الاحتلال يحرق ملفات الملكية.. مخاوف من نزاعات عقارية واسعة في غزة

لم تعد الحرب في غزة تهدم المنازل فحسب، بل تهدد أيضا الوثائق التي تثبت ملكية أصحابها لها، بعدما دفنت آلاف الأوراق والعقود تحت الأنقاض، فيما يقول رئيس سلطة الأراضي في لقطاع الدكتور زاهر كحيل إن ملفات ورقية تعرضت للحرق بصورة متعمدة، وهو ما يثير مخاوف من ضياع حقوق عقارية ونشوء نزاعات مستقبلية حول ملكية البيوت والأراضي.
في منطقة أبراج المخابرات شمال مدينة غزة، يقف أبو أحمد وسط ما تبقى من الحي الذي كان فيه منزله، محاولا استعادة ملامح المكان الذي اختفى تحت الركام. غادر الرجل منزله في الأيام الأولى للحرب، ولم يحمل معه سوى ملابسه، بعدما تعرضت المنطقة للقصف.
قصص مقترحة
list of 2 itemsويقول أبو أحمد إنه لم يتمكن من أخذ أمواله أو ملابسه أو أوراقه، وإن كل شيء احترق أو دُمر، قبل أن يجد نفسه أمام سؤال لم يكن يتخيل أنه سيضطر إلى طرحه يوما: أين هي ملكيته، وكيف يمكنه إثبات حقه في المكان الذي عاش فيه؟ فبالنسبة إليه، لم يعد التحدي يتمثل فقط في إعادة بناء المنزل، وإنما في إثبات أنه كان مالكه أصلا.
الحرب تطمس معالم الملكية
المشكلة لا تتوقف عند المنازل التي دمرت، إذ امتدت إلى الأراضي التي فقد أصحابها القدرة على الوصول إليها، خصوصا في المناطق التي أصبحت تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية. وبحسب تقرير الجزيرة، يسيطر الجيش الإسرائيلي على نحو 70 بالمئة من مساحة قطاع غزة، ما جعل الوصول إلى مساحات واسعة من الأراضي والممتلكات متعذرا على أصحابها.
ومن بين هؤلاء أم نضال، النازحة من شرق جباليا في شمال القطاع، التي لا تزال تستحضر علاقتها بأرضها التي زرعتها عائلتها واعتنت بأشجارها لسنوات. لكن الحرب دمرت الأرض وأشجارها، كما دفنت وثائق ملكيتها، لتجد نفسها أمام سؤال لا يقل صعوبة عن سؤال العودة نفسه: كيف يمكنها أن تثبت ملكيتها عندما لا تملك الوثائق التي تثبت ذلك؟
وتقول أم نضال إن أوراق ملكية منزلها وأرضها كانت موجودة في المكان قبل أن تحترق، متسائلة عمن سيصدق مستقبلا أن لديها منزلا من أربعة طوابق تعيش فيه مع أبنائها وأحفادها، إذا لم تعد هناك وثائق تثبت ذلك.
حرق الملفات.. اتهام بتعمد استهداف سجلات الملكية
في مقر سلطة الأراضي في غزة، يبرز جانب آخر من الأزمة يتعلق بمصير السجلات الرسمية التي يفترض أن تحفظ حقوق المواطنين وملكياتهم. ويقول رئيس سلطة الأراضي في غزة الدكتور زاهر كحيل إن المؤسسة عملت منذ بداية الحرب على أرشفة الملكيات إلكترونيا، بما يشمل الملكيات المسجلة في "الطابو" والمساحة وأملاك الحكومة والملكيات العامة والخاصة.
لكن كحيل يتهم الاحتلال الإسرائيلي بالسعي إلى القضاء على سجلات الملكية داخل القطاع، ويقول إن الهدف من ذلك، بحسب تقديره، هو إحداث بلبلة ونزاعات بين المواطنين. ويضيف أن "عملاء" أُرسلوا إلى سلطة الأراضي وقاموا بحرق الملفات الورقية.
ووفق رواية رئيس سلطة الأراضي، فإن الأمر لا يتعلق فقط بتدمير المباني والممتلكات، وإنما باستهداف المستندات التي تثبت أصحابها وحقوقهم، وهو ما قد يجعل عملية إعادة تنظيم الملكيات أكثر تعقيدا بعد انتهاء الحرب.
عندما يختفي البيت.. تختفي حدود الملكية
لم تكن وثائق الملكية وحدها هي التي تضررت؛ فالحرب غيرت أيضا ملامح المكان نفسه. منازل أزيلت بالكامل، وشوارع تغيرت معالمها، وأراض جرى تجريفها، فيما أصبح من الصعب أحيانا تحديد الحدود الأصلية بين العقارات.
