إعلان

هل يدفع فائض القوة الإسرائيلي الجنوب السوري إلى الانفجار؟

آليات إسرائيلية تواصل أعمال الحفر ورفع السواتر الترابية في محيط بلدة العشة بريف القنيطرة الجنوبي، الأحد 4 أكتوبر 2026، ضمن مشروع "سوفا 53" (الجزيرة)

لم يكن أحمد كبول، وفق ما أفاد به مراسل "سوريا الآن"، قرب موقع عسكري حين أصيب برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي واحتجزته في بلدة جباتا الخشب بريف القنيطرة الشمالي. والشاب من ذوي الإعاقة، قبل أن يعلن حساب سوريا الآن الإفراج عنه لاحقا.

وفي السياق نفسه، أفاد مراسل سوريا الآن باستهداف الأراضي الزراعية غربي قرية عابدين في ريف درعا الغربي بقذائف هاون، فيما قالت الإخبارية السورية إن قذيفتي مدفعية استهدفتا تل الأحمر الشرقي في ريف القنيطرة الجنوبي مساء اليوم السابق.

قصص مقترحة

list of 1 itemend of list

هذه الوقائع لا تختزل في إصابة أو احتجاز أو قصف موضعي. فحين يصبح الذهاب إلى الحقل، أو المرور بين قريتين، أو الاقتراب من طريق فرعي، محاطا باحتمال الحاجز أو التفتيش أو إطلاق النار، يتغير معنى المكان نفسه. فلا تعود الأرض مصدر رزق وحركة عادية فقط، بل تدخل في حسابات القوة العسكرية.

وحذّر مستشار مركز القدس للدراسات السياسية عريب الرنتاوي، خلال حديثه لبرنامج "موازين" في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026، من أن القهر واستباحة السيادة قد يخلقان بيئة غضب ورفض يصعب ضبط مآلاتها.

لا يعني ذلك أن الجنوب السوري يتجه حتما إلى مواجهة واسعة، أو أن كل غضب محلي سينتهي إلى مواجهة مسلحة. لكنه يضع سؤالا لا يمكن تجاهله: ماذا يفعل الاحتكاك العسكري المتكرر في علاقة السكان بأرضهم وبفكرة الأمن؟

نمط ميداني

في 4 أكتوبر/تشرين الأول، قال مراسل "سوريا الآن" إن آليات إسرائيلية استأنفت أعمال الحفر ورفع السواتر الترابية قرب قرية العشة في ريف القنيطرة الجنوبي، ضمن مشروع يعرف باسم "سوفا 53". وفي الأيام التالية، رصدت مواد الجزيرة و"سوريا الآن" توغلات وحواجز وتفتيشا للمارة وتحركات عسكرية في قرى القنيطرة وريف درعا الغربي.

إعلان

من 7 أكتوبر إلى خنادق الجنوب

لا يضع عريب الرنتاوي الجنوب السوري في نسخة مكررة من غزة، ولا يقدم التوغلات الإسرائيلية بوصفها مقدمة حتمية لمواجهة واسعة. فلكل ساحة تاريخها وتركيبتها الاجتماعية وقواها المحلية وحسابات الدولة فيها.

لكن 7 أكتوبر/تشرين الأول كان، في قراءته، لحظة كاشفة. فقد أصاب صورة الجيش الإسرائيلي الذي قام تصوره للأمن على التفوق الاستخباري والقدرة على الردع والضرب السريع، وأعاد طرح السؤال عن الفرق بين امتلاك القوة العسكرية والقدرة على تحويلها إلى نتيجة سياسية وأمن مستدام.

وتخلص ورقة منشورة لمركز الجزيرة للدراسات إلى أن إسرائيل تسعى، عبر التوغلات والتمركز في مواقع داخل سوريا خارج خط فض الاشتباك، إلى تكريس تفوقها العسكري والأمني والضغط على دمشق في مسار التفاوض.

وتربط الورقة المعنونة "سوريا في مواجهة التحدي الإسرائيلي: الخيارات وآفاق التفاوض" تمسّك إسرائيل بالمواقع الحدودية والتلال المرتفعة، ومنها جبل الشيخ وتل الأحمر، بحسابات أمنية تشمل توفير نقاط إنذار مبكر في محيط الجولان، إلى جانب سعيها إلى إبقاء الجنوب السوري منطقة عازلة ومنزوعة السلاح.

وفي المقابل، تقول الورقة إن دمشق تقدم المسار الدبلوماسي على المواجهة العسكرية، وتسعى إلى اتفاق أمني يفضي إلى انسحاب إسرائيل من المناطق التي دخلتها بعد ديسمبر/كانون الأول 2024، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحا لأنها لا ترغب في صدام عسكري في هذه المرحلة.

 

من "خط بارليف" إلى "سوفا 53"

قبل أكثر من نصف قرن، لم يكن خط بارليف مجرد ساتر ترابي ومواقع محصنة على قناة السويس. كان جزءا من تصور أمني إسرائيلي راهن على التحصين الجغرافي لتثبيت واقع ما بعد حرب 1967، قبل أن تكشف حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 حدود الاعتقاد بأن الهندسة العسكرية تستطيع وحدها صناعة مناعة دائمة.

ونُقل عن وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك موشيه ديان قوله إن اختراق الخط يحتاج إلى سلاحي المهندسين الأمريكي والسوفياتي معا. لكن القوات المصرية فتحت في الساعات الأولى من العبور ثغرات في الساتر الترابي، وتحولت عناصر الخط من شبكة حماية إلى مواقع معزولة بعدما تعطلت صلتها بالقوات التي يفترض أن تسندها.

لا تصلح المقارنة بين خط بارليف و"سوفا 53″ في الجنوب السوري بوصفها مطابقة عسكرية أو نبوءة بتاريخ يعيد نفسه. فلكل منهما جغرافيته ووظيفته وسياقه وخصمه.

لكن التجربتين تلتقيان عند سؤال أوسع: التحصين لا يصنع أمنا بمجرد وجوده. فالسواتر والخنادق والنقاط العسكرية تمنح القوة قدرة أكبر على الرصد والحركة والسيطرة، لكنها لا تعالج وحدها التناقض السياسي الذي أنتج الخوف والرفض. وقد يتحول التحصين، حين يقام قرب القرى والحقول ويقيد حركة السكان، من أداة ردع إلى جزء من المشكلة التي يدعي أنه يمنعها.

إعلان

وهذا ما يجعل تحذير الرنتاوي أكثر صلة بالجنوب السوري: ليس لأن المواجهة حتمية، بل لأن القهر واستباحة السيادة والاحتكاك اليومي قد تراكم بيئة غضب لا تخضع دائما لحسابات الحكومات ولا لمنطق القوة العسكرية.

ووفقا لشرح نشرته الجزيرة، بدأ تنفيذ "سوفا 53" في منتصف عام 2022 داخل منطقة فض الاشتباك بمحاذاة الجولان المحتل، ويمتد عبر قرى في ريف القنيطرة. ونقلت الجزيرة عن مركز سجل أن المشروع يشمل طريقا بعرض 8 أمتار، وسواتر ترابية بارتفاع 5 أمتار، إلى جانب نقاط مراقبة وخنادق على امتداد مساره.

في الجنوب السوري، لا يحفر هذا المشروع في أرض خالية. فهو يتقدم قرب قرى وحقول وطرق يستخدمها سكان خرجوا من سنوات طويلة من الحرب والنزوح والضيق الاقتصادي. لذلك لا يقتصر أثره على ما يراه العسكري في الخريطة، بل يمتد إلى ما يراه صاحب الأرض في يومه العادي: مسافة أطول بين القرية والحقل، وحاجز محتمل على الطريق، وشعور بأن الإجراء المقدم بوصفه أمنيا قد يتحول إلى واقع مستقر.

وتقول الخارجية السورية إن استكمال العمل في "سوفا 53" يمثل خرقا لاتفاق فصل القوات لعام 1974. وهو موقف رسمي سوري يعكس الخلاف على طبيعة المشروع: هل يمثل إجراء أمنيا مؤقتا، أم إعادة ترتيب أطول أمدا للجغرافيا والحركة داخل المنطقة العازلة؟

عريب الرنتاوي يحذر من أن تراكم القهر واستباحة السيادة قد يخلقان بيئة غضب ورفض يصعب ضبط مآلاتها (الجزيرة)

أمن إسرائيل وكلفة السيطرة

تطرح إسرائيل نشاطها العسكري في جنوب سوريا بوصفه إجراء ضروريا لمنع تهديدات محتملة وحماية أمنها. وقالت منظمة العفو الدولية إن مسؤولين إسرائيليين ربطوا الوجود العسكري في سوريا بمنع تهديدات محتملة من حزب الله أو مجموعات مرتبطة بإيران، وباستهداف مخزونات سلاح ودفاعات جوية.

لكن الأمن لا يقاس فقط بما تمنعه القوة في لحظتها، بل أيضا بما تتركه بعدها. فحين تصبح الحقول والطرق والقرى امتدادا للمجال العسكري، يصبح السؤال: هل تنتج التحصينات والتوغلات أمنا أطول، أم تؤجل التوتر وتدفع كلفته إلى المستقبل؟

فالقوة تستطيع أن تدخل قرية، وتقيم نقطة، وتفرض تراجعا مؤقتا، وتوسع هامش المراقبة. لكنها لا تستطيع أن تفرض القبول بمجرد فرض الأمر الواقع، ولا أن تتحكم وحدها في الأثر الذي تتركه تجربة الحاجز والاحتجاز والخندق في ذاكرة الناس.

من الأرض إلى القانون

لا يقف الأمر عند التنافس الأمني أو الرواية السياسية. ففي مايو/أيار، قالت منظمة العفو الدولية إن التدمير المتعمد لمنازل مدنية في محافظة القنيطرة منذ ديسمبر/كانون الأول 2024 ينبغي التحقيق فيه بوصفه جرائم حرب.

وقالت المنظمة إنها تحققت من تضرر أو تدمير 23 منشأة مدنية في 3 قرى عبر صور الأقمار الصناعية، كما وثقت شهادات عن هدم منازل وحدائق وأراض زراعية. وأشارت أيضا إلى تحديد 9 قواعد عسكرية بنتها القوات الإسرائيلية في محافظتي القنيطرة ودرعا منذ ديسمبر/كانون الأول 2024.

في قرية الحميدية ومحيطها، ترصد أمنستي مسارا لا ينتهي عند دخول القوة العسكرية. قالت المنظمة إن جنودا إسرائيليين دخلوا القرية في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وأمروا النساء والفتيات بمغادرة المنازل، وأبقوا معظم الرجال للاستجواب حتى بعد الظهر. كما أمروا ما لا يقل عن 10 عائلات بمغادرة بيوتها والانتقال إلى مناطق أخرى من القرية.

وأظهرت صور أقمار صناعية من 17 ديسمبر/كانون الأول 2024 آثار حركة آليات ثقيلة وسواتر جديدة، ثم ظهور أعمال إنشاء قاعدة عسكرية على بُعد أقل من 300 متر شرقا من المنطقة المتضررة في يناير/كانون الثاني 2025. ووفقا لتحليل مختبر الأدلة التابع للمنظمة لصور عالية الدقة التقطت في 23 أغسطس/آب 2025، دمرت 14 منشأة والجدران المحيطة بها بالكامل.


صور أقمار صناعية لمنطقة في قرية الحميدية بريف القنيطرة (منظمة العفو الدولية)

تفادي الانفجار

قد يستمر الوضع في الجنوب السوري على نمط إدارة الاحتكاك: توغلات محدودة، وقصف موضعي، واعتقالات، وأعمال تحصين، من دون انزلاق إلى مواجهة واسعة. لكنه هدوء ظاهري، لأن كلفة هذه الإجراءات لا تقاس فقط بما تحققه في لحظة تنفيذها، بل بما تتركه ببطء في المجتمع المحلي.

قد ينجح الحاجز في ضبط حركة عابرة، وقد يمنح الخندق أو النقطة العسكرية قدرة أكبر على الرصد والمراقبة، لكن ذلك لا يجيب وحده عن السؤال السياسي الذي يبقى بعد انصراف الآليات. فالحاجز قد يقام لساعات وينتهي في اليوم نفسه، بينما يبقى أثره أطول في ذاكرة من أوقفوا عنده أو منعوا من الوصول إلى أرضهم. والخندق الذي يحفر باسم الردع قد يحفر، في الوقت ذاته، مسافة جديدة بين القوة والسكان.

ولا يعني ذلك أن الجنوب السوري محكوم بالانفجار، أو أن كل احتكاك سينتهي إلى مواجهة. العكس هو المقصود: تفادي الانفجار يبدأ بالاعتراف بأن الحياة اليومية للسكان ليست تفصيلا يمكن فصله عن الحسابات الأمنية. وقد تفتح تفاهمات سياسية وأمنية واضحة مجالا لتخفيف التوتر، عبر العودة إلى قواعد فصل القوات، وإبعاد الحقول والطرق والقرى عن منطق العملية العسكرية، وضمان وصول الناس إلى أراضيهم.

وفي قراءة عريب الرنتاوي، أظهر 7 أكتوبر وما تبعه من حرب على غزة حدود فائض القوة الإسرائيلية: فالتفوق في القدرة على الضرب وإيقاع الدمار لا يحسم بمفرده سؤال النتيجة السياسية، ولا يضمن تحويل السيطرة العسكرية إلى أمن مستدام.

وفي الجنوب السوري، تظهر المفارقة بصيغة أخرى: كلما اتسعت السيطرة العسكرية من دون أفق يحمي السيادة وحياة الناس وحقهم في الوصول إلى أرضهم، زاد احتمال أن يتحول ما يقدم بوصفه ردعا إلى احتقان مفتوح لا تعرف المنطقة بعد مآلاته.

فهل يصنع الأمن من يفرض السيطرة على الأرض، أم من يضمن ألا تتحول الأرض نفسها إلى سبب دائم للخوف والرفض؟

المصدر: الجزيرة

إعلان