صنعاء.. عاصمة اليمن وقلبه النابض تراثا وحضارة

عاصمة الجمهورية اليمنية، ومن أقدم المدن والتجمعات السكانية في العالم. تقع في المرتفعات الغربية للبلاد على ارتفاع يتجاوز 2200 متر فوق سطح البحر، وتتميز ببيوتها الحجرية وطابعها المعماري المميز، وقد صنفتها "اليونيسكو" مدينة تراثية عالمية عام 1986، واختيرت عاصمة للثقافة العربية عام 2004.
تخضع المدينة منذ عام 2014 لسيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين)، ولذلك نقلت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا مقرها الرسمي إلى مدينة عدن جنوب البلاد.
قصص مقترحة
list of 2 itemsالموقع والجغرافيا
تقع مدينة صنعاء في الجزء الغربي من الجمهورية اليمنية، في منطقة المرتفعات الجبلية، على هضبة يتراوح ارتفاعها بين 2200 و2300 متر فوق مستوى سطح البحر.
وتتميز بموقع جغرافي جمع بين الأهمية الاستراتيجية والتجارية. إذ نشأت تاريخيًا عند ملتقى طريقين تجاريين قديمين، وأسهم موقعها في ترسيخ مكانتها مركزًا اقتصاديًا وسياسيًا في البلاد.
تحيط بالمدينة سلسلة من الجبال، من أبرزها جبل نقم من الشرق وجبل عيبان وجبل عطان من الغرب.

وتتمتع صنعاء بمناخ شبه جاف ومعتدل في معظم فصول السنة، ويبلغ متوسط الهطول المطري السنوي فيها نحو 265 ملم، نادرًا ما تزيد درجات الحرارة فيها على 30 درجة مئوية.
عمرانيًا، تتوزع المدينة بين قسمها التاريخي المتمثل في صنعاء القديمة المحاطة بأسوار مرتفعة والتي تضم مساجد تاريخية وأسواقًا تقليدية، والامتداد الحضري الحديث الذي يضم مناطق سكنية ومراكز تجارية ومنشآت تعليمية.
تبلغ مساحة صنعاء حوالي 390 كيلومترا مربعا، وقُدّر عدد سكانها بنحو 3.410.000 نسمة عام 2024، وفقا للموسوعة البريطانية.
التاريخ
تُعد صنعاء واحدة من أقدم المدن المأهولة باستمرار في العالم، إذ لا يُعرف تاريخ تأسيسها على وجه الدقة، لكن الروايات المحلية تشير إلى أن نشأتها تعود إلى سام بن نوح، أحد أبناء النبي نوح عليه السلام، عقب انحسار الطوفان.
تقوم المدينة عند موقع حصن غمدان القديم، الذي يُرجّح أن تاريخ إنشائه يعود إلى القرنين الأول والثاني قبل الميلاد، فيما يعود أول ذكر موثق لصنعاء في النقوش الأثرية إلى القرن الثاني الميلادي، في نقش من عهد الملك الحميري شاعر أوتر.

كانت صنعاء عاصمة لمملكة سبأ بعد مأرب لفترة من الزمن، كما اكتسبت أهمية مبكرة بوصفها حصنا ومستقرا للملوك، وارتبط تاريخها بالممالك اليمنية القديمة، ومنها سبأ وحمير. كما خضعت لحكم الأحباش عام 525 للميلاد، قبل أن ينتقل الحكم إلى الفرس نحو عام 575م.
وعُرفت المدينة بأسماء متعددة، من بينها "سام"، نسبة إلى بانيها المفترض، و"آزال" الذي يعد -بحسب الروايات- أحد أحفاد سام بن نوح. أما اسم "صنعاء"، فيُربط بمعاني المدينة المحصنة والقوة، كما تُرجع روايات أخرى التسمية إلى جودة الصناعات والحرف التي اشتهرت بها.
مع دخول الإسلام إلى اليمن في القرن السابع الميلادي، أصبحت صنعاء مركزا دينيا مهما، وشُيّد فيها الجامع الكبير الذي يعدّ من أقدم المساجد في العالم الإسلامي.
تعاقبت على المدينة دول وأسر حاكمة متعددة، من بينها الأمويون والعباسيون واليعفريون والصليحيون وبنو رسول والزيديون، وشهدت فترات من التنافس السياسي والديني، ولا سيما بين الأئمة الزيديين والسلالات الحاكمة الأخرى. واستمرت الإمامة الزيدية منذ القرن التاسع حتى عام 1962، مع انقطاعات متكررة، فيما اتخذ أئمتها من صعدة مركزا أوليا لحكمهم.

وبين القرنين الثاني عشر والخامس عشر، تراجعت مكانة صنعاء بعدما اتخذ حكام اليمن عواصم لهم في مدن أخرى. لكنها شهدت انتعاشا عمرانيا في أوائل القرن السادس عشر أثناء حكم عبد الوهاب بن طاهر من الدولة الطاهرية، الذي ارتبط عهده بتشييد عدد من المساجد والمدارس الدينية.
وخضعت صنعاء للسيادة العثمانية منذ منتصف القرن السادس عشر، قبل أن يستعيد الأئمة السيطرة الفعلية عليها في أوائل القرن السابع عشر. ثم أحكم العثمانيون قبضتهم على المدينة عام 1872، واستمر الصراع بينهم وبين الأئمة حتى عام 1911، حين مَنحت معاهدةٌ الأئمة استقلالية واسعة.
وبعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى 1918، أصبحت صنعاء عاصمة اليمن المستقل، ثم عاصمة للمملكة المتوكلية اليمنية.
وفي عهد الإمام أحمد الذي حكم بين عامي 1948 و1962، نُقلت العاصمة إلى تعز، قبل أن تستعيد صنعاء مكانتها عقب ثورة 26 سبتمبر/أيلول 1962 وإعلان قيام الجمهورية العربية اليمنية، المعروفة باليمن الشمالي.
وقد أطاحت الثورة بالإمامة الزيدية، وفتحت الباب أمام تحولات سياسية وثقافية، لكنها تزامنت مع حرب أهلية استمرت ثماني سنوات، حتى عام 1970. وفي العام نفسه الذي انتهت فيه الحرب، تأسست جامعة صنعاء.

وفي عام 1986، أُدرجت صنعاء القديمة على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، تقديرًا لقيمتها التاريخية والمعمارية، في إطار جهود للحفاظ على مبانيها وأسوارها وترميمها.
وبعد أربع سنوات، أصبحت صنعاء عاصمة الجمهورية اليمنية الموحدة، إثر اتحاد اليمن الشمالي وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية -المعروفة باليمن الجنوبي- عام 1990.
وشهدت المدينة توسعا عمرانيا ونموا سكانيا خلال العقود اللاحقة، قبل أن تدخل مرحلة جديدة من تاريخها عام 2014، عندما سيطر الحوثيون عليها، في تطور ارتبط بتصاعد الصراع المسلح واندلاع الحرب في اليمن.
ومنذ ذلك الحين، ظلت صنعاء تحت سيطرة الجماعة، فيما أصبحت عدن مقرا فعليا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا.
حرب اليمن
تصاعد الصراع السياسي والعسكري في اليمن، عقب سيطرة جماعة الحوثيين على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر/أيلول 2014، بعد أسابيع من الاحتجاجات على قرار رفع أسعار الوقود.

وفي يناير/كانون الثاني 2015، اقتحم الحوثيون القصر الرئاسي وحاصروا مقر إقامة الرئيس عبد ربه منصور هادي، مما دفعه والحكومة إلى مغادرة صنعاء والانتقال إلى عدن. وفي 26 مارس/آذار من العام نفسه، بدأ تحالف عسكري بقيادة السعودية تنفيذ غارات جوية ضد مواقع الحوثيين، بهدف وقف تقدمهم نحو الجنوب وإعادة الحكومة المعترف بها دوليا.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2017، اندلعت مواجهات مسلحة داخل صنعاء بين الحوثيين والقوات الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح، عقب انهيار التحالف بين الطرفين. وانتهت المواجهات بمقتل صالح، مما عزز سيطرة الحوثيين على العاصمة.
وأفضت الحرب إلى انقسام مؤسسات الدولة، بما فيها البنك المركزي اليمني، وتوقف انتظام صرف الرواتب الحكومية للموظفين في صنعاء. كما تسببت في تدهور الأوضاع الإنسانية والخدمية، وألحقت أضرارا بالبنية التحتية والمباني التاريخية والمرافق العامة جراء الغارات والتصعيد العسكري.
أبرز المعالم
تضم مدينة صنعاء -ولا سيما صنعاء القديمة المدرجة على قائمة التراث العالمي- مجموعة من المعالم التاريخية والأثرية التي تعكس عراقة الحضارة اليمنية وتنوع فنونها المعمارية.

ويُعد باب اليمن أبرز بوابات صنعاء القديمة، إذ يمثل المدخل الجنوبي الرئيسي للمدينة، والبوابة الوحيدة المتبقية من أبوابها التاريخية السبعة، بعد تهدم معظم الأسوار والأبواب الأخرى. ويعود مبناه، بزخارفه المميزة، إلى فترة الوجود العثماني الأول. ويحيط بالمدينة القديمة سور تاريخي طيني يتراوح ارتفاعه بين 9 أمتار و14 مترا، ويشكل جزءا من طابعها العمراني المميز.
وتبرز المساجد التاريخية في مقدمة معالم صنعاء، وفي مقدمتها الجامع الكبير الذي يُعد من أقدم مساجد العالم الإسلامي وأول مسجد أُسس في اليمن، إذ تشير الروايات إلى بنائه في السنة السادسة للهجرة بأمر نبوي. وقد عُثر فيه على نسخ قرآنية قديمة، فيما تعود بعض أعمدته إلى العهود المأربية والسبئية.
وتضم المدينة أكثر من 106 مساجد تاريخية، من أبرزها جامع قبة البكيرية، الذي يتميز بطرازه المعماري العثماني، وجامع صلاح الدين، وقبة طلحة، وجامع قبة المهدي، وجامع الأبهر. كما تضم جامع الصالح، أحد أبرز المساجد الحديثة في المدينة، بطاقة استيعابية تصل إلى 44 ألف مصلٍّ.

ومن المعالم التاريخية المرتبطة بذاكرة صنعاء قصر غمدان، الذي تنسب إليه المأثورات التاريخية مكانة بارزة بين القصور القديمة، وتربط بناءه بعام 200 ميلادية. وتصف الروايات القصر بأنه كان متعدد الطوابق، بما جعله نموذجا مبكرا للعمارة البرجية التي اشتهرت بها المدينة.
وتضم صنعاء أيضا المتحف الوطني، الواقع في قصر "دار السعد" الملكي الذي يعود إلى القرن العشرين، ويحتوي على قطع أثرية مرتبطة بتاريخ اليمن وعائلاته القديمة، إلى جانب المتحف العسكري المجاور له الذي يوثق التاريخ العسكري لليمن وصنعاء.
وفي محيط العاصمة، يقع دار الحجر في وادي ظهر، على بُعد نحو 15 كيلومترا من صنعاء. ويتميز القصر بموقعه فوق صخرة جبلية، وقد شُيّد في عشرينيات القرن العشرين مقرا صيفيا للإمام يحيى، فوق مبنى أقدم يعود إلى عام 1786، ليصبح أحد المعالم المعمارية البارزة في المنطقة.
وتشكل الأسواق الشعبية جزءا أساسيا من هوية صنعاء القديمة، وفي مقدمتها سوق الملح الذي يُعد مركزا تجاريا وحرفيا رئيسيا، وتُعرض فيه التوابل والأعشاب والمشغولات الفضية واليدوية والجنابي التقليدية، إلى جانب الزبيب والبن اليمني.

كما يشتهر سوق العقيق القريب من باب اليمن بتجارة العقيق اليماني بمختلف أنواعه وألوانه، وهو من الأحجار التي تُستخرج من الجبال اليمنية وتُستخدم في صناعة الحلي والمشغولات.
وتتميز صنعاء القديمة بمنازلها البرجية التي يتجاوز عددها 6 آلاف منزل أثري، وتتكون من طوابق متعددة قد تصل إلى ستة أو تسعة طوابق. وشُيّدت هذه المنازل باستخدام الطين والياجور والحجارة، وزُيّنت بنوافذ زجاجية ملونة تُعرف باسم "القمريات "، وبزخارف جصية بيضاء تمنح واجهاتها طابعا معماريا فريدا.
وإلى جانبها، تضم المدينة نحو عشرة حمامات بخارية تاريخية، كانت تُستخدم لخدمة السكان والزائرين، وتشكل جزءا من تقاليد الحياة اليومية في المدينة القديمة.