خبراء "السوشيال ميديا".. هكذا جرأتنا المنصات على طرح "الهراء" بثقة

منذ أن اجتاح العالم وباء "كوفيد-19" بدءا من الصين مرورا بأوروبا والولايات المتحدة الأميركية، وبينما كان الأطباء في إيطاليا مضطرين أن يختاروا الشخص الذي سيتلقى العناية الطبية المركزة وربما ينجو من بين مئات بل آلاف المصابين الذين تدهورت رئاتهم سريعا وانزلقوا نحو الموت؛ ظهر في عالمنا العربي عدة افتراضات تُفسِّر تأخُّر انتشار المرض في البلاد العربية خاصة مصر، وسرعان ما تحوّلت هذه "الافتراضات" إلى نظريات يتحدث ويكتب عنها مئات الأشخاص على وسائل التواصل الاجتماعي.

 

أطباء ومهندسون وموظفون وإعلاميون وحتى الطباخون وأخصائيو التغذية والجغرافيون أصبحوا مروجين لنظريات تُفسِّر بطء انتشار الفيروس الجديد في مصر والعالم العربي وأفريقيا. فكانت النظرية الأولى تُرجع السبب إلى "المناخ الحار" في منطقة العالم العربي وقارة أفريقيا، والذي لم يساعد الفيروس على التكاثر ونقل العدوى بالسرعة والشراسة نفسها التي كان عليها في مناطق أخرى مثل الصين وأوروبا، رغم أن الفيروس كان حينها يفتك بإيران الملتصقة بمنطقة الخليج! وبالتالي توقّع الجميع أن ينتهي الوباء بحلول الصيف، الأمر الذي لم يحدث حتى الآن! (1)

 

أما النظرية الثانية فقد فسرت بطء انتشار الفيروس وقلة عدد المصابين بأن العرب وخاصة المصريين قد أُصيبوا بالفيروس نفسه أو بفيروس ذي تركيب قريب منه في وقت سابق وتحديدا بين أغسطس/آب ونوفمبر/تشرين الثاني العام الماضي، وقد مات به عدد من الأشخاص دون أن يعلم أحد بوجود الفيروس، وبعد تفشيه الذي لم يعلم به أحد، اكتسب المصريون مناعة ضده، فهم محصّنون ضد الفيروس الخبيث! إلا أن هذه النظريات تبدو غير مقنعة، لذلك قرّر عدد من الجهابذة من الأطباء وغيرهم من خبراء "فيسبوك" أن يضعوا النظرية الثالثة، والتي تُفسِّر الأمر بأن التطعيم ضد مرض الدرن الذي يأخذه الأطفال هو السبب في تكوين مناعة في أجسام المصريين ضد الفيروس الذي يفتك بالأوروبيين والأميركيين الذين أُلغي هذا التطعيم عندهم!

ورغم اختلاف النظريات وخلاف الخبراء والمختصين في مئات من المنشورات والتعليقات والفيديوهات والمداخلات فإن الإجماع على قوة مناعة المصريين أصبحت حقيقة غير قابلة للنقاش، وبذلك ظهرت التأكيدات والتطمينات على الفضائيات المصرية والتي صاحبها قليل من التحذير مع النصح بأكل "الشلولو" والفول النابت وشرب الشاي الساخن لزيادة المناعة.

وليس وحده الوباء هو مَن يتمتع باهتمام خبراء مواقع التواصل الاجتماعي ونظرياتهم، فالعالم الافتراضي أصبح مليئا بالنظريات والنصائح حول كل شيء وأي شيء، بدءا بالطب والدين والفيزياء وحتى كرة القدم وتربية العصافير والببغاوات وإجراء عمليات جراحية للحمام، قبل أن يغضب "الخبراء الافتراضيون" في مصر على الأطباء ويُقرِّرون إجراء العمليات الجراحية لأنفسهم والدعوة للاستغناء عن الأطباء، الأمر الذي يجعلنا نتساءل: هل أصبحنا جميعا خبراء علميين؟ وكيف نبت في وادينا الطيب كل هؤلاء الخبراء الذين يُفتون في كل شيء حولهم؟

 