ويرى المحامي محمد شتيوي أن تغيير معالم الجغرافيا ومسح المنازل السكنية سيؤديان بالتأكيد إلى نشوء نزاعات بين المواطنين حول ملكية المنازل، ولا سيما بشأن حدودها. ويشير إلى أن بعض الإشكالات بدأت تظهر تدريجيا، لكنه يتوقع أن تكون المشكلة الأكبر بعد انسحاب قوات الاحتلال من المناطق الشرقية وعودة السكان إلى مناطق سكناهم.
عندها، لن يعود السؤال فقط: من يملك هذا المنزل؟ بل قد يصبح السؤال: أين كانت حدود هذا المنزل؟ وأين تبدأ أرض هذا الشخص وتنتهي أرض جاره؟ ومن يملك العقار الذي اختفت معالمه بالكامل؟
وتفتح أزمة الوثائق بابا آخر يتعلق بالورثة. فقد يؤدي فقدان العقود والمستندات إلى تعقيد إثبات ملكية العقارات أمام الأبناء والأحفاد، خصوصا في الحالات التي لم تكن الملكيات فيها قد سجلت إلكترونيا أو عندما تكون الوثائق الأصلية هي المرجع الأساسي لإثبات الحق.
وقد تظهر نزاعات بين أفراد الأسرة الواحدة حول الإرث، أو بين ملاك متجاورين حول الحدود، أو بين أصحاب العقارات والجهات التي ستتولى إعادة الإعمار والتعويضات. وبذلك، فإن آثار فقدان الوثائق قد تمتد لسنوات طويلة بعد توقف العمليات العسكرية، حتى لو أعيد بناء المنازل والمدن.
الأرشفة الإلكترونية.. طوق نجاة للحقوق
في مواجهة هذا الخطر، تبدو الأرشفة الإلكترونية لسجلات الملكية أحد أهم عناصر حماية حقوق الفلسطينيين. ويقول رئيس سلطة الأراضي إن المؤسسة عملت منذ بداية الحرب على أرشفة الملكيات إلكترونيا، بما يتيح الاحتفاظ ببيانات العقارات حتى في حال فقدان الوثائق الورقية.
لكن حجم الدمار وطول الحرب وتغير المعالم الجغرافية يطرح تحديات كبيرة أمام عملية حصر الملكيات والتأكد من حدودها وأصحابها، خصوصا في المناطق التي لا يزال الوصول إليها متعذرا. وبالتالي، فإن الحفاظ على النسخ الرقمية من السجلات، وجمع ما تبقى من وثائق لدى المواطنين والمحامين والجهات الحكومية، قد يصبحان جزءا أساسيا من عملية ما بعد الحرب.
ولن تقتصر مشكلة فقدان الوثائق على إثبات الملكية، بل قد تمتد إلى ملف التعويضات وإعادة الإعمار. فأي عملية لإعادة بناء المنازل أو تعويض أصحاب الممتلكات المدمرة تحتاج إلى تحديد صاحب الحق في العقار. وفي ظل دمار واسع النطاق، سيكون من الضروري التحقق من ملكية كل منزل وأرض قبل تحديد المستفيدين من برامج التعويض أو إعادة البناء. وهنا تصبح الوثيقة أكثر من مجرد ورقة؛ فهي الدليل القانوني الذي يربط الإنسان بمكانه.
البيت يمكن أن يعاد بناؤه.. لكن كيف يستعاد الحق؟
في خيمة النزوح، لا تزال أم نضال تتحدث عن أرضها باعتبارها جزءا من حياتها وذاكرتها وهويتها، مؤكدة أنها لا تستطيع التخلي عنها لأنها وطنها. وفي الجانب الآخر، يقف أبو أحمد أمام أنقاض منزله، لا يبحث فقط عن جدران بيته، بل عن الدليل الذي يثبت أنه كان له بيت في هذا المكان.
ثلاث سنوات من الحرب قد تترك وراءها تحديات تتجاوز إعادة بناء ما تهدم من الحجر. فالبيوت يمكن إعادة بنائها، والطرق يمكن شقها من جديد، والأحياء يمكن أن تستعيد ملامحها، لكن فقدان وثائق الملكية يفتح معركة مختلفة: معركة إثبات الحق.
وإذا كانت الحرب قد دفنت آلاف العقود والأوراق تحت الركام، فإن ما يثير القلق الأكبر، وفق ما أورده التقرير عن حرق الملفات الورقية في سلطة الأراضي، هو أن يصبح الركام عائقا أمام استعادة الحقوق نفسها. فبعد توقف الحرب، قد يبدأ الفلسطينيون رحلة البحث عن منازلهم وأراضيهم، لكن بعضهم قد يجد نفسه مضطرا أولا إلى إثبات أنه كان يملكها.