الحرب العراقية الإيرانية.. طموح صدام وأحلام المرشد

حفظ

An Iraqi soldier making a V-sign near a pontoon bridge during the Iran-Iraq War, Iraq, October 14th 1980. (Photo by UPI/Bettmann Archive/Getty Images)
جندي عراقي إبان الحرب العراقية الإيرانية (غيتي-1980)

أطول حروب القرن العشرين، نشبت بين العراق وإيران في سبتمبر/أيلول 1980 وانتهت في أغسطس/آب 1988 وخلفت أكثر من مليون قتيل، وألحقت أضرارا بالغة باقتصاد البلدين.

اندلعت الحرب لعدة أسباب على رأسها الدعاية الإيرانية القائمة على تصدير الثورة واشتداد الخلاف بين العراق وإيران حول ترسيم الحدود خاصة في منطقة شط العرب المطلة على الخليج العربي الغني بالنفط إضافة إلى الاشتباكات العسكرية المتقطعة بين البلدين.

Iraqi tanks and soldiers near the Karun River during the Iran-Iraq War, Iraq, October 14th 1980. Troops are preparing to cross a pontoon bridge, moving towards the Iranian oil port of Khorramshahr. Smoke rises from a burning oil pipeline in the background. (Photo by UPI/Bettmann Archive/Getty Images)
جنود عراقيون قرب نهر كارون، في أثناء استعدادهم لعبور جسر عائم باتجاه ميناء خرمشهر الإيراني (غيتي-1980)

السياق السياسي

قامت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، ورفع قادة إيران الجدد شعار تصدير الثورة الذي كان يُقلق الدول العربية المحيطة بإيران وفي مقدمتها العراق ودول الخليج.

كان نظام البعث في العراق يستشعر هذا الخطر بشكلٍ حاد نظرا للوجود الشيعي القديم في البلد الذي هو منشأ التشيع أصلا، وتوجد فيه أهم المزارات منها كربلاء، النجف وغيرها، كما أنَّ التنظيمات الشيعية في العراق -خاصة حزب الدعوة- كان لها حضورٌ وازن يجعل منها رأس حربةٍ حادا في أي مخطط إيراني للاستيلاء على السلطة.

وفي المقابل، كانت إيران ترصد بتوجس وصول صدام حسين للسلطة في العراق عام 1979 خلفا للرئيس أحمد حسن البكر.

وتزايدت المخاوف الإيرانية مع توقيعه ميثاق الدفاع العربي في فبراير/شباط 1980، الذي اعتبرته إيران عملا عدائيا يستهدفها ويُجيش دول المنطقة ضدَّها في صراعٍ حدودي تعتبر أنه يجب أن يحافظ على طابعه الثنائي.

An Iranian soldier keeps low during heavy shelling by Iraqi artillery on the Zolfaghari front, during the Iran-Iraq War, Abadan, Iran, 10th December 1980. (Photo by Kaveh Kazemi/Getty Images)
جندي إيراني يحتمي من قصف مدفعي عراقي كثيف على جبهة ذو الفقاري قرب مدينة عبادان الإيرانية (غيتي-1980)

الخلاف الحدودي

يعود الخلاف على شط العرب إلى فتراتٍ قديمة، فطيلة العهد العثماني ظل خط تماس ساخنا بين الدولة العثمانية وإيران بمختلف الدول التي قامت فيها، وظل خاضعا للدولة العثمانية بموجب اتفاقية القسطنطينية (1913) التي نصت على أنّ السيادة الإيرانية تقتصر على مناطق شرق شط العرب وبعض الجزر الموجودة في أسفل وادي الرافدين.

إعلان

وحددت اتفاقية 1937 الحدود في شط العرب نفسه وصولا إلى عبدان، وكان الخلاف الحدودي أحد الأسباب التي أجلت اعتراف إيران باستقلال العراق سنوات، فقد كانت إيران تنظر إلى الجنوب العراقي ذي الأغلبية الشيعية والعامر بالمزارات كعمقٍ روحي واجتماعي يعسر التخلي عنه.

وفي عام 1975، وقع العراق وإيران اتفاقية الجزائر يوم 6 مارس/آذار 1975، وتضمنت تخلي إيران عن دعم الأكراد شمال العراق مقابل اعتراف بغداد بشط العرب بالتناصف بين البلدين من خلال إعادة ما يعرف بخط التالوك إلى سابق عهده.

بيد أنَّ اتفاقية الجزائر أكدت مضامين اتفاقية القسطنطينية وجعلت منها قاعدة لترسيمٍ مستقبلي للحدود بين البلدين. وقبل اتفاق الجزائر، كانت إيران قد انتهزت فرصة إخلاء بريطانيا جزر طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى فاستولت عليها رغم مطالب دولة الإمارات العربية المتحدة.

The body of an Iranian soldier, struck by mortar shrapnel, falls in half while being put on a stretcher near Qasr-e Shirin, Iran, during the Iran-Iraq War, 13th October 1980. (Photo by Kaveh Kazemi/Getty Images)
جثمان جندي إيراني أصابته شظايا قذيفة هاون، في أثناء نقله على نقالة قرب مدينة قصر شيرين (غيتي-1980)

الحرب

بعد قيام الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، تأزمت العلاقات السياسية بين العراق وإيران، حيث تبادل البلدان سحب السفراء في مارس/آذار 1980 وخفض مستوى التمثيل الدبلوماسي، كما تعرض طارق عزيز نائب رئيس الوزراء آنذاك لمحاولة اغتيال اتهمت السلطات العراقية حزب الدعوة الشيعي بالوقوف وراءها.

وفي الرابع من سبتمبر/أيلول 1980، اتهمت العراق إيران بقصف البلدات الحدودية العراقية معتبرة ذلك بداية للحرب، فأعلن الرئيس العراقي صدام حسين في 17 سبتمبر/أيلول إلغاء اتفاقية عام 1975 مع إيران واعتبار مياه شط العرب كاملة جزءا من المياه الإقليمية العراقية.

مع تواتر الحوادث القتالية على الحدود، قرر مجلس قيادة الثورة العراقية في 22 سبتمبر/أيلول 1980، شنَّ حملةٍ عسكرية ضد إيران، وتقدم الجيش العراقي سريعا، وكان تقدير القيادة العراقية يقول إن الحرب ستكون خاطفة ومحدودة لظنها أن الجيش الإيراني كان ضعيفا بعد حملة اعتقالات نفذتها السلطات الإيرانية الجديدة لعدد من كبار قادة الجيش الإيراني إبان عهد الشاه.

بيد أنَّ تقدم القوات العراقية أذكى تعبئة وطنية قومية شاملة تُغذيها الدعاية الرسمية الإيرانية القائمة على بعدين: أحدهما بُعد ديني يُسوق أنَّ الحرب بين نظام إسلامي وآخر علماني بعثي.

A Ahwaz, à 40 km au nord d'Abadan, des soldats irakiens de retour du front manifestent leur joie, le 25 septembre 1980. (Photo by Henri Bureau/Sygma/Corbis/VCG via Getty Images)
جنود عراقيون عائدون من الجبهة يعبرون عن فرحتهم في الأهواز بإيران (غيتي-1980)

أما البعد الثاني فإذكاء جذوة القومية الفارسية وأمجادها الغابرة. وبعد المكاسب الأولية للجيش العراقي -وأهمها السيطرة على المحمرة وعبدان ومناطق في وسط إيران- فإنَّ التعبئة الإيرانية الواسعة أوجدت قدرا من التوازن انعكس في ثباتِ مواقع الفريقين بين ديسمبر/كانون الأول 1980 و ديسمبر/كانون الأول 1981.

وكان مجلس الأمن الدولي قد أصدر قراره رقم 479 في 28 سبتمبر/أيلول 1980 يدعو فيه الطرفين إلى وقف القتال والمبادرة إلى التفاوض لكن طرفي الصراع لم يبديا أي اهتمام بالقرار.

وبحلول فبراير/شباط 1982، استعاد الجيش الإيراني عبدان ومناطق واسعة في وسط البلاد. وفي مايو/أيار الموالي استعاد خورامشاه، وبحلول الصيف كان الجيش الإيراني قد بدأ شن هجماتٍ في عمق الأراضي العراقية.

إعلان

قبِل العراق قرار وقف إطلاق النار الصادر عن مجلس الأمن في يوليو/تموز 1982، لكن إيران رفضت الالتزام به.

في العامين المواليين، ركزت إيران جهدها على السيطرة على البصرة فردَّ العراق بإطلاق حرب المدن في أبريل/نيسان 1984، وهي حملات جوية كثيفة استهدفت المدن الإيرانية، وردَّت عليها إيران بقصفٍ صاروخي لأهداف عسكرية واقتصادية عراقية.

وبينما كانت الحرب تدور رحاها على الأرض، كانت هناك حرب أخرى تستهدف ناقلات النفط والسفن التجارية للبلدين قبل أن تتوسع لتشمل الدول الداعمة، ومن ذلك مهاجمة سفن حربية إيرانية عددا من السفن التجارية الكويتية ما دعا الكويت إلى طلب المساعدة الدولية لحماية سفنها.

Soldats irakiens avec un portrait de Saddam Hussein sur un camion militaire, revenant du front de guerre d'Ahwaz, sur la route de Basra, le 25 septembre 1980. (Photo by Henri Bureau/Sygma/Corbis/VCG via Getty Images)
جنود عراقيون على متن شاحنة عسكرية تحمل صورة لصدام حسين، عائدون من جبهة الأهواز عبر طريق البصرة (غيتي-1980)

الدور الإقليمي والدولي

انحازت الدول العربية -باستثناء الجزائر وليبيا وسوريا– للعراق، فاستفاد من دعمٍ سخي من دول الخليج لتغطية كلفة الحرب الباهظة، فقد بلغ المجهود الحربي والتسليحي العراقي أحيانا أكثر من 3 مليارات دولار سنويا.

أما بالنسبة للفاعلين الدوليين فظل دورهم هامشيا إلى حدود 1986، حين شرعت إيران في استهداف ناقلات النفط الكويتية، فطلبت الكويت حماية أمريكية تردَّدت واشنطن أولا في تقديمها ثم قررت نشر سفن حربية في الخليج لمرافقة الناقلات الكويتية.

وحصل العراق على حاجته من الأسلحة من فرنسا أولا ثم من الصين والاتحاد السوفياتي في ذلك الوقت، وكذلك من الولايات المتحدة على نطاقٍ أقل، وإنْ كانت مصادرُ عدة تتحدث عن حصول العراق على دعمٍ لوجستي غربي (أمريكي، بريطاني وفرنسي..) تمثل في صور بالأقمار الصناعية لمواقع الجيش الإيراني وتحركاته، وكذلك تقديم قطع غيار ومعدات وذخائر.

أما إيران فحصلت على أسلحة من بعض الدول الشيوعية وقطع غيار دبابات (أم 48 وأم 60) من دول أخرى، كما حصلت على دعم بالأسلحة والذخيرة من نظام الرئيس السوري آنذاك حافظ الأسد في سوريا ونظام العقيد الليبي معمر القذافي.

Picture released on November 17, 1980 of a column of smoke billowing from an Iranian helicopter shot by Iraqi anti-aircraft fire, near Abadan, during Iran-Iraq war. (Photo credit should read -/AFP via Getty Images)
مروحية إيرانية أُصيبت بنيران مضادة للطائرات عراقية، قرب عبادان، خلال الحرب الإيرانية العراقية (غيتي-1980)

الكلفة والتبعات

انتهت حرب الخليج في الثامن من أغسطس/آب 1988، مع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ بعد قبول الخميني بقرار مجلس الأمن 598.

ويُقدر خبراء اقتصاديون كلفة ثماني سنوات من الحرب بأكثر من أربعمئة مليار دولار، فضلا عن كلفة بشرية أهم وهي أكثر من مليون قتيل وأضعاف ذلك من المصابين والمعوقين. كما خلَّفت دمارا واسعا في البنية التحتية للبلدين وألحقت ضررا كبيرا بالمنشآت النفطية التي هي قوام اقتصاديهما.

المصدر: الجزيرة

إعلان