في أواخر تسعينيات القرن الماضي وحتى بداية الألفية الثانية من القرن الجديد المبهج الذي نعيشه، ظهر في المملكة المتحدة نوع من التمرد ضد استخدام لقاح "النكاف والحصبة الألمانية" (MMR) داخل المجتمع الطبي، لم يكن التمرد ضد اللقاح بشكل عام، بل لاستبدال اللقاحات المجتمعة بلقاح واحد، وكان الشخص الذي أثار ذلك التمرد هو الطبيب والباحث "أندرو ويكفيلد" (2)، الذي قال إنه "فحص ستة أطفال كانوا يعانون من التوحد (AUTISM) ووجد فيروس الحصبة في أمعائهم"، وفي مؤتمر صحفي عُقد عام 1998، ادّعى ويكفيلد أن مرض التوحد قد تسبّب عن طريق لقاح النكاف والحصبة الألمانية، وأوصى بثلاثة لقاحات منفصلة بدلا من لقاحات النكاف والحصبة الألمانية مجتمعة.

أندرو ويكفيلد

وحسب الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية للجمعية الأميركية للطب النفسي 2000، يُمثِّل التوحد اضطرابا شديدا يظهر للمرة الأولى في مرحلة الطفولة المبكرة، ويعاني المصابون بالتوحد أنواعا من القصور اللغوي الملحوظ الذي يصل في الحالات الشديدة إلى البكم التام، والعديد منهم لا يقيم روابط عاطفية قوية مع الآخرين، ويمارس الجزء الأكبر منهم أنشطة نمطية ومتكررة.

 

إلا أن التوحد كان قبل تلك الفترة الذي ظهر فيها التمرد ضد اللقاح حالة شديدة الندرة، ثم -فجأة- خلال الفترة ما بين عامي 1993-2003 سجلت إحصاءات وزارة التربية والتعليم الأميركية زيادة مذهلة تساوي 657% في معدلات الإصابة بمرض التوحد في أرجاء الولايات المتحدة، كما زادت معدلات انتشار ذلك الاضطراب في المملكة المتحدة (3)، وسرعان ما تلقّفت الصحافة "الغربية" الموضوع، وبدأت تتواتر روايات الآباء الذين قالوا إن أطفالهم قد أظهروا الأعراض الأولى لاضطراب "التوحد" بعد وقت قصير من وخزة لقاح النكاف والحصبة الألمانية. (4)

 

وفي قصص الصحف كانت روايات هؤلاء الآباء والأمهات "متوازنة مع تقارير الاختصاصيين في علم الأوبئة، التي أظهرت عدم وجود زيادة في معدلات التوحد في البلدان التي أدخلت حديثا لقاح النكاف والحصبة الألمانية"!، ورغم ذلك، نمت مقاومة اللقاح ضد الحصبة الألمانية والنكاف، وبدأ الآباء والأمهات الذين لديهم المقدرة المادية في شراء جرعات تطعيم واحدة، رغم عدم توفر أي دليل علمي على أن هناك اختلافا بين اللقاح الموحد واللقاحات المنفصلة!

وطالب بعض أعضاء مجتمع العلوم الاجتماعية، هؤلاء المختصون بفرع علم اجتماع المعرفة العلمية، العلم الجديد الذي نزع الهالة المقدسة عن العلماء بنهاية القرن العشرين عبر إخضاع الكتابات والأطروحات العلمية والطبية لمناهج النقد والتي كشفت كثيرا من التحيزات "غير العلمية" في المجتمع العلمي المليء بالبشر، طالبوا بمزيد من البحوث حول هذه المسألة، لكن أعضاء من حزب المحافظين المعارض دافعوا عن حق "الآباء في الاختيار" وطالبوا حكومة حزب العمال وقتها بالتخلي عن لقاح النكاف والحصبة الألمانية وتقديم جرعات واحدة. (4)

 

وفي الولايات المتحدة الأميركية، حاول روبرت إف كينيدي الصغير، المدافع عن حقوق المستهلك، ومعه مئات الآلاف من آباء الأطفال المصابين بالتوحد، التحذلق بشأن سبب انتشار التوحد، فلم يجدوا إلا اللقاحات التي تحتوي على مادة الثيمروزال الحافظة (المطهر الزئبقي)، وهي تلك اللقاحات التي يُحقن العديد من الأطفال بها خلال التطعيم، فذاع الادعاء بأن معدلات التوحد مستمرة في الزيادة عن طريق كثرة تردد ذلك على ألسنة المتحدثين الرسميين في وسائل الإعلام.

