله تركز في شمال قطاع غزة الذي حولته قوات الاحتلال إلى ركام، وكان يسابق مع رفاقه الموت على عدة جبهات بين خطر الاستهداف المباشر من طائرات وآليات الاحتلال ومحاذير انهيار الأسقف الآيلة للسقوط فوق رؤوسهم، فضلا عن السموم والمواد الكيميائية المنبعثة من بقايا الصواريخ، وهو ما يجعل أي خدش صغير يصيبهم بالتهابات شديدة.

ويشير إلى أن مهمة البحث عن الشهداء تستغرق أوقاتا متفاوتة حسب طبيعة المكان، فبعضها يقتصر على 3 أو 4 ساعات من الحفر والتمشيط. لكن بيوتا أخرى سُويت بالأرض وتحولت إلى مقابر جماعية تضم أحيانا 100 شهيد دفعة واحدة، تحتاج إلى نحو 5 أيام بلياليها دون نوم.

تدخل جراحي

وقد تمكن الرنتيسي وفريقه منذ بداية الحرب قبل 3 سنوات من انتشال 1952 شهيدا، ونجحوا في إخراج نحو 335 شخصا عادوا إلى الحياة بعد أن ابتلعتهم الأرض. ويرفض الرنتيسي الحديث عن أجر يتقاضاه ورفاقه مقابل استخراج الجثامين، مشددا على أنهم يقدمون خدمة للأهالي المكلومين، وما يحصلون عليه منهم يعد تكلفة رمزية لتأمين تنقلاتهم وإصلاح معداتهم المتهالكة.

ووسط مئات المشاهد القاسية، ثمة لحظات حُفرت في الذاكرة ولا يمكن أن تُمحى، يروي الرنتيسي مضيفا أنه وصلهم نداء استغاثة ذات ليلة عند الثالثة فجرا، بعد قصف طال محيط مفترق الصناعة بمدينة غزة، يفيد بوجود أحياء يصارعون الموت تحت الأنقاض.

ففي مثل تلك اللحظات، ينسى الرنتيسي ورفاقه الخوف، ويتحركون فورا، لأن إنقاذ روح واحدة يستحق المخاطرة بحياتهم كلها، على حد قوله.

أما الموقف الأشد وطأة على نفسه فكان حين استهدفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي عمارة التاج وسط مدينة غزة، وأدى ذلك إلى محو عائلات كاملة، وكان بعض الأشخاص لا يزالون على قيد الحياة. ويقول الرنتيسي: "مكثنا هناك قرابة 3 أيام في ظروف مرعبة، باغتتنا الطائرات بقصف المكان نفسه مرة أخرى ونحن نعمل في الداخل، حتى وجدت نفسي محاصرا، واضطررت لنبش طريقي للخروج بيدي دون معين".

ويضيف: "في عمق ذلك الظلام، وقع نظري على سيدة شهيدة، لكن بطنها كان ينبض، حينها اتخذت قراري، وأجريت تدخلا سريعا لإخراج الجنين من بطن أمه، وتمكنت من إخراج الطفل حيا يتنفس، وكأن الحياة تُولد مجددا من رحم الموت".

أمام نظرات الأمهات اللواتي ينتظرن على حافة الركام وهن يتساءلن: "هل ابني حي؟"، يندفع الرنتيسي وفريقه لمواصلة العمل ليلا ونهارا دون كلل ليطمئنوهن وينهوا الحيرة التي سيطرت على قلوبهن. ويصف الرنتيسي الضغط الذي تعرضوا له بما يفوق طاقة البشر، حينما كان القصف ينهال على البيوت المأهولة بجنون، ولكنهم في الوقت ذاته كانوا أمام مهمة وحيدة لإنقاذ من تبقى، وإكرام من ارتقى.

البحث اليدوي تحت الأنقاض بأدوات بدائية قد يستغرق أياما
البحث اليدوي تحت الأنقاض بأدوات بدائية قد يستغرق أياما (الجزيرة)

عوائق وتحديات

ولا يزال ملف انتشال جثامين الشهداء شاهدا على حرب الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، حيث تمكنت طواقم الدفاع المدني من انتشال قرابة ألف شهيد منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار قبل عام، في حين لا يزال 8 آلاف آخر تحت الأنقاض.

إعلان

ويقول المتحدث باسم الإدارة العامة للدفاع المدني في غزة، محمود بصل، إن عوائق وتحديات كثيرة تعترض استمرار عمليات انتشال جثامين الشهداء، وفي مقدمتها النقص الحاد في الآليات والمعدات المتخصصة ووسائل العمل اللازمة، مما ينعكس مباشرة على سرعة الإنجاز وقدرة الطواقم على الوصول إلى جثامين الشهداء.

وأكد بصل للجزيرة نت أن ملف انتشال جثامين الشهداء والمفقودين يمثل أولوية إنسانية ووطنية، وأن الطواقم تواصل العمل في ظروف ميدانية بالغة الصعوبة، انطلاقا من مسؤوليتها الإنسانية تجاه عائلات الشهداء وحقهم في معرفة مصير ذويهم ودفنهم بكرامة.

وشدد على أهمية توسيع دائرة الدعم والمساندة، واستقطاب جهات جديدة للمساهمة في هذا المشروع الإنساني، وتوفير الآليات والمعدات المناسبة لرفع كفاءة وسرعة عمليات الانتشال.

المصدر: الجزيرة

إعلان