جرائم الحرب في غزة تفتح باب الملاحقة الدولية لجنود إسرائيليين

لم يكن الجندي الإسرائيلي يوفال فاغداني يتوقع أن تتحول إجازته في البرازيل إلى مطاردة قانونية، بعدما غادر قطاع غزة إثر مشاركته في الحرب هناك.
ففي يناير/كانون الثاني 2025، وصل فاغداني إلى البرازيل لقضاء إجازة، قبل أن يجد نفسه مضطرا إلى مغادرة البلاد على متن أول طائرة، عقب صدور أمر من محكمة فدرالية بفتح تحقيق بحقه وتوقيفه، استنادا إلى شكوى جنائية قدمتها مؤسسة "هند رجب" البلجيكية، اتهمته فيها بارتكاب جرائم حرب.
قصص مقترحة
list of 2 itemsلم تكن قضية هذا الجندي حالة معزولة، بل جاءت ضمن مسار متصاعد لملاحقة جنود إسرائيليين خارج إسرائيل، مستفيدا من قوانين الولاية القضائية العالمية التي تتيح لبعض الدول التحقيق في جرائم دولية خطيرة، حتى عندما تكون قد ارتُكبت خارج أراضيها.
وعلى مدى عقود، اعتمدت إسرائيل على منظومتها القضائية والعسكرية الداخلية بوصفها خط الدفاع الأول عن جنودها وضباطها في مواجهة الاتهامات بارتكاب انتهاكات خلال العمليات العسكرية. وبحسب تقرير للجزيرة، كانت التحقيقات الداخلية الإسرائيلية تنتهي في حالات عديدة إلى إغلاق الملفات أو التعامل مع الوقائع بوصفها أخطاء عملياتية أو مخالفات تأديبية.
لكن اتساع نطاق التوثيق خلال الحرب على غزة، وكثرة الصور والمقاطع التي نشرها جنود إسرائيليون بأنفسهم، جعلا هذا النمط من المساءلة الداخلية يواجه اختبارا متزايدا. ويشير التقرير إلى التناقض بين فتح إسرائيل تحقيقا جنائيا في قضية الطفلة الفلسطينية هند رجب تحت ضغط قانوني دولي، وإغلاقها في اليوم نفسه ملف مقتل عمال منظمة "المطبخ المركزي العالمي"، بوصف الواقعة ناجمة عن "أخطاء في تحديد الهوية".
وبالتوازي مع ذلك، برزت دعوات إلى تفعيل الولاية القضائية العالمية لملاحقة أفراد بعينهم خارج إسرائيل، بوصفها مسارا يمكن أن يتجاوز آليات التحقيق المحلية.
الجنود يوثقون الأدلة ضد أنفسهم
لم تبدأ بعض قضايا الملاحقة في الخارج من تحقيقات استخبارية معقدة، بل من منشورات وصور نشرها جنود إسرائيليون خلال خدمتهم في غزة أو بعدها. فصور الجنود ومقاطع الفيديو التي تُظهر وجودهم في مواقع محددة داخل القطاع، أو مشاركتهم في عمليات عسكرية، أصبحت في بعض الحالات مدخلا لتحديد هوياتهم وتوثيق وجودهم في غزة.
ومع تزايد هذه الملفات، حذر الجيش الإسرائيلي جنوده من نشر صور أو معلومات قد تكشف هوياتهم أو أماكن وجودهم، خشية تعرضهم لإجراءات قانونية عند سفرهم إلى الخارج. وفي الحالة التشيلية، كشف أحد منشورات الجندي روم كوفتون على وسائل التواصل الاجتماعي وجوده في تشيلي خلال إجازة في فبراير/شباط 2026، لتستخدم مؤسسة "هند رجب" تلك المعلومات في تقديم شكوى ضده.
وهكذا، بحسب التقرير، يمكن أن يتشكل ملف الملاحقة من سلسلة معلومات مترابطة: منشور يحدد هوية الجندي، ومواد تثبت خدمته في غزة، ثم معلومات تحدد وجوده خارج إسرائيل، وصولا إلى تقديم شكوى إلى سلطات الدولة التي يوجد فيها.
بلجيكا.. من الشكوى إلى الاستجواب
في عام 2025، انتقل هذا المسار إلى بلجيكا، حيث كان جنديان إسرائيليان موجودين في البلاد لحضور مهرجان "تمورولاند"، وتقدمت مؤسسة "هند رجب" وشبكة العمل القانوني العالمي بشكاوى تتعلق بانتهاكات للقانون الدولي الإنساني في غزة.
لكن السلطات البلجيكية لم تكتف بتسجيل الشكاوى، إذ طلب الادعاء الفدرالي من الشرطة تحديد الرجلين واستجوابهما بشأن الادعاءات الواردة في الملفات. وبعد الاستجواب، سمحت السلطات لهما بمغادرة البلاد، ولم تتحول القضية إلى اتهام أو محاكمة داخل بلجيكا.
لكن الادعاء الفدرالي البلجيكي قرر إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، موضحا أن المحكمة تُجري -أصلا- تحقيقا بشأن الوضع في الأراضي الفلسطينية، وأن الإحالة جاءت في إطار الالتزامات الدولية لبلجيكا. وتكشف هذه الحالة أن تقديم الشكوى لا يعني بالضرورة الوصول إلى محاكمة، إذ تمر القضية بسلسلة من الاختبارات القانونية المتعلقة بالاختصاص والأدلة ووجود المشتبه فيه.
البرازيل.. وجود المتهم يصنع الفارق
في البرازيل، ظهر عامل وجود المشتبه فيه على الأراضي الوطنية بصورة أكثر وضوحا. فبعد وصول شكوى ضد الجندي يوفال فاغداني، أصدرت محكمة فدرالية أمرا بفتح تحقيق وتوقيفه، لكنه غادر البلاد سريعا، مما دفع الشرطة الفدرالية لاحقا إلى طلب إعادة النظر في فتح التحقيق، مستندة إلى أن المشتبه فيه لم يعد داخل الأراضي البرازيلية.
وتُبرز هذه القضية أحد أهم التحديات التي تواجه ملاحقة الجرائم الدولية خارج الدولة التي وقعت فيها؛ إمكانية تحرك المشتبه فيه ومغادرته الدولة قبل استكمال الإجراءات.
وفي هولندا، واجهت الشكاوى المقدمة ضد جنود إسرائيليين شروطا قانونية مرتبطة بالاختصاص القضائي. فالولاية القضائية العالمية في القانون الهولندي ليست مفتوحة بلا قيود، إذ يمكن للشرطة والنيابة التحقيق في الجرائم الدولية في حالات محددة، من بينها وجود المشتبه فيه في هولندا، أو حمله الجنسية الهولندية، أو كون الجريمة قد ارتُكبت بحق ضحية هولندية.
ومن ثم، فإن تقديم شكوى لا يضمن تلقائيا فتح تحقيق، إذ يتعين أولا أن تتوافر الشروط التي تمنح السلطات القضائية صلاحية النظر في القضية.
اليونان.. رفض شكوى وطعن أمام القضاء
وفي اليونان، وصل المسار إلى مرحلة مختلفة. ففي سبتمبر/أيلول الماضي، رفض المدعي العام في أثينا شكوى ضد الجندي الإسرائيلي أوران روبين، الذي كان يقضي إجازة في اليونان، مشيرا إلى أن القضاء اليوناني لا يملك الاختصاص القانوني للنظر في القضية.
لكن مؤسسة "هند رجب" طعنت في القرار أمام محكمة الاستئناف، موضحة أن القانون اليوناني والالتزامات الدولية لليونان يوفران أساسا قانونيا للنظر في الجرائم المنسوبة إلى الجندي. وهكذا، لم يعد السؤال في بعض الدول متعلقا بوجود أدلة أو هوية المشتبه فيه فقط، بل أصبح الاختصاص القضائي نفسه جزءا أساسيا من المعركة القانونية.
وتكشف مراجعة الملفات التي قدمتها مؤسسة "هند رجب" عن اتساع نطاق هذا المسار. فالمؤسسة قدمت شكاوى ضد 86 شخصا في 30 دولة، وفق ما أورده التقرير. لكن 11 شكوى فقط أدت إلى إجراء جوهري من سلطات الدولة، مثل فتح تحقيق أو استجواب مشتبه فيه، أي نحو 13% من إجمالي الملفات.
أما الحصيلة القضائية فكانت أكثر محدودية؛ إذ لم تؤد هذه الشكاوى -حتى أغسطس/آب 2026- إلى توجيه لائحة اتهام أو إجراء محاكمة أو صدور إدانة بحق أي جندي إسرائيلي في دولة أجنبية، وفق التقرير.
وقد أصبح ممكنا في بعض الحالات تحديد جنود، وتقديم شكاوى ضدهم، وفتح تحقيقات واستجوابهم، لكن ذلك لم يتحول حتى الآن إلى إدانات قضائية في الملفات التي تناولها التقرير.
هل أصبحت حرية السفر مصدر قلق؟
ورغم محدودية النتائج القضائية حتى الآن، فإن أثر هذه الملفات لا يقاس فقط بما يحدث داخل قاعات المحاكم. فالجندي الإسرائيلي الذي كان يستطيع السفر إلى الخارج بعد انتهاء خدمته العسكرية في غزة، أصبح أمام احتمال أن تتحول صور نشرها على مواقع التواصل أو معلومات عن مشاركته في الحرب إلى مادة تُستخدم في شكوى قانونية ضده.
وبذلك، باتت بعض الرحلات الخارجية تحمل احتمال مواجهة إجراءات قانونية، بحسب الدولة التي يقصدها وشروط الاختصاص فيها. ويشير هذا المسار إلى تغير في طبيعة المخاطر التي يواجهها الجنود الإسرائيليون بعد مشاركتهم في الحرب؛ فالمساءلة لم تعد محصورة في المؤسسات الإسرائيلية، بل يمكن أن تنتقل إلى دول أخرى إذا توافرت شروط الاختصاص القضائي.