المعماري العثماني "سنان".. قصة الرجل الذي صنع لتركيا تصميم مساجدها الفريد

"أنا المهندس المعماري المبارك والمقدم

أنا شيخ دار ضيافة العالم

الله يعرف أنني بنيت عديدا من بيوت الله

وجعلت ألف محراب مكانا للسجدة

بحمد الله حافظت على إسلامي 

وأجريت بالعدل أحكامي 

حسبي الله لا أعرف قصد الرياء 

انتظر فقط خير الدعاء

ذو المال يبني مسجدا 

وهذا الفقير يسأل الدعاء"

(خوجة سنان)(1)

   

في عام ١٤٩٠م، كانت قرية أغيرناص الصغيرة على موعد مع التاريخ، إذ وُلد فيها صبي سيغيّر اسمها لتُسمّى القرية باسمه بعد عدة سنين وتصبح سنان كوي، أي قرية سنان. يكبر الصبي ويبلغ أشده، وحين يبلغ الثالثة والعشرين عاما يُشهر إسلامه ويمضي ليلتحق بالجيش العثماني، راغبا أن يبتسم له الحظ ويتعلم النجارة ويصبح نجارا بسيطا لا أكثر. 

  

لم يخذل الحظ سنان، بل أجزل له العطاء، حيث صار جنديا من الانكشارية يرافق السلطان في رحلاته وفتوحاته، انضم سنان للجيش الانكشاري ضمن سلاح الهندسة وأثبت براعته هناك. كان الجسر الذي بناه فوق نهر (بروت) في ثلاثة عشر يوما وحسب شاهدا من شواهد عبقريته وتميمة حظه كذلك، حيث أعجب الصدر الأعظم ومن ثم ذكره للسلطان، ليصبح سنان كبير معماريي الدولة العثمانية. 

    

خوجة سنان (مواقع التواصل)

      

لم يشفع له منصبه أمام حبه، وصدق فيه المثل القائل: "لا شفاعة في الحب"، إذ رنا قلب كبير المعماريين إلى ابنة السلطان "السلطانة مهرماه"(2). ولما كان معنى اسمها هو سلطانة الشمس والقمر، بنى سنان لها مسجدين؛ أحدهما في الجزء الأوروبي في منطقة أدرنة كابي، وآخر في الجزء الآسيوي في منطقة أوسكودار، وسر هذين المسجدين أن في يوم ٢١ مارس/آذار من كل عام تغرب الشمس من فوق مئذنة المسجد الأوروبي ليطلع القمر مكتملا فوق مئذنة المسجد الآسيوي، وهذا اليوم هو يوم مولد سلطانة الشمس والقمر (مهرماه)، ويشير بذلك إلى أنه وسلطانته كالشمس والقمر لا التقاء لهما. 

     

   

مقارنة بين مساجد معمار سنان وآيا صوفيا والمسجد الأزرق.

   

يقسم سنان نفسه عمره المعماري إلى ثلاث مراحل: أولها مجمع شاه زاده وأسماها "إبداع العامل المتدرب"، ثم مرحلة جامع السليمانية وأسماها "إبداع المعاون"، وأخيرا جامع السليمية آخر أعماله وأسمى مرحلته "إبداع المحترف أو المعلم". فما الذي كوّن شخصية سنان المعمارية، وما سمات مدرسته الظاهر منها والباطن؟

     

سنان الجوال وسحر آيا صوفيا

"بفضل خلقتي الجميلة من بين أطفال مدرسة "عجمي أوغلانر"، ولعت بحرفة التجارة، وعملت في خدمة معلمي بحزم كساق الفرجار الثابتة تماما، فراقبت منطقتي وما حولها، ثم اهتممت بالتجوال في البلاد الأخرى كساق الفرجار المتحركة أيضا، فجلت وطفت بلاد العرب والعجم خلال خدمتي للسلطان، فما تركت زاوية عالية ولا تكية خربة إلا طفت بها وتجولت، ثم عدت إلى إسطنبول".

(خوجة سنان)

    

اتسع أفق سنان الفكرية كما اتسعت رقعة أراضي الدولة العثمانية، فمن سواحل إيطاليا إلى حلب وبغداد، ومن تبريز إيران إلى القاهرة، ومن الأناضول وإليها. اغترف سنان من حسن السابقين، فمتّع عينيه بآثار السلاجقة والعرب والبيزنطيين، ولأنه معماري لا يقل عن أسلافه عظمة فقد أخذ عنهم وزاد عما وصلوا إليه.