 

وفي عام 2005 خصّص برنامج "واجه الصحافة" الذي تبثّه شبكة "إن بي سي" مجموعة من حلقاته لمناقشة التوحد الذي وصفوه بـ "الوباء"، وكذلك ادّعاءات المؤلف صاحب الكتب الأكثر مبيعا "ديفيد كيربي" أن اللقاحات التي يدخل الثيمروزال في تركيبها تتسبّب في الإصابة بالتوحد. وفي عام 2008 طالبت الممثلة والنجمة السابقة لمسابقة "بلاي بوي بلاي ميت" جيني ماكارثي، وهي أم لطفل مصاب بالتوحد، "باستقالة مدير "مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها" جولي جيربيردنج بسبب افتقارها الكفاءة في التعامل مع انتشار وباء التوحد"، وفي السياق نفسه أعلن النجم السابق للدوري الأميركي لكرة القدم الأمريكية "دوج فلوتي"، وهو أب لابن مصاب بالتوحد، على الملأ أن التوحد مستمر في الانتشار بشكل مفزع. (5)

كتاب ديفيد كيربي

وسرعان ما تحوّل الأمر إلى قضية رأي عام، فقد تبنّى مرشحا الحزبين الرئيسيين في انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2008 وجهة النظر القائلة إن معدل انتشار التوحد يزيد على نحو هائل. ففي رد لـ "جون ماكين" على سؤال وُجِّه له في لقاء بمقر أحد المجالس المحلية 2008 قال: "لا جدال في أن التوحد في زيادة مستمرة بين الأطفال، لكن السؤال هو: ما الذي يتسبب فيه؟ هناك أدلة قوية تشير إلى أن لذلك علاقة قوية بمادة حافظة في اللقاحات". وبعد مرور أقل من شهرين، قال باراك أوباما لأنصاره في أحد التجمعات: "لقد رأينا زيادة مذهلة في معدل الإصابة بالتوحد، ويخالط البعض الشك في أن لذلك صلة باللقاحات، ولعلّي واحد من هذا البعض". (5)

 

وأمام ضغط الصحافة ووسائل الإعلام في المملكة المتحدة، تم تخفيض معدلات التطعيم ضد النكاف والحصبة الألمانية من 93% إلى 73%، مما أدّى إلى تفشي حالات الإصابة بالحصبة وحدوث حالة وفاة واحدة على الأقل، كما زادت حالات الإصابة بالحصبة في الولايات المتحدة في المناطق التي رفض فيها الآباء والأمهات تطعيم أطفالهم خوفا من إصابتهم بالتوحد. وفيما بعد، اتضح أن "ويكفيلد" صاحب الورقة العلمية التي تربط بين لقاح الحصبة الألمانية والتوحد قد حصل على مبلغ مالي من الشركات التي استفادت من التحول إلى اللقاحات الواحدة، كما تبيّن أنه انتهك الإجراءات الأخلاقية في جمع الأدلة. (6)

 

جاء الخبر صادما للكثيرين، لكن هذه القصة ليست إلا فصلا جديدا من مسلسل طويل من التضليل والخداع وتبدل الموضات الطبية، فعلى سبيل المثال، في عام 2006 وحده استُئصلت اللوزتان لأكثر من نصف مليون طفل في الولايات المتحدة، ثم نقلت صحيفة واشنطن بوست تقريرا عن مؤتمر طبي في عام 2012 قد ذكر تعليقا على مسألة استئصال اللوزتين جاء فيه جملة: "لا يوجد دليل على نجاحها مع معظم الأطفال"، والتخبط ليس في الطب وحده، فالقائمة تشمل علوم الأغذية، والطب البيطري، وعلم الأوبئة، والاقتصاد، والتنبؤ بالطقس. حيث يقول هاري كولينز، أستاذ علم الاجتماع في جامعة كارديف ببريطانيا، إن "بعض هذه العلوم ميئوس منها تماما والبعض الآخر لا أمل منه في بعض النواحي". (6)

