المال ليس مجرد رقم.. كيف تعلم طفلك قيمته في عصر الدفع بالهاتف؟

حفظ

قد يبدو الهاتف للأطفال مصدرا لا ينفد من المال، حين لا يرون أثر المشتريات في الرصيد (بيكسلز)

مع تحول الهواتف إلى وسيلة أساسية للتسوق وإجراء المعاملات المالية، بات الأطفال يشاهدون عمليات الشراء من دون أن يروا المال ينتقل من يد إلى أخرى.

فالهاتف الذي يستخدمه الوالدان لشراء الطعام والملابس والمستلزمات اليومية قد يبدو للصغار مصدرا لا ينفد من المال؛ إذ تتم المدفوعات بلمسات على الشاشة، من دون أن يلاحظوا تناقص النقود كما يحدث عند الدفع نقدا.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

ورغم ما وفرته التكنولوجيا من سهولة وسرعة في التعاملات المالية، فإنها جعلت فهم المال وحدوده أقل وضوحا لدى الأطفال؛ فكيف يدرك الطفل قيمة ما ينفقه، ويتعلم إدارة أمواله، إذا كان لا يراها إلا أرقاما على الشاشة؟

اجعل مالك مرئيا.. حتى لو على الشاشة

لم يختف المال من عصرنا الحديث، لكن بالطبع تغيرت صورته بشكل جذري. وعوضا عن العملات والأوراق النقدية التي يمكننا عدها، أصبح يأتي في صورة رصيد إلكتروني أو بطاقات بلاستيكية أو حتى أرقام مجردة داخل تطبيقات.

هذا كله أسهم في تغيير تقديراتنا للمال والعمليات الشرائية، وقلل من تأثيرها كثيرا عما كانت عليه في السابق، والأطفال بالتحديد هم الأكثر عرضة لهذه الأزمة.

ولتدارك سوء التقدير، تشير صحيفة الغارديان البريطانية إلى أن التعامل مع النقود في مواقف حقيقية يساعد الأطفال على استيعاب قيمتها بشكل كبير. وتنقل عن إيمس لورد -مديرة مشروع تعليم الرياضيات بجامعة كامبريدج- أهمية شرح المعاملات المالية أثناء التسوق، بما في ذلك كيفية انتقال النقود من الحساب البنكي عند الدفع بالبطاقة.

ولا يتعلق الأمر بتعليم الطفل في المراحل الابتدائية والإعدادية إجراء عملية حسابية فحسب، وإنما فهم العلاقة بين الدخل والرصيد والإنفاق قبل أي عملية شراء بالهاتف.

والأهم ألا يكون الطفل مجرد متفرج على عمليات الدفع، إذ يستطيع الوالدان إطلاعه على رصيد مخصص للمشتريات، ثم توضيح مقدار انخفاضه بعد الإنفاق، وهكذا يصبح المال الرقمي أكثر من مجرد شيء تجريدي.

سهولة الدفع بلمسة واحدة تجعل تعليم الأطفال التخطيط للإنفاق أكثر أهمية
سهولة الدفع بلمسة واحدة تجعل تعليم الأطفال التخطيط للإنفاق أكثر أهمية (بيكسلز)

الأموال الافتراضية في الألعاب الرقمية

كثير من الألعاب الرقمية التي تستهوي الأجيال الشابة لديها شكل من أشكال العملات أو النقود الافتراضية، التي قد تكون أكثر أشكال الأموال إرباكا للأطفال.

إعلان

إذ يستطيع اللاعب استخدام عملات خاصة لشراء ملابس لشخصيته أو إضافات تمنحه تجربة مختلفة. ولأن الأسعار لا تظهر بالعملة المتداولة خارج اللعبة، فقد يصعب عليه تقدير ما ينفقه فعليا.

وعن ذلك توضح فيكي شوتبولت -مؤسسة منظمة "بارنت زون" المعنية بالأبوة والأمومة الرقمية- في تقرير آخر للغارديان أيضا أن استخدام العملات الافتراضية يخلق مسافة بين النقود الحقيقية وعملية الشراء، مما قد يجعل الإنفاق يبدو امتدادا للعب.

وتزداد المشكلة حين تباع العملات الافتراضية في باقات تفوق ما يحتاج إليه الطفل لشراء عنصر معيَّن داخل تلك الألعاب، فيدفع أكثر من المطلوب، ثم يجد أمامه رصيدا متبقيا يشجعه على الشراء مجددا.

في دراسة أجراها باحثون بجامعة سيدني، ونقلتها الصحيفة ذاتها، مُنح 22 طفلا تتراوح أعمارهم بين 7 أعوام و14 عاما بطاقة بقيمة 20 دولارا لإنفاقها كما يشاؤون، واختار 12 منهم إنفاق المبلغ كاملا على شراء عملة داخل لعبة رقمية.

وكشفت مقابلات الباحثين مع الأطفال عن شعور بعضهم بالندم أو الخداع بعد شراء عناصر افتراضية لم تلبِّ توقعاتهم، أو فقدوا إمكانية استخدامها دون استرداد أموالهم لشراء أشياء أكثر قيمة أو متعة بالنسبة لهم، مما يثير تساؤلات بشأن مدى فهم الأطفال لما يشترونه داخل الألعاب فعلا.

بالطبع لا يستدعي ذلك منع الشراء داخل الألعاب للأطفال في الأعمار المناسبة، بل تحديد ميزانية واضحة، وتوضيح الأسعار بالعملة الحقيقية، مع عدم ربط حسابه ببطاقة مصرفية تسمح بالإنفاق دون رقابة. كذلك من الضروري توخي الحيطة تجاه الروابط الاحتيالية (SPAM) التي تعد الأطفال بعملات مجانية، بهدف سرقة بيانات حساباتهم.

مشاركة الطفل في قرارات الشراء اليومية تعلّمه الموازنة بين رغباته والمال المتاح
مشاركة الطفل في قرارات الشراء اليومية تعلّمه الموازنة بين رغباته والمال المتاح (بيكسلز)

ماذا يتعلم الطفل في كل عمر عن المال؟

تختلف المهارات المالية التي يمكن للأطفال استيعابها بحسب أعمارهم. ويقدم موقع "ماني هيلبر" البريطاني دليلا للتدرج في تعليمها:

من 6 إلى 8 سنوات: ينصح الموقع بشرح أن الدفع بالهاتف أو البطاقة يعني إنفاق نقود حقيقية، ويقترح استخدام بطاقات الهدايا محدودة القيمة ليتعلم الطفل أن الرصيد ينفد مع الشراء. ويمكن للأهل أيضا عرض مبلغ مخصص للمشتريات، وتوضيح ما يتبقى منه بعد كل عملية دفع.

من 9 إلى 11 سنة: يوصى بتعليم الأطفال متابعة رصيد الهاتف وبطاقات الهدايا، والتخطيط لإنفاقها. ويمكن استغلال مشتريات الألعاب الإلكترونية لمناقشة تكلفتها الحقيقية، والاختيار بين إنفاق الرصيد على إضافات صغيرة أو الاحتفاظ به لشراء لعبة أخرى.

من 12 إلى 14 سنة: يمكن الانتقال إلى مهارات أكثر تعقيدا، مثل قراءة سجل المعاملات، واستخدام بطاقة مسبقة الدفع بإشراف الوالدين، والتعرف إلى الاحتيال الإلكتروني.

وربما يكون أهم ما يحتاج الطفل إلى تعلمه في زمن الدفع بضغطة واحدة أن سهولة الحصول على الأشياء لا تعني أنها بلا تكلفة، وأن رصيد المال الظاهر على الشاشة ليس وعدا بمشتريات لا تنتهي، بل مجموعة اختيارات تتسع لبعض الرغبات وتضيق عن أخرى.

المصدر: الجزيرة

إعلان