من مرسيدس إلى فولكسفاغن.. الصين تدفع عمالقة أوروبا إلى الاحتماء بالقيود

امتدت المنافسة الصينية لشركات السيارات الأوروبية من السوق الصينية إلى أسواقها المحلية، ففي الوقت الذي تتراجع فيه مبيعات شركات أوروبية -من بينها مرسيدس- داخل الصين تحت ضغط المنافسين المحليين، تحقق العلامات الصينية مكاسب متسارعة في أوروبا، وسط توجه الاتحاد الأوروبي إلى دراسة قيود جديدة لحماية القطاع.
وأعلنت شركة "مرسيدس-بنز" -اليوم الأربعاء- تراجع مبيعات سيارات الركوب عالميا 8% على أساس سنوي خلال الربع الثالث من عام 2026 إلى 407.2 آلاف سيارة، بينما هبطت مبيعاتها في الصين 31%، في مقابل نموها 1% خارج السوق الصينية، وفق بيانات الشركة ووكالة الأنباء الألمانية.
قصص مقترحة
list of 2 itemsوعزت مرسيدس التراجع في الصين إلى استمرار صعوبة أوضاع سوق سيارات الركوب واشتداد المنافسة، في مؤشر على الضغوط التي تواجهها الشركة في سوق كانت لسنوات أحد أهم محركات مبيعاتها العالمية.
وفي المقابل، استحوذت العلامات الصينية -ومن بينها "بي واي دي"- على حصة قياسية قاربت 12% من إجمالي مبيعات السيارات الجديدة في أوروبا خلال أغسطس/آب الماضي، حسب بيانات "داتا فورس" التي نقلتها بلومبيرغ. وتشمل هذه السوق الاتحاد الأوروبي وبريطانيا ودول رابطة التجارة الحرة الأوروبية، بينما تمثل العلامات الصينية نحو ربع مبيعات السيارات الهجينة وثلث مبيعات الهجينة القابلة للشحن. وتجمع الهجينة بين محرك احتراق ومحرك كهربائي، ويمكن شحن بطارية الفئة القابلة للشحن من مصدر خارجي.
من الصين إلى أوروبا
تكشف الأرقام عن توسع حضور العلامات الصينية داخل السوق الأوروبية، مدعومة بإقبال مشترين على سيارات هجينة بأسعار أكثر تنافسية. وتربط بلومبيرغ هذا الإقبال باستمرار مخاوف بعض المستهلكين من محدودية شبكات الشحن ومدى السير بالسيارات الكهربائية بالكامل، وهو ما يجعل الهجينة خيارا انتقاليا بالنسبة إليهم.

وحسب بلومبيرغ، تُعِد المفوضية الأوروبية إجراءات حماية قد تحد من واردات السيارات الهجينة المصنعة في الصين، بعد الارتفاع القوي في مبيعاتها. ومن الخيارات المطروحة حصص جمركية تسمح باستيراد كمية محددة بالرسوم المعتادة، مع فرض رسوم أعلى على الواردات التي تتجاوزها، على أن تكون الإجراءات مؤقتة، وفق مصادر مطلعة.
يأتي التحرك بعدما تباطأ نمو واردات السيارات الكهربائية المصنعة في الصين والخاضعة لرسوم أوروبية إضافية لمواجهة الدعم، بحسب بلومبيرغ. وتخضع السيارات الهجينة المستوردة من الصين للرسوم الجمركية المعتادة، لكنها لا تواجه الرسوم الإضافية نفسها، وهو ما يمنح الشركات الصينية مجالا أوسع للتوسع بهذه الفئة داخل الاتحاد الأوروبي.
وتدرس المفوضية استخدام واردات السيارات الهجينة بوصفها حالة اختبار لإجراءات يمكن تطبيقها لاحقا على قطاعات أخرى يرى الاتحاد الأوروبي أنها تعاني اختلالات تجارية، وفق مصادر وصفتها بلومبيرغ بالمطلعة. ولم يُعلَن بعد حجم الحصص المحتملة أو معدلات الرسوم أو موعد تطبيقها، كما يمكن أن تتغير الخطط تبعا للمفاوضات.
وردَّت الأسواق سريعا على الأنباء خلال تداولات اليوم الأربعاء، إذ ارتفع سهم فولكسفاغن بما يصل إلى 4.6%، وقفز سهم رينو 6.1%، بينما صعد سهم مرسيدس-بنز بنحو 2%، بحسب بلومبيرغ. وتزامنت هذه المكاسب مع الإعلان عن القيود المحتملة التي قد تخفف الضغوط التنافسية على الشركات الأوروبية.
مبيعات مرسيدس تتراجع في الصين
توضح نتائج مرسيدس تفاوت أداء أسواقها، إذ قابل التراجع الحاد في الصين نمو مبيعات سيارات الركوب 5% في أوروبا و6% في الولايات المتحدة خلال الربع الثالث. ويشير ذلك إلى أن الضغوط على الشركة تختلف بين الأسواق، وأن تراجع مبيعاتها عالميا لا يعكس انكماشا مماثلا في جميع المناطق.
ويأتي الأداء الأخير امتدادا لتراجع المبيعات العالمية للشركة خلال السنوات الماضية، فقد استقرت مبيعات سيارات الركوب في عام 2023، ثم انخفضت 3% في 2024، قبل أن تتراجع 9% في 2025 إلى ما يزيد قليلا على 1.8 مليون سيارة، وفقا لوكالة الأنباء الألمانية.
وتستهدف مرسيدس العودة على المدى المتوسط إلى بيع نحو مليوني سيارة ركوب سنويا، لكنها لم تحدد موعدا دقيقا لتحقيق الهدف، وأوضحت أنه لن يتحقق في عام 2027، وإنما قبل نهاية العقد الحالي، حسب الوكالة.
وفي المقابل، تحقق الشركة تقدما في التحول الكهربائي، فقد ارتفعت مبيعات سيارات الركوب الكهربائية بالكامل 61% على أساس سنوي خلال الربع الثالث إلى مستوى قياسي بلغ 68.4 ألف سيارة عالميا، بينما قفزت مبيعاتها الكهربائية في أوروبا 78%، وفقا لبيان مرسيدس.
وأصبحت السيارات الكهربائية بالكامل تمثل نحو ثلث سيارات الركوب التي تبيعها مرسيدس في أوروبا، بحسب الشركة، وهو ما يُظهر أن تراجع مبيعاتها الإجمالية يتزامن مع نمو هذه الفئة وتغير تركيبة منتجاتها. ولا تعني زيادة حصة العلامات الصينية -في حد ذاتها- تراجع المبيعات المطلقة لكل شركة أوروبية.
أوروبا تبحث عن الحماية
يضع تمدد الشركات الصينية داخل أوروبا الضغوط الصناعية في إطار تجاري أوسع، فوفق بلومبيرغ، يتجاوز العجز التجاري للاتحاد الأوروبي مع الصين مليار يورو (نحو 1.13 مليار دولار) يوميا، وفق السعر المرجعي للبنك المركزي الأوروبي في 6 أكتوبر/تشرين الأول، بينما تسعى بروكسل إلى تعزيز أدوات حماية قطاعاتها الصناعية.

ومن المقرر أن يتوجه مفوض التجارة والأمن الاقتصادي الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش إلى بكين في وقت لاحق من الأسبوع الجاري لإجراء محادثات مع وزير التجارة الصيني وانغ ون تاو. ويمكن أن تتغير خطط القيود على واردات السيارات الهجينة تبعا لنتائج المباحثات، وفق مصادر مطلعة تحدثت إلى بلومبيرغ.
وتسعى بروكسل -بحسب الوكالة- إلى تصميم أي سقف محتمل عند مستوى يحد من مخاطر رد تجاري قوي من بكين، في وقت تشمل فيه المفاوضات بين الجانبين التجارة والاستثمار وحقوق الملكية الفكرية وضوابط التصدير وإصلاح منظمة التجارة العالمية والوصول إلى المواد الخام الحيوية.
لكن بكين سبق أن عارضت فكرة فرض قيود طوعية على صادرات السيارات الهجينة. وقالت وزارة التجارة الصينية -في سبتمبر/أيلول- إن هذه القيود تخالف قواعد منظمة التجارة العالمية ومبادئ السوق والمنافسة العادلة، مؤكدة أن أي تسوية يجب أن تراعي مصالح الجانبين. ولم يتضح بعد موقفها من الصيغة الجديدة المحتملة للقيود.
وتطالب الصين -في المقابل- بآلية للتعهدات السعرية تتضمن حدا أدنى لأسعار الاستيراد، بدلا من الرسوم الإضافية المفروضة على السيارات الكهربائية المصنعة فيها. وأصدرت المفوضية الأوروبية -في يناير/كانون الثاني الماضي- إرشادات لتقديم هذه التعهدات، على أن تُقيَّم العروض وفق معايير قانونية وقواعد منظمة التجارة العالمية.
معركة على السوق في الاتجاهين
تكشف التطورات عن منافسة تمتد عبر سوقين رئيسيتين: ففي الصين، تواجه مرسيدس ظروفا صعبة ومنافسة محلية متزايدة، بينما توسع العلامات الصينية حضورها داخل أوروبا، مستفيدة من الطلب على السيارات الهجينة واختلاف المعاملة الجمركية بينها وبين السيارات الكهربائية بالكامل المصنعة في الصين.
ويضع ذلك الشركات الأوروبية المعنية أمام تحديين متزامنين، يتمثلان في تحسين قدرتها التنافسية داخل الصين ومواكبة توسع العلامات الصينية في أسواقها المحلية. وتختلف حدة هذه الضغوط بين الشركات والفئات، في حين تحاول بروكسل استخدام السياسة التجارية للحد من أثر زيادة الواردات على الصناعة الأوروبية.
وتضيف القيود المحتملة بعدا حكوميا إلى المنافسة بين الشركات، لكنها تظل رهن الدراسة والمفاوضات. وستكشف المحادثات بين بروكسل وبكين مدى إمكان التوصل إلى ترتيبات تجارية مقبولة للطرفين، أو اتجاه الاتحاد الأوروبي إلى فرض إجراءات حماية جديدة على واردات السيارات الهجينة.