غير أن الزمن اختلف، ومع انتشار وسائل الإعلام وأجهزة التلفاز والحواسيب الشخصية وسرعة الوصول للمعلومات، كان العلم ينزلق من الذروة العالية التي احتلها فيما مضى، وتغيرت علاقة الإنسان العادي (غير المتخصص) بالعلم، كما ساعدت موجات تبسيط العلوم الجماهير على خوض النقاشات العلمية، ومثلما حدث في قصة اللقاحات والتوحد، أصبح لدى الجميع "شعور بالتمكّن" إذا تعلق الأمر بشأن يخصهم، فالجميع أصبح جزءا من لعبة "العلم والتكنولوجيا" كما يقول كولينز، فلا فرق بيننا وبين العلماء أو المتخصصين، لأن المعلومات متاحة للجميع والخبرات ملقاة على أرصفة الشوارع. وهذا الشعور بالتمكّن هو ما سمّاه هاري كولينز بـ "الخبرة الافتراضية" (DEFAULT EXPERTISE)، "والخبرة الافتراضية هي الخبرة الناشئة عن العلم والدراسة والاطلاع، والتي يشعر المواطنون العاديون بأنهم يمتلكونها، فامتلاك خبرة افتراضية تعني أن نكون في حكم الخبراء لأنه لا يوجد خبراء". فهل حقا يجعلنا مجرد الوصول السهل للمعلومات أو المتابعة المستمرة لبرامج التلفاز أو حتى قراءة بعض المجلات والجرائد خبراء؟

 

يذهب الرأي السائد في الأوساط العلمية إلى أن "الخبير" هو الشخص الذي كرّس نحو 10000 ساعة من الوعي الذاتي في تطوير خبراته، ورغم أن هذا التعريف يُخرِج معظم الناس من تحت توصيف "خبير"، لأن قليلا هم مَن يُنفقون كل هذا الوقت على التدريب والتعلم، فإن هذا المعيار واجه مشكلات أخرى، فما يُعتبر "خبرة" يختلف من مكان لآخر ومن سياق لآخر، فحديث أحد الاشخاص بلغته الأم وممارستها طوال حياته لا يُعتبر خبرة في بلده الأم، بينما يعتبر نوعا من أنواع "الخبرة" في بلد آخر بلغة مختلفة، كذلك هناك تلك الأشياء التي يتعلّمها الإنسان نتيجة حياته في مكان معين ضمن طبقة اجتماعية محددة في سياق تاريخي ما، فمثلا تعلُّم آداب الحديث أو مهارات البيع والشراء أو تربية الدواجن أو رعي الماشية، كلها نوع من المهارات قد يتعلمها الإنسان في سياق معين، وقد ينفق فيها كل ذلك الوقت، فهل يجعله ذلك خبيرا؟

 

يجيب هاري كولينز أن الغائب عن النموذج الذي وضعه العلماء لتحديد مَن هو "الخبير" هو مفهوم "الخبرات كلية الوجود"، الخبرات التي يكتسبها الشخص دون إنفاق جهد ذاتي واعٍ. وتشمل الخبرات كلية الوجود التحدث باللغة الأم وآداب الحديث مع الآخرين، فالجميع يكتسب خبرات معينة نتيجة نشأته، ولأن هذه الخبرات يكتسبها الجميع فقد تم التغاضي عنها، رغم أن الناس ما زالوا متفاوتين في ممارسة تلك الخبرات، مما يجعل بعضهم "أكثر خبرة" من الآخرين. ويتضح ذلك عندما يحاول شخص التعبير عن تلك الخبرات وتعليمها أو تعلُّمها، "وقد اتضح أن نوع الرياضيات التي يصعب على العباقرة تعلُّمها يمكن تنفيذها بواسطة الأجهزة، في حين أننا نفشل في جعل أجهزة الحاسوب تستطيع أن تفهم الكلام العادي والخبرات العادية" (6)، وحسب هذا المفهوم يُضيف كولينز أننا جميعا خبراء، نمتلك خبرات كلية الوجود اكتسبناها عن طريق التنشئة بشكل تلقائي، وهي مشتركة في عدة قواسم مع الخبرات التخصصية.

والخبرات التخصصية هي الخبرة التي يكتسبها الشخص عن طريق الخبرة التشاركية، والخبير المشارك هو الشخص الذي يُقدِّم إسهاما في مجال الخبرة، وهو يكتسبها من خلال العمل مع خبراء مشاركين آخرين، واكتساب مهاراتهم ومعرفتهم الضمنية بكيف يقومون بالأشياء، ويصبح المرء خبيرا مشاركا بكونه متتلمذا في صنعة، مثل عالم مبتدئ أو مزارع مبتدئ أو مريض مبتدئ يتعلم من المرضى الآخرين ومن الأطباء ومن مجمل تجربته كيف يتعامل مع مرضه. وفي ذلك المستوى من "الخبرة" يُكوِّن الشخص صورة أولية عن الأمور، يبدأ بمعرفة العناوين، ثم يعرف بعض المحتوى المبسط، ثم يُكوِّن خريطة للموضوعات في ذهنه، ثم يمكنه أن يأخذ خطوة أخرى للأمام عبر قراءة المجلات المهنية والكتب الفنية ومحاولة فهمها، فإذا حقّق الشخص بعض الفهم من ورقة بحث فنية يشعر بأنه توصّل إلى أحد معاقل العلم، لكن الأمر ليس كذلك. (6)

 

فحسب كولينز، لا تزال هناك فجوة هائلة بين الفهم الذي يرتكز على بعض الخبرات كلية الوجود والخبرات التخصصية الأولية وبين الخبرات التخصصية الحقيقية التي يسميها "الخبرات التفاعلية"، حيث تتكوّن الخبرة التفاعلية عبر وقت طويل من التعلم والممارسة في تخصص ضيق، لا يجب على ممارسيها أن يتدخلوا في أي تخصص آخر، ويصفها كولينز الذي عمل لعشرات السنين في دراسة سوسيولوجيا الكشف عن موجات الجاذبية، بحيث أصبح خبيرا بأدق تفاصيل الموضوع، قائلا: "أن تكتسب خبرات تفاعلية هو أن تتعلم بطلاقة كافية فن الحديث لتكون قادرا على تقديم الأحكام نفسها مثل أي خبير آخر، وهذا يتطلب انغماسا طويلا في المجتمع الخاص بالتخصص".

 

أما النوع الأخير من الخبرة فيسميه كولينز بـ "الخبرة الفوقية"، وهو قمة الهرم في الخبرات، فهذه الخبرة الفوقية (meta-expertise) تُستخدم للحكم على الخبراء الآخرين والاختيار بينهم، وهي الخبرة المطلوبة لصناعة القرار والحكم على الأشياء من منظور كلي وشامل. ومن هذا التقسيم الذي يقترحه هاري كولينز يتضح كيف يمكن للمستويات الأولى من الخبرة، خاصة "الخبرة كلية الوجود" التي يمتلكها الجميع، ثم الخبرات المتعلقة بالمعرفة الأولية بقضية معينة، أن تكون خبرات مخادعة للغاية، خاصة في ظل التخبط والعجز الظاهر للجمهور في مجال مثل الطب، وهو الأمر الذي شجّع مؤلف وممثلة ولاعب كرة متقاعد وبضع من مئات الآلاف من الإعلاميين والصحافيين والآباء أن يُقنعوا الملايين بالعلاقة بين لقاح الحصبة الألمانية وبين التوحد، والنتيجة كانت كارثية، وهو الأمر الذي تكرّر في مصر عندما امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بمئات المنشورات وآلاف التعليقات حول "النظريات" المفسرة لعدم انتشار الوباء في مصر، مما نشر شعورا بالاطمئنان والاستهتار لدى ملايين البشر، الذين أصبحوا مُعرَّضين للخطر، وانتهى التحذلق والاستخفاف والسخرية بكارثة مأساوية تحدث الآن في جميع مشافي مصر.

