بقيادة أصغر فاتح في الإسلام.. كيف دخل المسلمون بلاد الهند والسند؟

اضغط للاستماع

  

إِنَّ الشَّجَاعَةَ وَالسَّمَاحَةَ وَالنَّدَى … لِمُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ

قَادَ الْجُيُوشَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ حَجَّةً … يَا قُرْبَ ذَلِكَ سُؤْدُدًا مِنْ مَوْلِدِ

   

لطالما اشتهر العربُ قبل الإسلام بجاهليّتهم؛ جاهلية يُستشعر من ورائها أن أهلها لم يُدركوا حدود العالم من حولهم، وطبيعة الشعوب التي أحاطت بهم، لكن هذا التصور سرعان ما يتبدّد حين ندرك أن العرب كأي أمة قديمة عملت بعض قبائلها في الرعي وبعضها في الزراعة وبعضها الآخر في التجارة، وجاء على رأس هؤلاء التجار قريش سادة مكة، وسدنة الكعبة المشرّفة، فضلا عن عرب اليمن والحيرة وغيرهم.

   

وقد اتصل عرب الشام واليمن مثل الغساسنة والمناذرة وأبناء سبأ القديمة بتجارة الهند التي كانت تمر ببلاد فارس عن طريق المحيط الهندي والبحر الأحمر، فحمل اليمنيون البضائع، فمنها ما كان من نصيب قريش في رحلة الشتاء الشهيرة التي ورد ذكرها في سورة "قريش"؛ ليسيروا بأكثرها في رحلة الصيف إلى بلاد الشام، ومنها ما كان من نصيب تجار مصر ليقايضوا عليه تجّار الرومان والإغريق بموانئهم على ربح طائل وفير[1].

  

وحين جاء الإسلام وافتتح المسلمون الجزيرة العربية كاملة ثم الشام وفارس (إيران)، بدأت أنظارهم تتطلع نحو ما وراء تلك البلدان، كبلاد ما رواء النهر في أقصى الشمال الشرقي من فارس، أو بلاد السند (باكستان) والهند في أقصى الجنوب الشرقي التي كانت تُعرف بينهم ببلاد العجائب والغرائب. فكيف كانت محاولاتهم تلك التي استمرت على مدار عقود في القرن الأول من الإسلام؟ ولماذا خاف بعض الخلفاء الراشدين من هذه البلدان البعيدة؟ وكيف تكلَّلت الفتوحات في نهاية المطاف بالنجاح والانتشار؟ ومَن الذي قاد فتح تلك البلدان ولماذا اشتهر وكيف انتهت حياته بمأساة لا ذنب له فيها؟!

  

    

الخلفاء الراشدون واستكشاف الهند

بدأ التفكير في استكشاف تلك البلدان والتعرف على دقائقها في عهد الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حين شرع واليه على البحرين وعُمان عثمان بن أبي العاص الثقفي سنة 15 من الهجرة في تسيير جيشه إلى السند والهند، وأنفذ بالفعل هذا الجيش قبل أن يردَ إليه جواب عمر الذي جاء فيه: "يا أخا ثقيف حملتَ دودا على عودٍ، وإني أحلفُ بالله أن لو أُصيبوا لأخذتُ من قومك مثلهم". وكان عثمان بن أبي العاص قد وجّه أخويه الحكَم والمغيرة إلى بلاد الهند، فوصل فريق منهم إلى خور الدّيبل فلقي العدو وظفر به، والآخر إلى منطقة تُسمى بروص قرب مدينة سورت الهندية اليوم[2].

   

ويبدو من رد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن إستراتيجيته كانت تُعارض ركوب المسلمين للبحار، وتلك فكرة تجلّت عنده على الدوام حين تردّد بالموافقة على فتح مصر والإسكندرية تحديدا لوجود مانع مائي هو النيل قد يفصل بين المسلمين وبين قيادتهم المركزية في المدينة المنورة، وكذلك حين منع واليه على الشام معاوية بن أبي سفيان من ركوب البحر المتوسط لفتح جزيرة قبرص.