    

المقرنصات التي استخدمها معمار سنان

  

رأى سنان المعمار السلجوقي بمبانيه الشاهقة وقبب مساجده المتنوعة بين الصغر والكبر، ودمج الأحجار الكريمة المنقوش عليها والمحاريب المزخرفة، وابتكار المقرنصات، وهي عنصر معماري وزخرفي يوجد في زوايا القباب لتنقل أعلى المبنى من الشكل المربع إلى الشكل المستدير، فتثبت القبة وترتكز وتكتسب نقطة التقائها بالجدار شكلا جماليا كذلك. ومن مآذن السلاجقة المدببة التي تشبه القلم الرصاص(3) ستكون فيما بعد مآذن تحفته المعمارية "السليمانية". 

    

    

كما احتك سنان بمساجد مختلفة العمر والطراز، وفهم فلسفة بنائها وما هو جوهري في بنية المسجد، إذ هو "مرآة الإسلام" بحسب ما أطلق عليه روجيه جارودي، وكما يقول عفيف البهنسي: "المؤمن في المسجد كائن مرصود للتطلع للسمو الإلهي، متفاعل مع تصاعد آيات عمارة المسجد من المئذنة إلى القبة، وإلى عرائس السماء والزخارف"(4). ومن ثم ابتكر سنان ما يناسب هذه الفلسفة ويخدمها، وراعى الاتصال بالسماء وفلسفة الضوء والظل وترددات الصوت، وغيرها من العناصر الفلسفية لبنية المسجد. 

   

ورغم اتصاله وصلته بمساجد السابقين فإن قلبه وقع كاملا في غرام آيا صوفيا، فكانت آيا صوفيا تحفة بصره التي تحدّته بقدر ما ألهمته وبهرته. كانت آيا صوفيا تحفة عصرها، إذ يصفها ابن بطوطة على أنها "من أعظم كنائس الروم، وعليها سور يطيف بها، فكأنّها مدينة وأبوابها ثلاثة عشر بابا، ولها حَرَم هو نحو ميل، عليه باب كبير لا يُمنَع أحد من دخوله…، وهو شبه مشور مُسطَّح بالرُّخام، وتشقُّه ساقية تخرج من الكنيسة، لها حائطان مرتفعان نحو ذراع مصنوعان من الرُّخام المُجزّع المنقوش بأحسن صَنعة، والأشجار مُنتظِمة على جهتَي الساقية"(5).

   

  

تكمن معجزة آيا صوفيا المعمارية في قبتها شديدة الضخامة، إذ يبدو ارتفاعها ٥٤ مترا، ولقبتها قاعدة من ٤٠ نافذة، تبدو القبة وكأنها معلقة في الهواء للناظر إليها. عمل في بنائها قرابة ١٠ آلاف عامل، وبُنيت وهُدمت قبتها عدة مرات بفعل الزلازل(6)، وكان آخر ترميماتها هو ما فعله سنان، إذ أضاف إلى قبتها المآذن التي عملت على تدعيم القبة وتحصينها ضد الزلازل(7)، وهكذا ترك سنان بصمته على أثره الملهم، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل سعى إلى إنجاز ما هو أعظم من آيا صوفيا. 

   

"أعظم من آيا صوفيا".. السليمانية تحفة سنان المعمارية

"عظمة فريدة من نوعها، ومقدرة خارقة، إن للسليمانية سحرا يفوق آيا صوفيا"

(تشارلز ديهل، مؤرخ فرنسي) 

  

كان أول ما تعلّمه سنان من آيا صوفيا وطبّقه هو اختيار مكان رائع يناسب تحفة معمارية جديدة، فبنى مجمع السليمانية على ربوة تتحكم في كلٍّ من الخليج الذهبي والبوسفور. كان السليمانية مجمعا ضخما يضم ثمانية عشر بناء؛ بين دار إطعام للفقراء وبيمارستان ومدرسة للطب وحمام، وكان المسجد هو محور هذه المباني كلها(8). وهنا نرى في هذا المجمع اجتماعا لفلسفة سنان المعمارية التي كان يلخصها هو نفسه بثلاث كلمات: "القوة، والنفعية، والجمال"، وهي قوة تتحدى الزمن، ونفعية ينتفع بها الناس، ولا تكون تحفة دون معنى، وجمال ينقّي نفس الناظر إليه ويذكّره بجمال الله الأعظم(9).

          

ولما كان غاية عظمة آيا صوفيا هي قبتها فقد أبدع سنان للسليمانية قبة تشبه السماء بارتفاع ٥٣ مترا، ترتكز على أربعة أعمدة تشبه أقدام الفيل، وعلى القبة حفر كبير الخطاطين "حسن قرة حصاري" آية: "إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا"(10). تحف القبة ٣٢ نافذة ذات أقواس مستديرة، ويضم المسجد أكثر من مئة نافذة بزجاج ملون، لحفظ توازن وصول النور إلى كل زوايا المسجد. أما المآذن، فللمسجد أربع مآذن سامقات، اثنتان منها يزيد ارتفاعها على ٧٤ مترا.

     

قبة السليمانية من الداخل (رويترز)

    

ولأن سنان يضع القوة ضلعا في مثلث فلسفته فقد خشي أن تصيب الزلازل مسجده فتفعل به كما فعلت بآيا صوفيا، فأخذ يضع أساسات المسجد ثم يقويها، ثم تركها لمدة عام ليختبر صلابتها وتأثرها بالزلازل أو غيرها من العوامل، ولما تأكد مما أراد جمع عمدان المسجد كل عمود من بلد مختلف، وكان طول أحدها مثل طول مئذنة كاملة، ثم أتى بالمرمر من جزيرة مرمرة، والمرمر الأخضر من جزيرة العرب، وغيرها من مختلف البلدان حتى قصر بلقيس ومعبد سليمان(11). 

   

وفي ظل انشغاله ببناء المسجد وشى به نفر إلى السلطان قائلين: "أدرك مسجدك؛ فإن سنان يدخن الشيشة في محرابه"، فذهب السلطان ليتأكد بنفسه، فسمع أصوات الشيشة وسأله عن ذلك، فأجاب سنان: "بل هي أكثر من شيشة، لكنها جميعا بلا دخان، وقد وزعتها في كل المسجد لأحسب توازن الصوت وصداه"، فسُرَّ السلطان لجوابه، وانبهر بصنيعه، حتى إنه جعله هو مَن يفتتح المسجد في حضرته(12).

   

وخلافا لآيا صوفيا وامتيازا عنها، لم يكتفِ سنان بباب واحد، بل اشتمل مسجده على عدة أبواب صُنعت من خشب الأبنوس وزيّنتها الزخارف، وبعكس آيا صوفيا التي يكسوها الظلام، أنار سنان مسجده بأربعة آلاف قنديل(13)، وأحدث سنان فتحات صغيرة للتهوية تحت القبة ليضمن تيارا صاعدا يجذب وراءه الدخان المتصاعد من لمبات الزيت المستخدمة بكثرة لإضاءة المسجد. ويتسع المسجد لخمسة آلاف مصلٍّ. 

   

لم يُرضِ السليمانية على عظمته طموح سنان، فأبى إلا أن يصنع ما يفوق آيا صوفيا لا ما يماثله، فبنى السليمية بأدرنة الذي تفوق قبته قبة آيا صوفيا، وتعانق مآذنه السماء، ويقول عنه سنان: 

   

"كان المعماريون الغربيون يفتخرون علينا قائلين: لنا الغلبة على المسلمين؛ فلم تُبنَ قبة في الدولة الإسلامية مثل قبة آيا صوفيا، وكانوا يزعمون أن من الصعوبة البالغة إقامة قبة كبيرة بهذه الدرجة، ويقولون: لو كان بإمكانهم عمل مثلها لفعلوا ذلك من قبل. كانت هذه الكلمات تؤلمني كثيرا، وبفضل الله استطعت في عهد السلطان سليم خان تشييد هذه القبة العظيمة، أعلى من قبة آيا صوفيا بست أذرع، أما محيطها فأوسع بأربع أذرع"(14).

     

مسجد السليمية (مواقع التواصل)

 

كان السليمية غاية ما وصله إبداع سنان، إلى حد أن الجيش البلغاري أثناء انسحابه من أدرنة عزم على تدمير المسجد، فلما عرض الأمر على قيصرهم (فرديناد) قال: "لا أستطيع أن أتحمل مسؤولية كهذه أمام التاريخ، ولا أستطيع أن أُصدر أمرا كذلك"(15).

  

الدرويش يبني.. المعنى الصوفي لعمارة سنان:

"إلهي بحرمة أسمائك الحسنى

وبعزة حبيبك المصطفى

وبحرمة قربة الأولياء منك

وبسر كنز الأولياء 

ونصرته ضد الأعداء

اجعل توفيقك حليفي

واجعل أساس هذا المبنى قويا".

(سنان)

   

كان التصوف رفيق الدولة العثمانية يخطو معها دربا بدرب، وانتشر التأويل الباطني للقرآن ولتعاليم الدين بأكملها، وانقسم المعنى إلى قسمين: ظاهري يتعمق فيه بالفقه، وباطني يتعمق فيه بالتصوف(16). وبالنظر إلى مذكرات سنان فإننا نرى السمت الصوفي جليا فيها، فهو يسبغ مسجد السليمانية معنى باطنيا آخر، فعلى حد قول رجب أشتاتورك في كتابه "روح العمارة الإسلامية": "فالسليمانية وعالم الكون متماثلان؛ فالمسجد مستور بقبة واحدة، والقبة التي ترمز لتلاوة القرآن مماثلة للنبي الذي يعبر عن الوحي". ويشبّه المعماري سنان نفسه بفرحات الذي حفر الجبل وفتح طريقا ليذهب لمعشوقته، فالرمزية هنا بين العشق البشري والإلهي كانت موضوعا أساسيا في أيامه(17)، فيقول سنان: 

"كسبه بعشق شيرين نفوذه في الحجر

انظروا إلى فرحات وهو حافر للجبل والحجر

ذو الروح يعطي روحا بالمحنة لفنه

كلما جاء على رأس العمل أستاذه".

     

  

فالعشق هو دينه وديدنه لبناء السليمانية، يقدمه هدية لمعشوقه ويبتهل إليه أن يقبل هديته، والسليمانية على هيئة الكعبة مربع مرفوع على أربع أعمدة، والكعبة في الفكر الصوفي هي مقام الوصل، فيقول: 

"والكعبة هي المثال الذي أستقي منه هذا الجامع

وتمثل الخلفاء الأخلاء الأربعة فيه أربعة أركان

وبيت الإسلام أيضا على أربعة أركان

بيت قد استحكم بوجود الأخلاء الأربعة

ويود هذا العبد المناجي الراجي عفو ربه بحبه لهم

أن يصبح ريحا ينسم ليل نهار

وقدوة همه الربح العظيم يوم القرار". 

  

أما قبة السليمانية وأعمدته فهي النبي محمد وخلفاؤه الأربعة، فيقول سنان: 

"أحضرت لهذا الجامع الأركان الأربعة التي تشبه أربع أشجار أصولها ثابتة في الأرض وفروعها في السماء، والتي نبتت في حديقة الإسلام، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي".

  

كما ترمز القبة إلى التوحيد، فهي سنام المسجد كما أن التوحيد سنام الدين، وترتكز على أعمدة أربعة كما يرتكز التوحيد على أركان أربعة، كما يقول المؤرخ المعماري غودفري غودوين إن "الترقي والحركة في الجامع دائما تكون إلى الأعلى؛ أي إلى القبة، وهو مقام التوحيد". 

   

أتى سنان بالأعمدة من أربعة أقطار؛ من مصر (الإسكندرية)، وروما (حجر الآنسة)، وبعلبك، وقصر عثماني، ويشير سنان إلى أن عمود حجر الآنسة الأبيض هو مستقر فلك السماء، وأن القبة بالآية المحفورة عليها كموج يزين بحرا شاسعا، فيقول: 

"منظر الرخام الزاهي يعكس الجمال السرمدي لموج البحر". 

   

  

وألوان النوافذ لسنان ترمز إلى الروح الأمين وتعدد ألوان أجنحته، فيقول: 

"إن النوافذ هي مرآة تنظر بها إلى العالم

والنوافذ أجنحة الروح الأمين".

 

بل حتى ارتفاعات المسجد لها في نفس سنان غرض آخر، فارتفاع الدائرة السفلي للقبة ٤٥ ذراعا، وارتفاع علمها ٦٦ ذراعا، وبحساب الأبجدية يقابل ٤٥ كلمة آدم، ويقابل ٦٦ لفظ "الله". 

 

نغّم سنان معزوفته في بناء السليمانية، وأبدع ظاهرا في روعة البناء، وباطنا فيما اعتقد وانغمس وأحب. وبذلك فقد استحق لقبه الذي خلعه عليه الألماني كلوك، أستاذ العمارة في جامعة فيينا، أنه "مايكل أنجلو الشرق"، ولقبه السلطاني "كبير معماريي العالم"، ولقبه الذي خلعه على نفسه "الفقير الحقير سنان".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

إذا استمر تسريب البيوت إلى المستوطنين خلال الخمس سنوات القادمة، عبر البيع المباشر (بأموال إسرائيلية) أو الوسطاء (بأموال عربية)، ستتحول أجزاء كبيرة من البلدة القديمة إلى مناطق يهودية السكن.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة