عندما يرتدي الطفل عباءة الأب.. الوجه المظلم لمتلازمة الابن الأكبر

يسود اعتقاد عام بأن "ترتيب الولادة" يحدد مدى ذكائنا، وتحملنا للمسؤولية، وقدرتنا على التفاعل الاجتماعي، وانفتاحنا على التجارب الجديدة. لكنه اعتقاد أثار الجدل لأكثر من 100 عام، وظل النقاش بشأنه مستمرا دون نتائج واضحة.
وفي عام 2015، نُشرت دراستان قدمتا أدلة على أن ترتيب الولادة لا يرتبط بتطور سمات الشخصية، أو يرتبط به ارتباطا طفيفا جدا، وأن علاقته بالذكاء والقدرات العقلية ضئيلة للغاية؛ إذ سجل المواليد الأوائل درجات أعلى قليلا مقارنة بإخوتهم الأصغر سنا.
قصص مقترحة
list of 2 itemsوهو ما يقودنا إلى الحديث عن وضع الابن الأكبر داخل الأسرة، وما قد يشعر به من ضغط ليكون مثاليا، ويسعى نحو الكمال، ويُظهر القدرة على القيادة، ويلبي التوقعات العالية التي يضعها والداه؛ إلى حد قد يدفعه إلى تقمص أدوار تشبه أدوارهما، على حساب طفولته.
ويشار إلى هذه الضغوط أحيانا بتعبير "متلازمة الابن الأكبر"، وهو وصف شائع وليس تشخيصا نفسيا معتمدا. وقد تتضمن تحميل الطفل مسؤوليات وأدوارا تتجاوز سنه، وتندرج ضمن ما يُعرف بـ"تحميل الطفل أدوار الوالدين".
وتستحق هذه الظاهرة مزيدا من الضوء لفهم طبيعتها، والتعرف إلى آراء الخبراء بشأن آثارها المحتملة في شخصية الطفل ونموه.

ملامح "متلازمة الابن الأكبر"
تؤكد الاختصاصية المعتمدة في مجال الزواج والأسرة كاتي مورتون أن "متلازمة الابن الأكبر" حقيقية بالفعل، وهذه أهم علاماتها:
- تحمل المسؤولية في سن مبكرة.
- التوقعات العالية من الوالدين، وما قد تشكله من عبء نفسي كبير على الابن الأكبر.
- النضج المبكر نتيجة للمسؤوليات التي تجعل الابن الأكبر يتصرف كشخص بالغ أكثر من كونه طفلا.
- الخوف من الفشل تحت ضغط المعايير العالية التي يضعونها لأنفسهم، أو التي يفرضها الآخرون عليهم.
- الشعور بالمسؤولية عن حماية الإخوة الأصغر سنا من أي أذى أو مشكلات.
7 سمات مفترضة في الابن الأكبر
بناء على نتائج الدراسات المشار إليها، التي أفادت بأن الأبناء الأوائل قد يتقدمون قليلا في اختبارات الذكاء عن إخوتهم الأصغر.
توضح الدكتورة براندي سميث -الاختصاصية النفسية المعتمدة بولاية ألاباما- أن بعض السمات المرتبطة عادة بالابن الأكبر تشمل:
- الشعور الراسخ بالمسؤولية؛ ليس على الإخوة والأسرة فحسب، بل قد يمتد ليشمل الآخرين.
- السعي المستمر نحو الكمال.
- الشعور بضرورة تلبية توقعات الآخرين، وخاصة توقعات الوالدين.
- الميل التلقائي لتولي أدوار قيادية.
- غالبا ما يُنظر إليه على أنه ملتزم بالقواعد وحسن السلوك.
- الطموح والسعي لتحقيق إنجازات كبرى.
- غالبا ما تظهر عليه سمات الشخصية من النمط "إيه" (A)، التي يتسم أصحابها بالتنافسية والطموح والتنظيم الشديد، لكنهم قد يميلون إلى سرعة الانزعاج ونفاد الصبر.

التأثيرات الإيجابية المحتملة لـ"متلازمة الابن الأكبر"
أظهرت دراسات نُشرت في عام 2022 أن "الأطفال الذين يولدون أولا يتمتعون بأفضلية في التطور اللغوي، والقدرات الإدراكية والأدائية، ومهارات التعامل مع الأرقام، في سن الرابعة تقريبا".
إلى جانب أفضلية "طفيفة" في مهارات القراءة والكتابة المبكرة. كما توجد "أدلة محدودة" تشير إلى أن الابن الأكبر يحظى بأفضلية في المهارات الرياضية، خاصة خلال سنوات ما قبل المدرسة.
وفي السياق نفسه، توضح عالمة النفس الأمريكية الدكتورة كيت إيشلمان أن "متلازمة الابن الأكبر" قد تؤدي أحيانا إلى اكتساب "سمات إيجابية"، مثل القدرة على تحمل المسؤولية والاهتمام بالآخرين. كما "تُطور وعيا جيدا لدى الابن بنقاط قوته وشخصيته، وتُكسبه قدرة عالية على التعاطف".
التأثيرات السلبية المحتملة لـ"متلازمة الابن الأكبر"
تشير المعالجة النفسية المعتمدة نيكوليت ليانزا إلى أن الأطفال الذين يتحملون هذه الأدوار قد يبدون أكثر نضجا من أقرانهم، عندما يجدون أنفسهم في دور "الوالد البديل"، إذ يضطرون إلى تحمل مسؤوليات تتخذ شكلين:
عملي: مثل دفع الفواتير، والتسوق لشراء احتياجات المنزل، ورعاية إخوتهم الأصغر سنا.
عاطفي: من خلال الاستماع إلى مشكلات الوالدين، أو تقديم المشورة، أو التوسط لحل الخلافات بينهما.
وقد يحدث ذلك بسبب ظروف عمل الوالدين، أو غيابهما، أو مرورهما بأزمات مالية أو صحية، وغيرها من الظروف التي تدفعهما إلى الاعتماد على الابن الأكبر.
وتوضح ليانزا أن هذا الضغط قد يجعل الابن الأكبر يرزح تحت وطأة المسؤوليات المفروضة عليه، ويواجه صعوبة في بناء هوية مستقلة خارج نطاق الأسرة، وهو ما قد يؤثر في نظرته إلى ذاته.
وبحسب الدكتورة إيشلمان "قد يكون هذا الوضع صعبا على الطفل، إذ لا يتيح له فرصة عيش مراحل نموه الطبيعية". فعلى سبيل المثال، إذا كان مشغولا بتدبير شؤون المنزل أو مراقبة إخوته الأصغر أثناء اللعب، فقد لا يجد وقتا يمضيه مع أصدقائه، وقد لا يتمكن من التركيز على دراسته أو ممارسة الأنشطة المناسبة لعمره.
تأثيرات أخرى لـ"متلازمة الابن الأكبر" في مرحلة البلوغ
وفقا للدكتورة إيشلمان، قد تمتد آثار تحمل الطفل أدوار الوالدين إلى مرحلة البلوغ، فتظهر في صورة أعراض جسدية وصعوبات نفسية واجتماعية، منها:
- التوتر والقلق.
- الصداع وآلام المعدة.
- فقدان الشهية وصعوبات النوم.
- السلوك العدواني ومشكلات التفاعل الاجتماعي؛ إذ قد تتأرجح طريقة تعامله مع الآخرين بين تقديم الرعاية والاحتواء والتصرف باعتباره "صاحب السلطة".
- صعوبة تحديد مشاعره أو التعبير عنها، أو تكرار الشعور بالذنب ولوم الذات، أو الاكتئاب.
وتشير الدكتورة براندي سميث إلى أنه إذا أُلقيت مسؤوليات تفوق قدرة الابن الأكبر على عاتقه، فقد يشعر بأنه "لم يحظَ بطفولة كافية" بسبب كثرة الأعباء التي تحمّلها، مما قد يسهم في ظهور مشكلات نفسية مثل القلق والاكتئاب.

كيف نعيد التوازن للأدوار؟
قدم الخبراء بعض النصائح للتعامل مع "متلازمة الابن الأكبر":
بالنسبة إلى الآباء، تقول الدكتورة إيشلمان إن ظروف الحياة قد تفرض على الابن الأكبر أحيانا التدخل وتولي أدوار "تشبه أدوار الوالدين"، لأسباب عديدة، منها أن يكون أحد الوالدين "قد تعرض للإهمال أو الإساءة في طفولته"، أو يمر بأزمة مالية أو نفسية تضع الطفل في دور محوري كـ"مقدم رعاية" للأسرة.
لكن هذا لا يمنع أنه بإمكان الآباء ترك أثر إيجابي في نمو أبنائهم الأكبر سنا وصحتهم النفسية، من خلال "التحلي بالوعي" بشأن المهام والمسؤوليات التي تُلقى على عاتق الابن الأكبر "كأن يُطلب منه أن يكون قدوة لإخوته، لا أن يقوم برعايتهم بمفهوم الوالد".
كما تشير ليانزا إلى ضرورة أن يتجنب الآباء الضغط على الابن الأكبر، لدرجة تجعله يشعر بأن حب والديه له مشروط بكونه "مثاليا".
بالنسبة إلى الأبناء الأكبر سنا، إذا كنت ابنا أكبر سنا وتواجه صعوبات حاليا، تقترح سميث أن تذكّر نفسك بأنك في المقام الأول "أخ" ولست "والدا"، وأنه ليس لزاما عليك تحمل مسؤولية كل ما يتعلق بإخوتك الأصغر سنا. كما أنهم مستقلون، ولن يفعلوا دائما ما تراه أنت صوابا.
وقد يكون من المفيد أيضا أن تبذل جهدا لتغيير سلوكيات من قبيل: المثالية، والسعي لإرضاء الآخرين، والسيطرة على الأشخاص أو المواقف، والميل إلى التنافسية.
