دولة بالغرب ودولة بالشرق!.. هل أصبح تقسيم ليبيا أمرا واقعا؟

ربما يذكر العديد من الليبيين إلى اليوم قصة "قوس المرمر"، أو "قوس فيلاني"، النصب التذكاري الذي صممه المعماري الإيطالي الشهير "فلورينستانو دي فاوستو،" بطلب من حاكم ليبيا الإيطالي المارشال "إيتالو بالبو" عام 1937، ووضعه الإيطاليون كعلامة على الحدود الفاصلة بين إقليمي طرابلس في الغرب وبرقة في الشرق (كان كلا الإقليميين خاضعا لسلطة الحاكم الإيطالي)، قبل أن يتم هدم النصب لاحقا وتفجيره بالديناميت عام 1973 على يد العقيد معمر القذافي، الذي اعتبر النصب أحد مخلفات الاستعمار الإيطالي، وإرثا من الموروثات التي كرست الفرقة بين الليبيين في الشرق والغرب.

 

ورغم مرور قرابة 5 عقود على هدم النصب، وأكثر من 7 عقود على استقلال ليبيا الموحدة وكتابة أول دستور للبلاد عام 1951، لا تزال الأفواه تتهامس بتفاصيل الأسطورة الشهيرة للأخوين فيلاني التي تعود جذورها إلى القرن الثالث الميلادي، كإشارة إلى عمق الانقسام التاريخي بين الشرق والغرب الذي يفرض نفسه مجددا على ليبيا اليوم، وكما تحكي الأسطورة، فإن نزاعا وقع بين الإغريق الذين احتلوا إقليم برقة والجزء الشرقي من السواحل الليبية حيث أسسوا عاصمتهم المعروفة باسم قيرينا "مدينة شحات اليوم"، وبين القرطاجيين الذين حكموا الغرب الليبي بما في ذلك طرابلس، حول الحدود الفاصلة بينهما، وفي حين أن المنطقة الممتدة بين قرطاج "في تونس اليوم" وبين قيرينا كانت عبارة عن صحاري رملية تفتقر إلى أي تضاريس جغرافية تصلح لتكون علامة بين الكيانين المتنافسين، فقد اتفق الطرفان على طريقة جديدة وغير مسبوقة لرسم الحدود بينهما.

قوس فيلاني (مواقع التواصل الاجتماعي)قوس فيلاني

وكما تشير المراجع التاريخية، تواطأ الإغريق والقرطاجيون على أن ينطلق العداؤون من كلا المدينتين في يوم محدد، على أن يكون مكان الالتقاء بينهما هو الحد الفاصل بين المنطقتين، وقد اختار القرطاجيون الأخوين فيلاني لتمثيلهم في هذا السباق، ويبدو أنهما كانا أسرع بكثير من ممثلي قيرينا، الأمر الذي مكنهما من قطع مسافة أكبر بكثير من منافسيهما، ولكن الإغريق سارعوا إلى اتهام القرطاجيين بالغش وزعموا أن عدائيهم قد بدؤوا الرحلة قبل موعدها، واشترطوا لقبول نتيجة المسابقة أن يتم دفن الأخوين الفائزين حيين في المنطقة التي بلغوها، أو أن يتم السماح لعدائي قيرينا بالتقدم إلى نقطة أخرى يتم تحديدها في الغرب، على أن يدفنا عندها حيين أيضا، فلم يكن من الأخوين فيلاني إلا أن قبلا على الفور أن يدفنا من أجل بلديهما، ليقيم القرطاجيون عند هذه البقعة نصبا لتخليد ذكرى الأخوين، وهو النصب الذين أعاد الإيطاليون بناءه قبيل الحرب العالمية الثانية.

 

تذكر هذه الأسطورة الليبيين دوما بأشباح الانقسام الذي طالما فرض نفسه على البلاد بوصفه نبوءة ذاتية التحقق، فرغم أن المجتمع الليبي يظل مجتمعا متجانسا من حيث الدين والمذهب مع تناغم عرقي تاريخي بين الأمازيغ والعرب، فإن أقاليم ليبيا التي نعرفها اليوم في الشرق والغرب والجنوب فشلت في الاندماج معا تحت سلطة سياسية موحدة على  مدار الجزء الأكبر من تاريخ البلاد، وللمفارقة التي لا تخلو من دلالة، كان الاستعمار الإيطالي، الذي انتزع السيادة على أراضي ليبيا من الدولة العثمانية عام 1912، هو من وحد برقة وطرابلس وفزان فعليا في دولة واحدة نهاية العشرينيات مستغلا الانقسامات بين الليبيين لدحر القبائل المتمردة على سلطته والسيطرة على الأراضي وتوحيد المستعمرات تحت سلطته السياسية والعسكرية، لتكتسب مدينة سرت منذ ذلك الحين أهمية استراتيجية متزايدة بوصفها نقطة الالتقاء، والحد الفاصل الجديد، بين الشرق والغرب.

 

ومع حصول ليبيا على استقلالها نهاية الأربعينيات، ساعد الإرث المشترك لمقاومة الاستعمار الأسرة السنوسية الحاكمة على الحفاظ على الوحدة بين أقاليم ليبيا، ولكن إرث الانقسام القديم ظل حاضرا في النظام الاتحادي الملكي الذي حكمت بموجبه البلاد، وكذلك في اختيار المملكة الجديدة لعاصمتين سياسيتين هما بني غازي في الشرق (برقة) وطرابلس في الغرب، ولاحقا في أعقاب استيلاء القذافي على السلطة عام 1969، ساعدت الخلفية العسكرية العلمانية للعقيد، وانحداره من مدينة سرت، نقطة الالتقاء المتفق عليها بين الشرق والغرب، على تيسير قبوله من قبل مختلف القبائل في شطري البلاد، وعلى الرغم من القذافي صعد إلى السلطة منتقدا السلطة القبلية باعتبارها أحد مظاهر الحكم الرجعي، إلا أن اضطر في النهاية للاعتماد على التحالفات القبلية لإعطاء حكمه العمق الاجتماعي والسياسي اللازمين، بعد أن أدرك استحالة حكم ليبيا دون إشراك القبائل، ودون النظر بعين الاعتبار للمنافسات التاريخية بين الشرق والغرب.

خلال سنوات حكم القذافي الطويلة، تغيرت الطبيعة السياسية لليبيا بشكل ملحوظ، وذوي نفوذ القبائل خاصة في العاصمة طرابلس والشطر الغربي لصالح الطبقة السياسية الجديدة من قادة الجيش والأجهزة الأمنية الذي اعتمد عليها القذافي لمواجهة محاولات الانقلاب على حكمه التي جاء معظمها من الشرق، ونتيجة لذلك، لم يكن من المستغرب أنه حين اندلعت شرارة الثورة الليبية ضد القذافي عام 2011، حاول الزعيم الليبي التحصن في العاصمة طرابلس والمناطق الغربية في مواجهة التمرد المشتعل في الشرق، قبل أن يقرر حلف الناتو التدخل والإطاحة بالقذافي، لتدشن الثورة السورية منذ ذلك الحين فصلا جديدا من فصول الانقسام التاريخي الليبي بين الشرق والغرب.

 

كان سقوط نظام القذافي، هو الاختبار الأكثر جدية لمدى استدامة الوحدة بين شطري ليبيا، وفيما يبدو، فإن هذا الاختبار لم يلبث أن فرض نفسه على الأجندة السياسية في البلاد بعد أشهر قليلة من مقتل القذافي في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2011، ففي الوقت الذي كانت تجري فيه الاستعدادات على قدم وساق لانتخاب الجمعية التأسيسية المكلفة بكتابة الدستور الليبي الجديد، تجمعت مئات الشخصيات القبلية والسياسية والعسكرية في بنغازي وطالبوا بإنشاء حكم اتحادي في ليبيا على غرار دستور عام 1951 الذي قسمت ليبيا بموجبه إلى ثلاثة أقاليم اتحادية هي برقة في الشرق وطرابلس في الغرب وفزان في الجنوب.

 

واجهت مطالب الفيدراليين انتقادات واسعة من قبل القوى الثورية الأيديولوجية التي تولت السلطة في طرابلس عقب رحيل القذافي وعلى رأسها المجلس الوطني الانتقالي ورئيسه مصطفى عبد الجليل الذي اتهم الفيدراليين بالسعي إلى تقسيم البلاد، وردا على ذلك قام الفيدراليون بمقاطعة العملية السياسية وسحبوا اعترافهم بالحكومة المركزية ودعوا لمقاطعة المؤتمر الوطني العام، ومع تقدم الوقت في المرحلة الانتقالية كانت الهوة بين الشرق والغرب تزداد اتساعا بشكل ملحوظ، بعدما رأت القوى القبلية التقليدية في الشرق أنه جرى حرمانها من نفوذها التقليدي في النظام الجديد لصالح القوى الثورية الجديدة وفي مقدمتها تيارات الإسلام السياسي، عبر قوانين العزل السياسي المثيرة للجدل، بدعوى ارتباطها بالنظام القديم.

لمظاهرة ضد الفدرالية الأيام الماضية ببنغازي ،والتعليق على إحدى الصور التي تكون رئيسية كالتالي: رغم مظاهر الرفض دعاة الفدرالية مازالوا يدافعون عن توجهاتهم ( الجزيرة نت- أرشيف).

 

اتسعت هذه الهوة الجديدة بين شطري ليبيا مع تزايد حدة العنف في بنغازي، وإطلاق الجماعات المسلحة والثورية حملة اغتيالات ضد قادة أجهزة الأمن والرموز الموالية لنظام القذافي، وهو ما جعل الكثير من القبائل تغير نظرتها إلى الثورة من كونها انتفاضة تصحيح سياسي إلى اعتبارها "عملا انتقاميا من النخبة المتحضرة في الغرب ضد القطاعات القبلية في المجتمع"، وفي المقابل، باتت القوى الثورية الأيديولوجية في المناطق الحضرية تنظر إلى القبائل على أنها "قوى معادية للتغيير"، وكانت النتيجة النهائية لسوء الفهم المتبادل هذا هي أن القبائل -في الشرق على وجه الخصوص- قررت حشد قوتها السياسية والعسكرية عازمة على الدفاع عن وضعها داخل النظام السياسي الجديد، حتى ولو تطلب الأمر منها استخدام القوة.

 

تحت العناوين العريضة لهذا الانقسام الجديد، جرت انتخابات مجلس النواب لعام 2014 التي تسبب في أكبر تصدع شهدته البلاد منذ توحيدها، فمع رفض الإسلاميين والقوى الثورية الجديدة في طرابلس لنتائج الانتخابات التي أظهرت تقدم القوى القبلية التقليدية والمرتبطين بالنظام القديم على حساب الإسلاميين والقوى الأيديولوجية، وإصدار المحكمة الدستورية في طرابلس أمرا بحل مجلس النواب الجديد، فقد جرى تقسيم ليبيا في نهاية المطاف بشكل شبه رسمي بين حكومتين، واحدة في الشرق تعمل من طبرق، مقر مجلس النواب الجديد، وواحدة في العاصمة طرابلس.

 

بالتزامن مع ذلك، كان اسم الجنرال خليفة حفتر قد بدأ يجري تداوله في شرق ليبيا كبديل محتمل لاستعادة توازنات السلطة القديمة المتعارف عليها منذ زمان القذافي، وكان حليف القذافي الأسبق، الذي انقلب عليه وحكم عليه بالإعدام غيابيا ليقضى عقدين من عمره في المنفى في الولايات المتحدة، يسعى بدوره للعب دور أكبر في حكم ليبيا الجديدة، وهو ما أدى في النهاية إلى ظهور تحالف مصالح جديد بين حفتر من ناحية وبين القبائل الشرقية الليبية من ناحية أخرى، تحالف تبلور وتحددت ملامحه بشكل واضح مع تدشين حفتر لما يعرف بـ"عملية الكرامة" بهدف توحيد ليبيا تحت سلطته وهزيمة ما أسماها بـ"الميليشيات الإسلامية" الموالية للحكومة المدعومة من المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته في غرب ليبيا.

للقصة بقية - حفتر.. جنرال الانقلاباتاللواء المتقاعد خليفة حفتر

هرعت القبائل للانضمام إلى صفوف عملية الكرامة، وشكل المجندون من قبيلة العواقير الكبيرة على وجه التحديد النسبة الأكبر من المجندين الأوائل في جيش حفتر الذي أطلق عليه اسم "الجيش الوطني الليبي"، حيث شكلوا ألوية خاصة بهم وتولوا أدورا قيادية، ولاحقا بدأت القبائل في المدن الشرقية الأخرى مثل البراعصة والعبيدات في الانضمام إلى الآلة العسكرية لحفتر خلال معارك بنغازي التي هدفت لطرد المعارضين الإسلاميين من المدينة في عام 2014، فبالنسبة إلى الكثير من القبائل، كان دعم حفتر هو الطريقة المثلى التي يمكن من خلالها خدمة مصالحهم السياسية وحماية نفوذهم وحصتهم من الموارد، وفي الوقت نفسه التخلص من القوى الثورية والحضرية والإسلامية التي رأوها بمثابة قوى دخيلة على الشرق واتهموها بالفشل في تأسيس نظام سياسي عادل ومستقر، وقد وفر الجنرال الليبي بخلفيته العسكرية العلمانية، وارتباطه السابق بنظام القذافي قبل انضمامه لاحقا إلى الثورة ضده، وعدم انحداره من أحد القبائل القوية المتنافسة في الشرق، واجهة مثالية لحماية المصالح القبلية، وإن لم يمنع ذلك من ظهور بعد الخلافات بين الطرفين سرعان ما كان يجري استيعابها وتداركها.

 

عنوان ميدان (الجزيرة)

بعبارة أخرى، كان "حفتر" بالنسبة إلى القبائل الشرقية يمثل الحل الوسط بين القديم والجديد، لذلك، فعلى الرغم من أن القبائل كانت تشعر بقلق تجاه طموحات حفتر الشخصية، ورغم أن الجنرال الليبي يمتلك سيرة ذاتية فقيرة جدا على مستوى الإنجازات الفعلية وحتى السمات الشخصية والقيادية مقارنة بالقذافي، كان زعماء القبائل على استعداد للتغاضي عن ذلك كله وإلقاء ثقلهم خلفه، وقد مهد هذا التحالف بين حفتر والقبائل طريق الجنرال الليبي لاكتساب المزيد من الأراضي ووفر له حلفاء أقوياء بعدما كانت قاعدة دعمه مقتصرة على حفنة من الضباط السابقين والنخب الاجتماعية القديمة المرتبطة بنظام القذافي، ومن جانبه، كان حفتر على الموعد دائما حيث نجح في استمالة القبائل والتلاعب بها على طريقة القذافي القديمة في توزيع المنافع المالية والمناصب في أجهزة الأمن والشرطة وهياكل الحكم المحلي.

 

وبالنظر إلى محدودية قدرات الجيش الوطني الليبي العسكرية، أصبح كسب شيوخ القبائل والأعيان هو العنصر الأساسي في استراتيجية "حفتر" لتوسيع سلطته، حيث نجح الجنرال الليبي من خلال هذه الاستراتيجية في السيطرة على موانئ الهلال النفطي ذات الأهمية الاستراتيجية في سبتمبر/ أيلول عام 2016، وشرع في استخدام تكتيكات مماثلة في الجنوب عبر التفاوض مع شيوخ فزان والقبائل الموالية للقذافي مثل المقارحة والحساونة والقذافة، بخلاف القبائل الجنوبية الكبرى مثل الزاوية وأبناء سليمان، وهو ما مكن حفتر في النهاية من ادعاء السيطرة على مساحات كبيرة من الجنوب الليبي رغم أن قبضته الفعلية عليها ظلت ضعيفة جدا.

مكن هذا الدعم القبلي الكبير، بالإضافة إلى الدعم الذي تلقاه حفتر من العديد من القوى الإقليمية والدولية وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر وفرنسا وروسيا، مكن حفتر من التشبث بخطته في السيطرة على كامل ليبيا بالقوة والانقلاب على اتفاق الصخيرات السياسي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة عام 2015 وتشكلت بموجبه حكومة الوفاق الوطني، في الوقت الذي عانت فيه الحكومة الجديدة المعترف بها دوليا بقيادة فايز السراج في التعامل مع القبائل وإشراكها في السلطة بطريقة ذات مغزى، ولم يكن هذا الفشل مفاجئا على كل بالنظر إلى النظرة الحضرية السائدة لدى السلطات في طرابلس ومصراتة، وارتباط الحكومة بالمكونات الإسلامية المختلفة، وهيمنة النظرة المرتابة تجاه القبائل باعتبارها جزءا من النظام السابق، وفي ضوء هذا الإرث، كان من الطبيعي أن تبوء المحاولات المحدودة لحكومة الوفاق لصياغة سياسة متماسكة تجاه القبائل بالفشل الذريع.

 

بخلاف ذلك، عانت الحكومة المعترف بها دوليا أيضا في الحصول على أي دعم عسكري أو سياسي حقيقي من المجتمع الدولي، وتضررت قدراتها العسكرية بشدة من القيود التي فرضتها الأمم المتحدة على توريد الأسلحة إلى ليبيا، رغم تجاهل انتهاك حلفاء حفتر لهذه القيود مرارا وتكرارا، وقد أغرى هذا الموقف الضعيف لحكومة الوفاق حفتر بتمديد نفوذه من الشرق إلى الغرب، وبسط سيطرته على ليبيا بأكملها، مدشنا في أبريل/ نيسان 2019 عملية عسكرية ضخمة بهدف السيطرة على غرب ليبيا والعاصمة طرابلس وتفكيك حكومة الوفاق الوطني.

ولكن بالنظر إلى كون الغرب الليبي الأقل قبلية من الشرق والجنوب، فقد واجه حفتر مصاعب كبيرة في استخدام نفس التكتيكات القديمة للسيطرة على العاصمة والمناطق الغربية، ومع كون حفتر أضعف من أن يسيطر على العاصمة طرابلس بالقوة العسكرية، ومع كون الكثير من القبائل الشرقية الداعمة له لم تكن مهتمة بخسارة أبنائها في معارك للسيطرة على الغرب الحضري، كان حفتر مضطرا للاعتماد بشكل أكبر على الدعم الخارجي لمواصلة حملته ضد العاصمة، حيث حصل الجنرال الليبي خلال هذا العام على جرعات مكثفة من الدعم العسكري والمالي والاستخباراتي من قبل الإمارات ومصر وروسيا وفرنسا، بما يشمل الطائرات بدون طيار صينية الصنع ومنظومات الدفاع الجوي الروسية التي وفرتها الإمارات، وكذا الصواريخ والمعدات البرية التي زودتها القاهرة، ناهيك عن المرتزقة الأجانب الذين وفرتهم أبوظبي من السودان وغيرها من الدول الأفريقية وكذا مرتزقة شركة فاغنر الروسية (تتراوح أعدادهم بين 1200 إلى 2000 شخص) الذين تدفقوا إلى محيط طرابلس للقتال إلى جانب حفتر.

 

نجح الدعم العسكري الأجنبي في منح قبلة الحياة لحملة حفتر على الغرب الليبي ومكنت الجنرال من استقطاب بعض المناطق الغربية التي تتمتع بظهير قبلي قوي مثل مدينة ترهونة (90 كيلومترا جنوب طرابلس) وامتداداتها القبلية في عين زارة ووادي الربيع وقصر بني غشير، وهي المناطق التي اشتهرت سابقا بتوفير المجندين للحرس الجمهوري لنظام القذافي، وكانت الاستيلاء على ترهونة على وجه التحديد أهم المكاسب الاستراتيجية لحملة حفتر الغربية حيث نجح في ضم ميليشيات الكانيات القوية إلى الجيش الوطني الليبي واكتسب موطئ قدم لا يقدر بثمن على البوابة الجنوبية الشرقية للعاصمة.

قوات حفتر (مواقع التواصل الاجتماعي)

 

ومع ذلك، سرعان ما أثبتت حملة حفتر الغربية أنها قصيرة النظر للغاية، بعدما وجد الجنرال الليبي نفسه عالقا لمدة عامل كامل مع معارك عسكرية لا تنتهي مع كتائب مصراتة القوية وغيرها من الفصائل الموالية لحكومة الوفاق، ولكن الحدث الذي غير قواعد اللعبة في غرب ليبيا حقا كان هو قرار تركيا التدخل عسكريا في ليبيا دعما لحكومة الوفاق، ففي أعقاب توقيع أنقرة وطرابلس لاتفاق لتقاسم الحدود البحرية ومذكرة تعاون عسكري في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، صادق البرلمان التركي مطلع عام 2020 على طلب الحكومة إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا بصحبة معدات عسكرية متطورة أبرزها الطائرات بدون طيار.

 

في غضون أسابيع قليلة، كان الدعم العسكري التركي لحكومة الوفاق قد نجح في تغيير موازين القوى في معارك الغرب، وفي منتصف أبريل/ نيسان نجحت قوات الوفاق مدعومة بالطائرات المسيرة التركية في الاستيلاء على عدة مدن على طول الطريق الساحلي بين طرابلس وتونس بما في ذلك مدينة صبراتة، ولاحقا في 18 مايو/ أيار، حققت حكومة الوفاق الوطني أبرز انتصاراتها بالاستيلاء على قاعدة الوطية الجوية، قبل أن تعلن سيطرتها على مطار طرابلس في 4 يونيو/ حزيران، وفي اليوم التالي مباشرة أعلنت الحكومة الشرعية نجاحها في استعادة السيطرة على مدينة ترهونة وحقل الشرارة النفطي، وأكدت أنها تنوي مواصلة طريقها لطرد ميليشيات حفتر من مدينة سرت الحيوية، التي طالما تم اعتبارها الحد الفاصل تاريخيا بين الشرق والغرب.

Libyan army recaptures Tripoli airportقوات لحكومة الوفاق بعد استعادة سيطرتها على مطار طرابلس

 

عنوان ميدان (الجزيرة)

وفيما يبدو، فإن الانتكاسات العسكرية التي واجهها حفتر وميليشياته في غرب ليبيا مؤخرا قد تعدت آثارها الجوانب العسكرية، نحو عملية إعادة تنظيم واسعة في المعسكر الشرقي. باديء ذي بدء، تسببت الإخفاقات العسكرية التي مني بها الجنرال في الغرب في حدوث شقوق ملحوظة داخل معسكره في الشرق والجنوب، مع تراكم السخط بسبب حربه المستمرة ضد العاصمة منذ أكثر من عام وتكاليفها الباهظة مع افتقارها إلى أي أهداف ذات جدوى بالنسبة لحلفاء حفتر القبليين سوى دعم طموحات الجنرال الشخصية، وردا على هذا السخط وفي محاولة لصناعة انتصار مسرحي، أعلن حفتر انقلابا تلفزيونيا ألغى بموجبه اتفاق الصخيرات السياسي ونصب نفسه حاكما على ليبيا.

 

ولكن مغامرة حفتر المسرحية جاءت بنتائج عكسية وتسببت في زيادة نفور حلفائه منه خاصة في القبائل الجنوبية التي قام بعضها بإعلان الولاء لحكومة الوفاق الوطني، فيما بدأت بعض القبائل الشرقية في التحوط لرهاناتها، وقد ظهر هذا جليا في رفض رئيس مجلس النواب الليبي المنتمي لقبيلة العبيدات عقيلة صالح عيسى، لانقلاب حفتر وإعلانه رغبته في السعي للوصول إلى حل دبلوماسي، وهو مسعى دعمته العديد من القبائل الشرقية التي أطلقت تهديدات علنية لحفتر محذرة إياه من محاولات المساس بـ"صالح".

 

بالتزامن مع ذلك، بدأت العديد من القوى الدولية الداعمة لحفتر في مراجعة جدوى دعمها للجنرال الليبي، وشرع بعضهم في التواصل بالفعل مع عقيلة صالح، باعتباره بديلا سياسيا مقبولا، وممثلا محتملا للشرق في أي مفاوضات محتملة مع حكومة الوفاق، لكن المشكلة الحقيقية التي تواجه هذه القوى هي أن محاولات إخراج حفتر من المشهد السياسي الليبي قد فشلت مرارا وتكرارا، حيث نجح الجنرال المرة تلو المرة في إقحام نفسه كجزء من المعادلة السياسية والعسكرية في الشرق مستغلا فشل القوى الشرقية في اجتماع على بديل مقبول، بمن في ذلك رئيس مجلس النواب المنتخب عقيلة صالح نفسه، ومستفيدا من الدعم الخارجي في  ظل وجود بعض الدول، على رأسها الإمارات العربية المتحدة وفرنسا، وبنسبة أقل روسيا، لا تزال ترى أن مصالحها في ليبيا سوف يتم خدمتها بشكل أفضل من خلال بقاء حفتر.

عقيلة صالحرئيس مجلس النواب عقيلة صالح

تجعل هذه المشاركة الأجنبية الموسعة على الحلبة الليبية الصراع في البلاد أكثر تعقيدا وخطورة، خاصة مع اختلاف مستويات مشاركة هذه القوى والتباين الواضح في أهدافها. وكما يشير هلال خشان، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية في بيروت في مقاله المنشور على موقع "جيوبوليتيكال فيوتشرز"، فمن بين جميع القوى المتورطة في الصراع، تبقى الإمارات القوة الأقدم حضورا والأكثر طموحا، حيث تهدف أبوظبي من خلال تورطها في الصراع الليبي إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية، أولها هزيمة حكومة الوفاق الوطني التي تراها ممثلا للإسلام السياسي في البلاد، والثاني منع تركيا من إقامة وجود دائم في ليبيا، وآخرها ضمان موطيء قدم في ليبيا كجزء من خطتها للسيطرة على الدول الضعيفة في الشرق الأوسط.

 

بالمقارنة مع الإمارات، تمتلك مصر أهدافا محدودة نسبيا في ليبيا تتعلق بالأساس بمخاوف القاهرة من تسلل المسلحين الإسلاميين من ليبيا إلى مصر عبر الحدود الممتدة على طول 1150 كيلومترا بين البلدين، ورغبة مصر في الحصول على نصيبها من كعكة إعادة الأعمار فضلا عن إعادة أكثر من 1.5 مليون عامل مصري فروا من البلاد بسبب الحرب، بخلاف مقتضيات المنافسة الجيوسياسية التقليدية مع أنقرة، غير أن قدرات أبوظبي والقاهرة على توفير دعم عسكري ذي مغزى لحليفهما الليبي سرعان ما أثبتت محدوديتها حين وجد البلدان نفسيهما في مواجهة خصم قوي وحازم مثل تركيا التي تمتلك هي الأخرى أهدافها الجيوسياسية الخاصة من المشاركة في الصراع الليبي.

Recep Tayyip Erdogan - Fayez al-Sarraj meeting in Ankaraالرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" ورئيس حكومة الوفاق الوطني "فايز السراج"

فبالنسبة إلى أنقرة، تعد المشاركة في الحرب الليبية هي الخطوة الأهم في خطة أنقرة لمواجهة المحاولة المستميتة لقبرص واليونان ومصر وإسرائيل لعزلها واستبعادها من معادلة الطاقة في شرق المتوسط، وفي هذا السياق يمكن تفسير إصرار أنقرة على توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا الذي يمنح تركيا نفوذا بحريا في المنطقة التي يمتد عبرها خط أنابيب "إيست ميد" المقرر أن يتم عبره تصدير غاز المتوسط من إسرائيل وقبرص – عبر اليونان – إلى أوروبا، ناهيك عن مخاوف تركيا الأيديولوجية من سقوط طرابلس في يد المحور المعادي للربيع العربي بقيادة الإمارات والسعودية اللتين تقودان أيضا حملة لعزل تركيا في العالم الإسلامي.

 

بالنظر إلى روسيا، يمثل التواجد في ليبيا وسيلة منخفضة التكلفة لموسكو للتحكم في البوابة الجنوبية لأوروبا والضغط على القارة العجوز في ملفات حيوية مثل أمن الطاقة وتدفقات المهاجرين، والأهم من ذلك أن الكرملين ربما يسعى لتأمين وجود جديد على سواحل المتوسط في موانئ الشرق الليبي يضيف إلى تواجد روسيا القائم بالفعل في سوريا، أما فرنسا فإنها تبدو أكثر اهتماما بالوصول إلى فزان التي تعتبر بوابة حيوية إلى دول جنوب الصحراء الكبرى التي تمتلك فيها فرنسا حضورا لافتا، ومع تركيز باريس في سياستها الأفريقية على محاربة التنظيمات الإسلامية ووقف تدفقات المهاجرين، فإنها تجد في حفتر حليفا مناسبا.

 

من جانبها، ترى الولايات المتحدة أنها لا تمتلك مصالح حيوية في ليبيا في الوقت الراهن، وهو ما دفعها للانسحاب من السياسية الليبية بشكل فعلي منذ واقعة مقتل السفير الأميركي في بنغازي عام 2012، لتكتفي بدعم جهود الأمم المتحدة بشكل خافت، قبل أن تبدي إدارة ترامب انحيازا محدودا لصالح حفتر مع بدء حملته على طرابلس، غير أن واشنطن بدأت في مراجعة سياستها تجاه ليبيا خلال الأسابيع الأخيرة مع تكثيف روسيا لتواجدها في البلاد، مؤكدة دعمها لحكومة الوفاق الوطني ومنتقدة قيام موسكو بإرسال تعزيزات عسكرية إلى قاعدة الجفرة دعما لحفتر في أعقاب خسارته لقاعدة الوطية، ومشيرة إلى عزمها تأسيس وجود لها في تونس المجاورة على مقربة من الصراع الليبي.

ومن المرجح أن التفاعلات بين هذه القوى الأجنبية سوف تلعب الدور الأهم في تحديد مستقبل الصراع الليبي خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، فعلى الرغم من الانتصارات التي حققتها مؤخرا، تدرك حكومة الوفاق الوطني، ومن ورائها تركيا، أن عليهما استثمار الكثير من الجهد العسكري للحفاظ على الأراضي الحالية تحت سيطرتهما فضلا عن السيطرة على مساحات جديدة، ومن المنطقي أن نفترض أن أنقرة على وجه التحديد تدرك أن أي محاولات لاختراق الحدود العرفية الفاصلة بين الشرق والغرب والتوغل في المناطق القبلية ما بعد سرت سوف تأتي بتكلفة باهظة حيث ستتعامل العديد من القبائل الشرقية معها كقوة احتلال وليس كحليف لحكومة شرعية، وأخيرا وليس آخرا هناك روسيا التي يبدو أنها تسعى من خلال سحب مقاتليها المرتزقة من المناطق الغربية ووضع طائرتها في قاعدة الجفرة لإرسال رسالة إلى تركيا مفادها أنها تعترف بأحقيتها في التقدم والسيطرة على المناطق الغربية، على أن تبدأ الخطوط الحمراء الفعلية من الشرق وتحديدا بعد سرت.

 

كانت الانقسامات التاريخية وبصمات القوى الأجنبية حاضرة في تشكيل تاريخ ليبيا ويبدو أنها ستواصل ذات الدور في تحديد مستقبلها، فبعد كل شيء، خضعت كل من طرابلس وبرقة لسلطة الدولة العثمانية لعقود طويلة لكنها لم تنضما أبدا تحت سلطة سياسية موحدة، وفي حين أن إيطاليا قد احتلت ليبيا في عام 1912 فإنها لم تنجح في توحيدها إلا بشكل ظاهري، وبينما عملت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا في ليبيا ضد القوات الألمانية والإيطالية خلال الحرب العالمية الثانية، وحاولت روسيا ستالين تأمين الانتداب على طرابلس في عام 1945، واحتلت فرنسا فزان قبل ذلك بعامين، فإن هذه القوى – جميعها – فشلت في بسط سيطرتها على كامل ليبيا، واكتفت بممارسة النفوذ المحدد بخطوط الصدع التي تم تحديدها سلفا.

 

واليوم، لا يبدو أن الوضع اليوم سيكون مختلفا كثيرا عن ذلك، حيث تبقى ليبيا منقسمة بشكل فعلي بينما تتهافت القوى الأجنبية على اقتسام كعكة النفوذ، ولكن الخبر الجيد هنا أن الليبيين يدركون هذا الانقسام جيدا، وقد خبروا على التعامل معه خلال فترات مختلفة في تاريخهم، وسيكون التحدي الأكبر هو إذا ما كان الليبيون واللاعبون الخارجيون سوف ينجحون في التوصل إلى صيغة سياسية تراعي هذا الانقسام وتحقق الحد الأدنى مصالح جميع الأطراف، ولحسن الحظ فإن الخطوة الأولى في هذا المسار معروفة للجميع، وهي منح حفتر إجازة تقاعد إجبارية، وضمه إلى نادي المستبدين ومجرمي الحرب السابقين من أصحاب القصور الفارهة على شواطئ الخليج.