 

عالم الأنثروبولوجيا الذي درس نشاط نشطاء مكافحة التطعيم، خوفا من التوحد، وتأثيرهم على الآباء، شارن كوفمان، علّق على الأمر قائلا: "مع انفجار خبرات المولعين بالمعارضة على الإنترنت، يرى كثير من الآباء، حتى وجهة نظر خبير اللقاح الأكثر احتراما على قضية، أنها مجرد رأي آخر". فقد منحت إمكانية الوصول السهل للمعلومات ومشاركة الآراء على وسائل التواصل الاجتماعي ملايين البشر الشجاعة في التعبير عن آرائهم، التي -في أغلب الوقت- لا تستند إلى أي منطق أو خلفية علمية أو تخصصية، بل يعتمد الجميع على خبراتهم كلية الوجود، الخبرات التي نمتلكها جميعا بشكل متفاوت، أو بعض الخبرات الأولية بحكم المتابعة. (6)

 

فقد جعلتنا وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة "فيسبوك"، أشخاصا مهمين، نمتلك ذواتا افتراضية، نحرص على تزويد تلك الذوات بكل ما ينقصنا في الواقع، عبر رسم صور فائقة تتميز بالكامل، كمال الخبرات والفهم والحكمة، وكمال السعادة والرفاهية، وكمال الوسامة والجمال، ولا يظهر كمال وحكمة تلك الذات الأحادية إلا عبر التعبير الدائم عن نفسها بالثرثرة وإبداء الرأي في كل شيء، حيث جعل "فيسبوك" أهمية خاصة لأفكار مستخدميه وآرائهم، لأن ظهور ذواتهم وتفاعلها مع الآخرين يعتمد على ملء الفراغ أسفل سؤال "بمَ تفكر؟" (what's in your mind?). (7)

بيد أن من المستحيل أن يكون العلم مملوكا للجمهور، فلكي يكون العلم مملوكا للجمهور يجب على الجميع أن يصبحوا خبراء تفاعليين على الأقل في جميع العلوم التي يهتمون بها، وما يؤكده كولينز أن الخبراء التفاعليين والعلماء مجموعة خاصة من الناس، رغم ما يحدث في المجتمع العلمي من تخبط ورغم موجات تبسيط العلوم التي صوّرت للجميع سهولة الخوض في المسائل العلمية، ورغم وجود المحتالين العلميين، والعلماء المدفوعين بالجشع والذين تقودهم الشهرة، وأصحاب الذمم الفاسدة، والكذابين. (8)

 

في النهاية، لسنا جميعا خبراء علميين، نحن جميعا خبراء كليو الوجود، كلنا متخصصون في وظائفنا، كلنا يمكننا القراءة والفهم والتعلم، لكن عندما يتعلق الأمر بالخلافات العلمية خاصة المتعلقة بحياة البشر حولنا، فعلينا جميعا أن نحترم التخصصات ومستوى الخبرات ونكف عن الهراء، أما إذا بدأنا جميعا بالاعتقاد بأننا خبراء علميون، فسيكون هناك "أولئك الذين لديهم معظم انتباه وسائل الإعلام، التي ستصنع حقائقنا وفقا لمصالح مالكي وسائل الأعلام أو مَن يدفع لهم"، ولن يتردد هؤلاء في تدمير حيواتنا والصعود فوق جثثنا، فهؤلاء يعرفون جيدا كيف يربحون من "الهراء" بينما ندفع نحن الكلفة من حياتنا وحياة من حولنا.

المصادر

  1. هل لدى العرب والهنود والأفارقة مناعة ضد كورونا؟
  2. هل نحن جميعا خبراء علميون الآن؟، تأليف هاري كولينز ترجمة: هاشم أحمد محمد.
  3. أشهر 50 خرافة في علم النفس، تأليف سكوت ليلينفد وستيفن جاي لين وجون روشيو وباري باريستاين، ترجمة: محمد رمضان داود وإيمان أحمد عزب.
  4. هل نحن جميعا خبراء علميون الآن؟، مصدر سابق.
  5. أشهر 50 خرافة في علم النفس، مصدر سابق.
  6. هل نحن جميعا خبراء علميون الآن؟، مصدر سابق.
  7. الفيسبوك والفلسفة، بم تفكر؟ ترجمة ربيع وهبة.
  8. هل نحن جميعا خبراء علميون الآن؟، مصدر سابق.

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة