محتوى مروج
المحتوى أدناه تم تمويله من قبل Human Appeal ولا يمثل رأي شبكة الجزيرة الإعلامية

غزة بعد ثلاثة أعوام: كلفة حربٍ لا تنتهي

ثلاثة أعوام مرّت منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023

فلسطيني وطفلان يتابعون جهود عناصر الدفاع المدني وهم يحاولون إنقاذ عالقين تحت أنقاض مبنى سكني - كان قد تضرر جراء غارة إسرائيلية سابقة خلال الحرب وانهار سبتمبر/ايلول الماضي في مدينة غزة
فلسطيني وطفلان يتابعون جهود عناصر الدفاع المدني وهم يحاولون إنقاذ عالقين تحت أنقاض مبنى سكني - كان قد تضرر جراء غارة إسرائيلية سابقة خلال الحرب وانهار سبتمبر/ايلول الماضي في مدينة غزة

ثلاثة أعوام مدة تكفي لطفل أن ينتقل بين ثلاثة صفوف دراسية، ولمولودٍ أن يتعلم المشي والكلام، ولأسرة أن تبني بيتاً من التفاصيل الصغيرة: مدرسة قريبة، وطريق مألوف إلى العمل، وجيران يعرف بعضهم بعضاً، ومائدة تجتمع حولها العائلة في آخر النهار.

لكن الأعوام الثلاثة مرّت في غزة على نحو آخر. كبر أطفال بين خيمة وأخرى، ووُلد أطفال لا يعرفون من البيت سوى ما يرويه أهلهم عنه، وتعاقبت فصول الصيف والشتاء على أسر خرجت من منازلها تحمل ما خفّ من المتاع، ظناً منها أن الغياب لن يطول. وبين نزوح ونزوح، ظل الناس يعيدون ترتيب ما بقي من حياتهم: مأوى لليلة، وماء للشرب، وطعام يسد الجوع، ودواء لمريض، ومكان يأمن فيه الأطفال بعض الوقت.

وبعد هذه الأعوام الثلاثة، لم تعد وطأة الحرب فيما أحدثته في أيامها الأولى وحدها، وإنما فيما راكمه استمرارها. فسوء التغذية يترك أثره في أجساد الأطفال، والانقطاع عن التعليم يبدد سنوات من أعمارهم، والإصابة قد تعقبها رحلة طويلة من العلاج والتأهيل، والخيمة التي نُصبت لأيام تعاقبت عليها الفصول. ففي غزة، صار الزمن نفسه جزءاً من الأزمة.

ما الذي تقوله أرقام العام الثالث؟

تكشف أرقام عام 2026 مقدار ما تراكم خلال هذه السنوات. ففي سبتمبر، كان 94% من سكان غزة في حاجة عاجلة إلى المأوى والمستلزمات المنزلية الأساسية، وفق بيانات الأمم المتحدة، فيما عاشت 65% من الأسر في خيام ومآوٍ مؤقتة. ومع اقتراب الشتاء، ما زال أكثر من 464 ألف شخص يقيمون في 451 موقع نزوح معرضاً بشدة للفيضانات.

وعلى مائدة الغزيين، أو ما بقي منها، تبدو الأزمة بصورة أخرى. ففي سبتمبر وحده، كان 92 مطبخاً إنسانياً يُعدُّ نحو 650 ألف وجبة يومياً وبوزعها على 967 موقعاً. وحصل أكثر من 730 ألف شخص على مساعدات غذائية عينية، ومع ذلك لم تكن الحصص المتاحة تكفي لتغطية سوى نحو نصف الحد الأدنى من احتياجات الأسرة من السعرات.

وقبل ذلك بأشهر، قدّر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أن أكثر من 1.2 مليون شخص، أي 59% من سكان القطاع، يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، مع توقع ارتفاع النسبة خلال النصف الثاني من العام.

وراء هذه النسب تفاصيل لا تظهر كاملةً في الجداول. فالأسرة التي تحصل على شيء من الطعام تحتاج إلى ماء لطهوه، ووقود لإشعال النار، وأوانٍ ومكان يصلح لإعداد الوجبة. وحين تفقد بيتها ومصدر دخلها وتتكرر مرات نزوحها، يصبح تدبير أبسط شؤون اليوم عبئاً قائماً بذاته.

أما الماء، فقد ظل واحداً من أشد أوجه الأزمة وطأةً. ففي مطلع سبتمبر، كانت 91% من الأسر التي شملتها التقييمات تعاني درجات متوسطة أو مرتفعة من انعدام الأمن المائي، فيما كشفت الفحوص في أغسطس تلوثاً ميكروبياً في 18% من عينات المياه التي جرى تحليلها.

وكل نقص في الماء يترك أثره في موضع آخر: في النظافة الشخصية، وغسل الثياب والأواني، والصرف الصحي، وصحة الأطفال، وانتشار الأمراض داخل مواقع النزوح المكتظة.

الفلسطيني النازح أكرم المناصرة وأطفاله يتوجهون لجلب المياه من نقطة توزيع وسط حالة من النقص، في مدينة غزة، 14 يوليو/تموز 2025. رويترز/ داوود أبو الكاس
نازح فلسطيني وأطفاله يتوجهون لجلب المياه من نقطة توزيع في مدينة غزة، يوليو/تموز 2025 (رويترز)

وفي القطاع الصحي، تتراكم تبعات السنوات السابقة أيضاً. نقص في الأدوية والمستلزمات، ومرضى بأمراض مزمنة يحتاجون إلى علاج منتظم، ونساء يحتجن إلى رعاية الحمل والولادة، ومصابون تبدأ حاجتهم إلى التأهيل بعد أن تنتهي جراحهم الأولى.

وخلال نحو ستة أسابيع فقط بين مطلع أغسطس ومنتصف سبتمبر 2026، سُجلت أكثر من 45 ألف حالة من القوباء، وهي عدوى جلدية بكتيرية تصيب الأطفال بصورة خاصة. رقم واحد يكشف مقدار ما يمكن أن يصنعه اجتماع الاكتظاظ وشح الماء وتردي شروط النظافة في مكان واحد.

هذه الأزمات لا تسير في خطوط متوازية. إنها تتشابك في حياة الإنسان نفسه؛ فالأسرة النازحة قد تعاني شح الغذاء والماء معاً، ويصاب طفلها بالمرض، ويتعطل عن التعليم، ثم يأتي الشتاء ليضيف إلى ما سبق حاجةً إلى مأوى أصلب وغطاء أدفأ.

جيلٌ يقيس عمرَه بالحرب

للأطفال حساب آخر للسنوات الثلاث. مَن كان في السادسة في أكتوبر 2023 يقترب اليوم من التاسعة. ومن وُلد في الأسابيع الأولى للحرب بلغ عامه الثالث. وبين هذين العمرين تقع سنوات حاسمة من التعلم والنمو واللغة واللعب والذاكرة الأولى.

وفي سبتمبر 2026، بدأ عام دراسي جديد في قطاع ما تزال فيه المدرسة نفسها جزءاً من الأزمة. وكانت الاستعدادات تشمل 359 مساحة تعليم مؤقتة، إلى جانب أعمال لإزالة الركام وتأهيل بعض الفصول والمدارس كي تستقبل التلاميذ من جديد.

وقد أمضى كثير من الأطفال هذه السنوات متنقلين بين أماكن النزوح، أو يتعلمون في خيمة أو مساحة مؤقتة حين تتاح لهم. وفي مثل هذا الواقع، تصبح المدرسة أكثر من مكان لتلقي الدروس؛ فهي ساعات منتظمة في يوم مضطرب، ومعلم ورفاق ودفتر وموعد معروف للعودة في الغد.

طلاب يحضرون اليوم الأول من العام الدراسي داخل خيمة في إحدى مدارس مدينة خان يونس جنوب القطاع
طلاب يحضرون اليوم الأول من العام الدراسي داخل خيمة في إحدى مدارس مدينة خان يونس جنوب القطاع (رويترز)

وبالقرب من هؤلاء، أطفال يحملون أعباءً أخرى تركتها الحرب: فقد أحد الوالدين أو كليهما، إصابة أو إعاقة، سوء تغذية، أو آثار نفسية لسنوات عاشوها تحت الخوف والنزوح والفقد.

الخيمة التي طال بها المقام

الخيمة أيضاً لها عمر. تتعرض للشمس والريح والمطر، تبلى أقمشتها، وتضعف قدرتها على رد الحر والبرد، بينما تحتاج الأسرة داخلها إلى الماء والصرف الصحي والإنارة والخصوصية ومكان آمن للأطفال.

وفي سبتمبر 2026، كانت 65% من الأسر في غزة ما تزال تقيم في الخيام والمآوي المؤقتة، فيما أحصت الأمم المتحدة مئات مواقع النزوح المعرضة لخطر الفيضانات.

وفي زيارات ميدانية إلى مواقع في خان يونس ورفح وشمال غزة، سجلت الفرق الإنسانية حاجات متداخلة: خياماً بالية، ومرافق للمياه والصرف الصحي، وغذاء للأطفال، ورعاية صحية، وإنارة، وتعليماً، ومساعدةً للأشخاص ذوي الإعاقة.

بعد ثلاثة أعوام، تكشف هذه القوائم شيئاً أساسياً: الخيمة وحدها لا تحل مشكلة النزوح. فهي تمنح الأسرة ستراً مؤقتاً، فيما تحتاج الحياة حولها إلى منظومة كاملة كي تصبح محتملة.

ومن هنا يطل السؤال الأصعب، ذلك الذي يتجاوز الإغاثة العاجلة إلى ما بعدها: ماذا يحدث حين تطول الإقامة المؤقتة، ويصبح إصلاح البيت أو إيجاد مسكن أصلب جزءاً من الحاجة الإنسانية نفسها؟

الطالبة الفلسطينية النازحة سمر أبو سلمي (15 عاماً) تغسل الملابس في مخيم للنازحين بخان يونس، جنوب قطاع غزة.
الطالبة الفلسطينية النازحة سمر أبو سلمي (15 عاماً) تغسل الملابس في مخيم للنازحين بخان يونس، جنوب قطاع غزة. (رويترز)

الإغاثة التي كبرت مع الأزمة

هذه التحولات تظهر أيضاً عند النظر إلى مسار المؤسسات التي عملت في غزة طوال الأعوام الثلاثة. ومن الأمثلة على ذلك هيومان أبيل، التي تعمل في فلسطين منذ عام 1991. كان فريقها في غزة يضم 11 موظفاً عند اندلاع الحرب؛ واليوم يضم نحو 70 موظفاً محلياً. واللافت في أرقام عملها خلال هذه الفترة ليس حجمها وحده، وإنما الكيفية التي تغيرت بها مع طول الأزمة.

ففي بداية برنامج الوجبات الساخنة، كان الهدف الوصول إلى مليون وجبة. ثم تجاوز العدد مليوناً، وخمسة ملايين، وعشرة ملايين، حتى بلغ أكثر من 13.1 مليون وجبة ساخنة، فيما تستهدف المنظمة الوصول إلى 15 مليوناً قبل نهاية 2026.

وإلى جانب ذلك، توزعت مساعداتها الغذائية بين أكثر من 237 ألف ربطة خبز، و39 ألف كيس دقيق، وما يزيد على 10 آلاف طرد غذائي وغيرها من الاحتياجات.

وفي ملف المياه، تجاوز ما أوصلته إلى السكان 202 مليون لتر خلال الأعوام الثلاثة. ومع استمرار الأزمة، أخذ العمل يتجه أيضاً إلى وحدات التحلية ومصادر المياه التي يمكن أن تخدم الناس بصورة منتظمة.

وتكررت الفكرة نفسها في مجالات أخرى. الرعاية الطبية التي بدأت بالحاجة العاجلة إلى علاج المرضى والمصابين اتسعت حتى أصبحت 8 عيادات متنقلة تعمل في أنحاء القطاع، ثم امتدت إلى ما يحتاجه بعض المصابين بعد العلاج الأول؛ ففي عام 2025، حصل 280 مصاباً على أطراف صناعية.

الطبيب الفلسطيني أحمد باسل يفحص طفلاً للكشف عن سوء التغذية في مستشفى الرنتيسي بمدينة غزة
الطبيب الفلسطيني أحمد باسل يفحص طفلاً للكشف عن سوء التغذية في مستشفى الرنتيسي بمدينة غزة (رويترز)

وفي التعليم، بدأت مدارس الطوارئ بعشر مدارس و750 طفلاً، ثم أصبحت 32 مدرسة متنقلة تخدم 2,400 طفل، إلى جانب أنشطة الدعم النفسي والاجتماعي. وفي رعاية الأيتام، شملت برامج الكفالة والرعاية أكثر من 25 ألف طفل منذ أكتوبر 2023.

أما المأوى، فبدأ بالخيام والبطانيات والفُرش ومستلزمات الشتاء وإصلاح أماكن الإقامة، وتجاوز مجموع ما قُدم في هذا الجانب 70 ألف مادة ومساعدة للإيواء. ثم ظهرت الحاجة إلى وحدات سكنية أكثر ملاءمةً للإقامة، وإلى إصلاح المنازل والمرافق حيث تسمح الظروف.

عند جمع هذه الخيوط، تبدو السنوات الثلاث في أرقام المنظمة كمسار واحد: حاجة عاجلة بدأت في 2023، ثم كبرت وتشعبت كلما طال أمد الحرب. وتقول هيومان أبيل إن مجموع تدخلاتها منذ أكتوبر 2023 بلغ 24,046,325 حالة وصول للمساعدات في مجالات الغذاء والماء والصحة والتعليم والمأوى وغيرها.

هذا الرقم يحتاج إلى قراءته على وجهه الصحيح؛ فهو لا يعني 24 مليون شخص مختلف، وإنما مرات وصول المساعدة إلى الأفراد والأسر عبر مشروعات متعددة. وقد تتلقى الأسرة نفسها ماءً وغذاءً ومساعدةً في الشتاء، أو يحتاج طفل منها إلى التعليم والكفالة، فيما يحتاج مصاب فيها إلى العلاج والتأهيل.

وهذه الطبيعة المتكررة للمساعدة تقول الكثير عن الأزمة نفسها. فبعد ثلاثة أعوام، لم يعد ممكناً النظر إلى حاجات الناس بوصفها حوادث منفصلة؛ إنها حياة كاملة تحتاج إلى أكثر من باب من أبواب العون.

وماذا بعد؟

بعد ثلاثة أعوام، ما زالت غزة تحتاج إلى ما احتاجت إليه في الأيام الأولى: الطعام والماء والدواء والمأوى. لكن السنوات التي مرّت خلّفت وراءها احتياجات أخرى لا تعالجها الإغاثة العاجلة وحدها. فهناك مصابون ينتظرون التأهيل والأطراف الصناعية، وأطفال يحتاجون إلى استدراك ما فاتهم من التعليم، وأسر طال مقامها في الخيام، ومرافق وخدمات لا بد من إصلاحها كي تستقيم بها حياة الناس.

وهكذا بات العمل الإنساني يسير في مسارين متلازمين: إغاثة يومية لا تحتمل التأجيل، وعمل يمتد إلى ما بعد الحاجة الآنية. ومن هنا بدأت مشروعات تحلية المياه، والتأهيل والأطراف الصناعية، والوحدات السكنية، وإصلاح المنازل والمدارس والمرافق، تأخذُ مكاناً إلى جانب الوجبات الساخنة وصهاريج المياه والعيادات والخيام.

فلسطينيون يجمعون المياه وسط شحّها في نقطة توزيع بدير البلح وسط قطاع غزة.
فلسطينيون يجمعون المياه وسط شحّها في نقطة توزيع بدير البلح وسط قطاع غزة. (رويترز)

وحجم ما تراكم خلال ثلاثة أعوام يتجاوز بطبيعته قدرة مؤسسة واحدة، كما يتجاوز حدود الإغاثة بمعناها التقليدي. فغزة تحتاج اليوم إلى من يعين أهلها على شؤون يومهم الضرورية، وإلى عمل طويل يعيد شيئاً فشيئاً ما فقدته الحياة من أسباب الاستقرار.

ومع ذلك، يبقى الحاضر شديد الإلحاح. فحتى الأسابيع الأخيرة من العام الثالث، كانت المطابخ الإنسانية تعد مئات آلاف الوجبات كل يوم، ومئات آلاف الناس يعيشون في الخيام، والمياه تُنقل إلى مواقع النزوح، والمرضى يقصدون العيادات، والأطفال يدخلون عاماً دراسياً جديداً في مساحات مؤقتة.

وهنا تظهر إحدى أقسى مفارقات السنوات الثلاث: أن الزمن مضى، فيما بقي كثير مما وُصف في أيام الحرب الأولى بأنه "طارئ" جزءاً من يوم الناس حتى الآن.

والأرقام، مهما كبرت، لا تستطيع أن تحمل الصورة كلها. فالناس لا يعيشون ثلاثة أعوام دفعةً واحدة، ولا يعيشونها بالملايين التي تظهر في التقارير. يعيشونها يوماً بعد يوم: في وجبة تجدها أسرة، وماء يصل إلى خيمة، ودواء يحصل عليه مريض، ودرس يحضره طفل، وطرف صناعي يتعلم به مصاب أن يخطو مرةً أخرى.

ثلاثة أعوام مرّت على غزة. ومع دخول عام رابع، يبقى السؤال معلّقاً بين حاجتين لا تنفصل إحداهما عن الأخرى: كيف يستمر الناس اليوم، وكيف يستعيدون غداً حياةً يمكن أن تستمر؟