  

غير أن هذه الإستراتيجية تغيّرت مع مجيء الخليفة الثالث عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، إذ أذن لمعاوية بغزو قبرص، وأرسل إلى واليه على العراق عبد الله بن عامر بن كريز يأمره بالتوجه إلى بلاد الهند التي كانت على ثغور الدولة الإسلامية حينئذٍ ليستكشفها، ويرسل إليها رجلا حاذقا، وقد وجّه ابنُ عامر بالفعل قائده حكيم بن جبلة العبدي الذي بقي فيها فترة من الزمن، أدرك دقائقها، وعرف خفاياها، فعاد إلى الخليفة عثمان في المدينة النبوية، حيث سأله عنها، ليجيبه حكيم:

  

"ماؤها وشْلٌ، وثمرُها دقْل، ولصُّها بطل. إن قلَّ الجيشُ فيها ضاعوا، وإن كثر جاعوا. فقال له عثمان: أخابر أم ساجع؟ قال: بل خابر. فلم يغزها أحد، فلما كان آخر سنة 38 هـ وأول سنة 39 هـ في خلافة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، استأذن منه الحارث بن مرّة العبدي متطوعا بإذن علي فظفر وأصاب مغنما وسبيا ثم عاد"[3].

   

على أن دخول الدولة الإسلامية في فترة الفتن والقلاقل منذ استشهاد عثمان ثم علي ثم مجيء الدولة الأموية التي سرعان ما واجهت أحداثا جساما بعد استشهاد الحسين بخروج عبد الله بن الزبير بن العوام، ووفاة يزيد بن معاوية وتنازل ابنه معاوية الثاني عن الخلافة، فضلا عن غيرها من الأحداث الأخرى؛ كل ذلك قد أوقف من الفتوحات الخارجية بما في ذلك استكشاف السند والهند، ومتابعة مستجداتها السياسية وأخبارها.

  

السند وتجهيز الجيوش

مع انتصار عبد الملك بن مروان وإعادة توحيد الدولة من جديد، والقضاء على المناوئين، وتعيين الحجاج بن يوسف الثقفي على العراق الذي كان موطن الثورات والعصيان المسلح لعقود متطاولة، وإعطائه صلاحيات واسعة شملت تعيين ولاة فارس وخراسان وبلاد المشرق، كان من رأيهما أن يُعيدا عمليات الفتوح الإسلامية التي توقفت منذ زمن، وقد حاول بالفعل عدة محاولات على استحياء لكنها لم تصل إلى مبتغاها بسبب وجود الخارجين على الدولة الأموية في مناطق مكران وغيرها من المناطق المحاذية لإقليم السند (باكستان) التي كان يحكمها حينذاك الملك داهر[4].

    

الملك داهر (مواقع التواصل)

      

غير أن الذي أشعل من حماسة الحجَّاج ودفعه إلى تجهيز حملة عسكرية هو أن بعض القراصنة التابعين لإقليم السند من "ميد الديبل" قد تعرّضوا لسفينة قادمة من جزيرة سيلان (سريلانكا) كان على متنها بعض النساء المسلمات الأرامل وبناتهن لبعض تجار المسلمين الذين تُوفوا في تلك الجزيرة، وقد أرسل الحجاج إلى داهر ملك السند يأمره ويحضه على فكاك أسر هؤلاء النسوة؛ غير أنه تعلّل بالعجز وعدم قدرته على هؤلاء القراصنة، فأرسل الحجاج قوة سريعة بقيادة عبد الله بن نبهان انتهى أمرها إلى الهزيمة، فأتبعها بقوة أخرى تزعّمها بُديل بن طهفة البجلي خارجا من عُمان صوب الهند، لكنها انهزمت أيضا[5].

   

عندئذ قرر الحجّاج بن يوسف الثقفي أن يستأذن الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان (ت 96 هـ) في فتح السند، وقد جاءت موافقة الخليفة داعمة للحجاج، ليضع على رأس الحملة العسكرية شخصية شابّة فذّة، ابن عمّه محمد بن القاسم الثقفي، وكان شابا في ريعان شبابه، كان عُمره سبع عشرة سنة فقط يوم بدأ في فتح السند في العام 93 هجرية، وعكف الحجاج على الإشراف العام على مؤن واحتياجات هذا الجيش طوال شهور، واهتم بأدق احتياجات ذلك الجيش، بما فيها الخيوط والقطن والإبر والخلّ، حتى قال البلاذُري عن ذلك في كتابه "فتوح البلدان":

  

"وعقد له (الحجّاج) عَلَى ثغر السّند، وضم إليه ستة آلاف من جُند أهل الشام وخَلقا مِن غيرهم، وجهَّزه بكل ما احتاج إليه حَتَّى الخيوط والمال، وأمره أن يُقيم بشيراز حَتَّى يتتام إليه أصحابه، ويوافيه ما عدله، فعمد الحجاج إِلَى القُطن المحلوج، فنقع في الخل الخمر الحاذق، ثُمَّ جفف في الظل فقال: إذا صرتم إِلَى السند فإن الخل بها ضيق فانقعوا هَذَا القطن في الماء ثُمَّ اطبخوا به واصطبغوا"[6].

   

بطل لم يدخل عُمر الشباب!
محمد بن القاسم الثقفي (مواقع التواصل)

   

تكامل جيش ابن القاسم الثقفي اثني عشر ألف رجل في شيراز، وساروا من فارس جنوبا تجاه مكران بمحاذاة بحر العرب، ومنها إلى الديبل أشهر مناطق السند (باكستان) قرب كراتشي اليوم، وهنالك انضم إلى جيش المسلمين رجال قبائل الميد والجات "الزّط"، وهما قبيلتان سنديتان هاجرَ كثير من رجالها إلى خارج بلادهم لفرط ما كانوا يعانونه من سوء معاملة الحكومة البرهمية التي كانت تدين بالطبقية الهندوكية؛ إذ كانوا في عداد المنبوذين الذين يحرم عليهم امتطاء الدواب أو ارتداء غالي الثياب، ولم يكن يُباح لهم من المهن والحرف إلا أدناها، وقد أفاد المسلمون من هؤلاء الرجال، لمعرفتهم بدروب ومسالك تلك البلاد، فضلا عن شجاعتهم وجلَدهم في الحروب والمعارك.

  

اقترب المسلمون من مدينة الديبل في جنوب السند (جنوب باكستان)، وبدأ ابن القاسم في تشديد حصاره على المدينة، ثم بدأ في إطلاق شرارة الهجوم بدكِّ أسوارها وبيوتها بمنجنيقه الكبير المسمى بـ "العروس" الذي كان يحركه ويشغّله خمسمئة من الرجال الأشداء، وسرعان ما دبّ الرعب بين السكان، وشاعت الفوضى بينهم، ليقتحم المسلمون المدينة، ويهرب ملكها داهر ناجيا بنفسه، وجامعا شتات قواته للدخول في معركة فاصلة، ليؤمن ابن القاسم الناس على دمائهم وأموالهم[7].

  

ثم سار محمد بن القاسم إلى مدينة "البيرون" (حيدر آباد السند حاليا) فصالح أهلها، وجعل لا يمر بمدينة إلا فتحها صلحا أو عنوة، حتى بلغ نهر "مِهران"، فعبر النهر، وكان داهر ينتظره على الناحية الأخرى للانقضاض عليه في معركة حاسمة، ويروي أحد شهود العيان من المسلمين الذين شاركوا في هذه الحملة قائلا: "جاءنا داهر في جمْع كثير ومعه سبعة وعشرون فيلا، فعبرنا إليهم، فهزمهم الله، وهرب داهر، ثم عبرنا إليهم واتّبع عصابةٌ من المسلمين العدوَّ فقتلوهم، ثم رجعوا إلى العسكر، فلما كان في الليل، أقبلَ داهر ومعه جمع كثير، فقُتل داهر وعامّة أصحابه، وانهزم الباقون"[8].

   

  

كان مقتل داهر إيذانا بفتح الطريق أمام محمد بن القاسم وقوات المسلمين للانسياح في بلاد السند، فاتجهوا صوب الشمال إلى منطقة الرور أو راور، وكانت البلاد تقابله مستسلمة طالبة الأمان، حتى وصل إلى "ملتان" فقاتله أهلها، وكانت من أهم مناطق السند وأكثرها كثافة، وهي إحدى قواعد إقليم البنجاب، لكنهم انهزموا بعد حصار شديد، واستولى المسلمون على غنائم هائلة من الذهب الذي كان يُهدى لمعبودات السند والهنادكة وأصنامهم، وحين أُرسلت هذه الغنائم للحجَّاج، ورأى النجاحَ العظيم لحملة ابن أخيه قال: "شَفينا غيظنا، وأدركنا ثأرنا، وازددنا ستين ألف ألف (ستين مليون) درهم، ورأس داهر"[9].

   

لم يتوقف زحف المسلمين صوب الشمال حتى بلغوا مدينة برهمن آباد، وكان قد فرّ إليها أحد أبناء داهر، يُدعى جاي سنك، بعد سقوط الرور أو راور، فأحكمَ تحصينها، وسدّ منافذها، واقتحمَ الغزاة المدينة على أهلها بغتة وعنوة، فلم يملك ابن داهر إلا الفرار شمالا مستجيرا بملك كشمير، وأقام ابن القاسم الثقفي وقواته في هذه المدينة فترة من الزمن دبّر فيها شؤون المناطق المفتوحة، ونظّم إدارتها، وأكرم رؤساء الهنادكة من رجال الدين هناك، وأطلق لهم حرية العبادة على أن يوالوا المسلمين، ويدفعوا ما يُفرض عليهم[10].

   

وسرعان ما لمع اسم ابن القاسم بين الناس في العالم الإسلامي، لا سيما حين بلغهم أنه فتح تلك الأقاليم العصية، والجيوش الكثيرة العدد، بلاد الأدغال والأفيال عظيمة الاتساع والعوائق، وهو لا يزال في بداية الشباب بعمر السابعة عشرة، وقد مدحه المادحون آنذاك، منهم يزيد بن الحكَم الذي قال فيه[11]:

  

إِنَّ الشَّجَاعَةَ وَالسَّمَاحَةَ وَالنَّدَى … لِمُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ

قَادَ الْجُيُوشَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ حَجَّةً … يَا قُرْبَ ذَلِكَ سُؤْدُدًا مِنْ مَوْلِدِ

   

 

توقف الفتوحات!

كان لإطلاق القائد محمد بن القاسم لأهل السند حرية العبادة، وجميل المعاملة، وتأمينهم على أموالهم وأنفسهم، أكبر الأثر في تعرف وتقرب هؤلاء الناس من الإسلام، وتوطيد مركز المسلمين بينهم، وبعدما وطّد ابن القاسم قدم المسلمين في إقليم السند (باكستان وبعض أقاليم الهند)، أرسل إلى رئيسه وابن عمّه الحجاج في العراق يستأذنه في استمرار الفتوحات ودخول مملكة قنوج أعظم إمارات الهند الشمالية، وكانت إمارة شاسعة تمتد من حدود السند إلى إقليم البنغال (بنجلاديش)، وقد قابل الحجاج الأمر بالموافقة والترحيب[12].

  

حينها، بدأ القائد الشاب ابن القاسم في تجهيز جيشه الذي بلغ عشرة آلاف مقاتل، لكنه أرسل قبل ذلك بعثة إلى ملك ولاية قنوج الهندية تطالبه إما بدخول الإسلام أو بالجزية، وبينما ابن القاسم يستعد لهذا الجهد العظيم؛ إذ جاءه خبر وفاة ابن عمّه وداعمه وعضده الأول الحجاج بن يوسف الثقفي في العام 95 هـ ثم وفاة الخليفة الأموي المؤيد لهذه الحملة، الوليد بن عبد الملك بن مروان في العام التالي سنة 96 هـ[13]، وارتقاء سليمان بن عبد الملك بن مروان، حينذاك تغير المشهد بالكلية.

    

  

كان سليمان بن عبد الملك بن مروان (96-99 هـ) يكره الحجاج بن يوسف وعائلته كرها شديدا؛ لأنه أيّد الوليد بن عبد الملك حين حاول تعيين ابنه وليا للعهد بدلا من سليمان، ورغم وفاة الحجاج قبل ارتقاء سليمان بعام واحد، فإن هذا لم يمنعه من إنزال نقمته على كل مَن يمتّ له بصلة، بمَن فيهم الفاتح الشاب محمد بن القاسم الثقفي الذي كان يخترق السند ويستعد للدخول إلى الهند وهو لمّا يبلغ التاسعة عشرة من عمره بعدُ، ومن هنا أرسل سليمان بن عبد الملك إلى محمد بن القاسم يطالبه بالتوقف، بل والمجيء إلى دمشق عاصمة الدولة الأموية، وفي تلك الأثناء ارتقى صالح بن عبد الرحمن واليا على العراق والشرق من قِبل سليمان وكان من أعدى أعداء الحجاج؛ إذ قتل الحجاج أخاه[14].

  

مع مجيء أعداء الحجاج وعلى رأسهم صالح بن عبد الرحمن والي العراق الجديد، لم يكن القرار مجرد سحب محمد بن القاسم الثقفي من بلاد السند وإيقاف عمليات الفتوح والتوسع؛ إذ اتُّخذ بالانتقام، لا سيما أن الحجاج بن يوسف الثقفي أبقى من بعده تركة ثقيلة من الأعداء من الطبقات الاجتماعية كافة، من الخليفة الجديد رأسا، ثم الوالي الجديد، ثم أسرة المهلب بن أبي صفرة التي كان لها ثأر مع الحجاج وأقاربه، حينها أدرك ابن القاسم أن النهاية قد لاحت!

  

نهاية حزينة لبطل عظيم!

  

كان انسحاب محمد بن القاسم فاتح السند مهينا على نفسه؛ إذ بدلا من أن يذهب إلى دمشق عاصمة الأمويين والمسلمين تستقبله الجماهير بالبشرى والاحتفال والترحاب، قرر مناوئوه أن يقدُمَ في أغلال المجرمين، ثم سلمه الخليفة سليمان بن عبد الملك إلى أكبر أعدائه في العراق صالح بن عبد الرحمن الذي حبسه في سجن واسط، لاقى فيها ابن القاسم أشد أنواع التعذيب والإهانة، وقد أدرك أن نهايته قريبة، فقال يرثي نفسه[15]:

    

فَلَئِنْ ثَوَيْتُ بِوَاسِطٍ وَبِأَرْضِهَا … رَهْنَ الْحَدِيدِ مُكَبَّلا مَغْلُولَا

فَلَرُبَّ قَيْنَةِ فَارِسٍ قَدْ رُعْتُهَا … وَلَرُبَّ قَرْنٍ قَدْ تَرَكْتُ قَتِيلَا

   

ويُعلِّق المؤرخ الدكتور عبد الله محمد جمال الدين أستاذ التاريخ بدار العلوم جامعة القاهرة على هذه النهاية المأساوية لمحمد بن القاسم الثقفي قائلا:

"إن المرء ليعجب كيف تنتهي حياة ذلك الشاب بهذه الصورة المريرة، وهو الذي فتح كامل بلاد السند، ونشر الإسلام في أرجائها كافة في فترة قياسية لم تتجاوز السنوات الثلاث؟ كيف يواجه محمد بن القاسم هذا المصير المؤلم ويُجزى ذلك الجزاء المهين؟ لقد تضاءلت أمام أعماله الحربية والسياسية عظمة الإسكندر "المقدوني" وشهرته؛ إذ بينما عجز الإسكندر قبل ألف عام عن الاستيلاء على قسم ضئيل من الهند كان سكانه أقل من ربع السكان زمن ابن القاسم؛ استطاع هذا الفتى أن يُخضعها ويُلحقها بالدولة الإسلامية من غير كبير عناء. وقد قال مؤرخ إنجليزي: لو أراد ابن القاسم أن يستمرَّ بفتوحاته حتى الصين لما عاقه عائق، ولم يتجاوز أحد من الغزاة فتوحاته إلى أيام الغرنويين. لقد كان واحدا من عظماء الرجال في كل العصور"[16].

 

ولقد وقف بعض رجالات الإستراتيجية العسكرية في أيامنا هذه أمام فتوحات ابن القاسم مندهشين من حجم منجزه الضخم في فترة لم تتجاوز ثلاث سنوات فقط، من هؤلاء اللواء الركن العراقي محمود شيت خطاب الذي قال عن فتوحاته: "إن المتجول في المناطق التي فتحها محمد بن القاسم يجدُ في هذه الأيام التي تقطع بها تلك المسافات الشاسعة بوسائط النقل السريعة ومنها الطائرات صعوباتٍ كبيرة في تنقّله؛ لطول المسافات وسعتها، ولا يكاد يُصدّق أن العرب المسلمين قطعوا تلك المسافات مشيا على الأقدام، أو ركوبا على الإبل والخيول والدواب، مما يزيد في إعجابه الشديد"[17].

  

   

   

والحق أن أثر محمد بن القاسم لم يتوقف على مجهوده العسكري، وسرعة حسمه للمعارك لصالحه، وصغر سنه المدهش أمام تلك الأحداث التي أدارها بذكاء ونباهة الشباب، وحكمة وتعقُّل الشيوخ وأصحاب التجارب، وإنما تجلّى أثره أيضا في ميدان الأخلاق والتعامل مع أهل السند، حين قضى على الطبقية الهندوكية التي كانت تُصنِّف الناس إلى سادة وعبيد، وحين عامل أهل البلاد باللين والحسنى، وتدبير أمورها وتأليف قلوب أهلها، ثم إنه فوق ذلك أوكل كل الأمور الإدارية لأهل البلاد الأصليين من الزط والهنود والبنجاب، نائبين عنه[18]، وقد أثمرت هذه السياسة في سهولة عملياته العسكرية؛ إذ صاحبته سمعة طيبة بين أهل البلاد الذين رأوا فيه شابا عسكريا، ورجلا ذكيا يراعي أحوالهم وطبائعهم وضعفهم، فانتشر الإسلام بفضل هذا الجهد العظيم لفتى لم يبلغ العشرين من عمره قبل رحيله.

  

لقد ترك ابن القاسم بلاد السند وأجزاء لا بأس بها في أقاليم الهند في حاضنة الإسلام، وسرعان ما عمل الدعاة على نشر الدعوة، وإقامة المساجد، واشتهر بين أهل السند وجنوب الهند رجال من عينة مالك بن دينار، فأثمر الينع، ودخل الناس في دين الله أفواجا، ولم يطرق بلاد الهند من بعد محمد بن القاسم الثقفي ولعدة قرون قادمة طارق إلا ذلك القادم من أفغانستان أو غزنه، حين جاءها فاتح تركي آخر بلغت سنابك خيله دلهي عاصمة الهند وما وراءها، وتلك قصة أخرى!

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة