
برامج متفرقة
أوروبا تعيد تعريف هويتها.. صعود اليمين المتطرف بين الخوف والتحول الديموغرافي
وفي "محاولة فهم" الذي بُث على شاشة الجزيرة مساء اليوم الأربعاء (07 أكتوبر/أيلول 2026)، ناقش ضيوف البرنامج انعكاسات ذلك على المهاجرين والعالم العربي، وجذور الظاهرة وتحولاتها، خاصة أن أوروبا بدت كأنها تعيد تعريف نفسها.
يوضح عمر المرابط -الباحث في الشؤون الأوروبية والعمدة السابق لمدينة أتيس مونس جنوب باريس- أن اليمين المتطرف ليس مجموعة متجانسة، بل يضم تيارات مختلفة، بينها اليمين القومي الذي يعادي الهجرة ويدعو إلى إغلاق الحدود ويتمسك بما يسميه الهوية الأوروبية، إلى جانب يمين متطرف محافظ ومتدين يظهر في بعض الدول الأوروبية.
قصص مقترحة
list of 2 itemsوقال المرابط إن اليمين المتطرف في فرنسا -بحسب وصفه- يتخذ طابعا علمانيا ولا يرفع بالضرورة شعارات مسيحية، بينما توجد تيارات أخرى تتحدث عن الحضارة المسيحية اليهودية. وقال إن الاختلاف يمتد حتى إلى البرلمان الأوروبي، حيث توجد مجموعات متعددة داخل هذا التيار.
وأضاف أن ما يجمع هذه التيارات هو مجموعة من الهواجس، في مقدمتها الخوف من المستقبل والهجرة والتغير الديموغرافي وما يسميه بعض منظّري اليمين "الاستبدال العظيم"، أي الاعتقاد بأن السكان الأوروبيين البيض سيُستبدل بهم سكان من أصول أخرى.
وتحدث المرابط عن نظرة بعض الأوروبيين إلى المهاجرين العرب والمسلمين، مشيرا إلى أن الهجرات الأوروبية السابقة -مثل الهجرات الإيطالية إلى فرنسا- كانت أقل إثارة لمسألة الهوية، لأن المهاجرين كانوا ينتمون إلى البيئة الدينية والثقافية المسيحية نفسها، بينما أصبح المهاجر العربي والمسلم في نظر هذه التيارات "دخيلا" يختلف في المظهر والدين والثقافة.
وقالت الدكتورة هالة الساحلي المختصة بالشؤون الأوروبية والأطلسية إن مشكلة الأوروبيين الأساسية تكمن في الهوية، مضيفة أن الأزمة الاقتصادية التي بدأت بصورة حادة عام 2008، وما سبقها من تحولات أوروبية، أسهمت في تفكك النسيج الصناعي وولّدت أزمة هوية.
وربطت الباحثة بين هذه الأزمة وأحداث عام 2015، عندما شهدت أوروبا موجات كبيرة من الهجرة، ولا سيما من سوريا والعراق وأفغانستان، بالتزامن مع وقوع هجمات إرهابية في عدد من المدن الأوروبية. وقالت إن التقاطع بين موجات الهجرة والأعمال الإرهابية عمّق أزمة الهوية لدى قطاعات من الأوروبيين.
وأضافت أن عام 2020 مثّل -في تقديرها- مرحلة جديدة، انتقل فيها اليمين المتطرف من مرحلة انتشار الأفكار إلى مرحلة التغلغل واستيعاب الكوادر داخل المؤسسات والأحزاب التقليدية.
وتطرقت هالة الساحلي إلى خطاب ستيف بانون، كبير الإستراتيجيين السابق في البيت الأبيض وأحد رموز حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى"، مشيرة إلى محاضرة ألقاها عبر الاتصال المرئي ضمن فعالية لمعهد مسيحي مرتبط بالفاتيكان، تحدث خلالها عن مفهوم "الحرب المقدسة".
وقالت إن هذا الخطاب قدم الصراع بوصفه معركة وجودية، وربط الدفاع عن الهوية المسيحية بمواجهة "الغريب" والمسلم، مشيرة إلى أن ذلك أسهم في تحويل السياسي إلى ما يشبه المحارب المدافع عن قضية وجودية، بما يساعد على تعبئة الناخبين بشأن الخوف من الآخر.
اليمين الشعبوي
ورأى أستاذ العلاقات الدولية الدكتور حسن البراري أن من الضروري التمييز بين اليمين المحافظ التقليدي واليمين الشعبوي. وقال إن اليمين المحافظ الذي نظّر له إدموند بيرك يؤمن بالدولة والمؤسسات والليبرالية، بينما تحرك اليمين الشعبوي على مساحة الخوف.
وأضاف البراري أن أزمات عام 2008 وموجات الهجرة عام 2015 والأعمال الإرهابية لم تُنتج اليمين المتطرف، لكنها غيرت السياق ومنحت أفكارا كانت هامشية في أوروبا قدرا أكبر من المصداقية، حتى أصبحت بعض هذه الأفكار جزءا من الخطاب السياسي الرئيسي.
وأشار إلى أن مفهوم الهوية الأوروبية نفسه أصبح أكثر ارتباطا في بعض الخطابات بالعرق والانتماء، بحيث لم يعد كافيا أن يكون الشخص مولودا في أوروبا ومتحدثا بلغتها ومتبعا قوانينها، إذا كان ينتمي إلى خلفية دينية أو ثقافية مختلفة.
وتحدث البراري عن "ارتداد ثقافي" تشهده أوروبا، قائلا إن القارة التي كانت تنادي بالعولمة والمساواة وحقوق الإنسان وانفتاح الحدود تشهد الآن عودة إلى خطاب يرى في التغير الديموغرافي والثقافي تهديدا وجوديا للهوية.
ورأت الدكتورة هالة الساحلي أن اليمين المتطرف يحتاج إلى "آخر" لحشد أنصاره وتعبئتهم، موضحة أن هذا الآخر قد يكون المهاجر المسلم، لكنه قد يكون أيضا أي فئة يُنظر إليها بوصفها تهديدا للقيم التقليدية.
القدرة على تحريك الناخبين
وفي المقابل، استند عمر المرابط إلى دراسة عالم الاجتماع الفرنسي فنسان تيبيرج، الذي يرى -بحسب عرضه- أن النتائج الانتخابية لا تعكس بالضرورة حقيقة التحولات داخل المجتمعات الأوروبية. وقال المرابط إن الأجيال الأوروبية الجديدة أصبحت أكثر انفتاحا على المثلية الجنسية والثقافات الأخرى وقبول الآخر، لكن اليمين المتطرف يمتلك المال والإعلام والقدرة على تحريك الناخبين.
وأضاف أن أبناء المهاجرين أنفسهم أصبحوا يصلون إلى مواقع سياسية ومهنية متقدمة، قائلا إن المهاجر الذي كان يأتي في الماضي للعمل في وظائف التنظيف أصبح اليوم مهندسا وأستاذا جامعيا ووزيرا وعمدة ورئيس حكومة.
وقال المرابط إن هذا التحول هو أحد الأمور التي تزعج أنصار نظرية "الاستبدال"، مشيرا إلى أن التغير الديموغرافي واقع قائم، وأن انخفاض معدلات الخصوبة في أوروبا يجعل الهجرة جزءا من المعادلة السكانية.
ورأت هالة الساحلي أن هناك بعدا جغرافيا واجتماعيا لهذا الانقسام، إذ يميل الناخبون الأكثر تقدما إلى المدن، بينما يتركز التصويت لليمين وأقصى اليمين في المناطق الريفية وأطراف المدن، حيث يمكن أن يتولد الخوف من مهاجر لا يلتقي به الناخب مباشرة.
وقالت إن الخطاب بشأن أزمة الهوية قد يُستخدم أيضا لتغطية العجز عن تقديم حلول جوهرية للأزمات الاقتصادية المرتبطة بالرأسمالية الليبرالية والعولمة.
وفي تفسيرها لما يعنيه "الأوروبي" بالنسبة إلى اليمين المتطرف، قالت الباحثة المختصة بالشؤون الأوروبية والأطلسية إن الصورة النمطية التي يقدمها هؤلاء تتمثل في أوروبي مسيحي، يتمسك بالقيم التقليدية، ويعيش غالبا في الريف أو أطراف المدن، بينما يُصوَّر المهاجر -وخصوصا المسلم- بوصفه منافسا على الوظائف والفرص ومصدرا للتهديد.
وأكدت أن الأوروبيين والمهاجرين أصبحوا أمام واقع لا يمكن تجاهله، فالمهاجرون جزء من المجتمع الأوروبي، لكن ذلك لا يعني -بحسب قولها- أن قبولهم الثقافي والاجتماعي قد اكتمل.
ازدواجية الخطاب الأوروبي
أما الدكتور حسن البراري، فأعاد النقاش إلى مسألة الاندماج، قائلا إن أوروبا فشلت في دمج بعض المجتمعات ضمن بوتقة هوية أوروبية واحدة، مشيرا إلى وجود أحياء ومناطق ذات كثافة عالية من أصول مهاجرة، مستشهدا بمدينة برادفورد البريطانية.
وقال البراري إن المشكلة لا تتمثل في وجود خصوصيات ثقافية للمهاجرين فقط، بل أيضا في ازدواجية الخطاب الأوروبي، الذي يتحدث عن الاندماج من جهة، لكنه يقيس قيم المهاجرين وفقا للمعايير السائدة في المجتمع المضيف من جهة أخرى، وهو ما قد يؤدي إلى شعور بالتهميش.
وشدد على أن العمليات الإرهابية لا مبرر لها، لكنه حاول تفسير الظروف التي قد تساعد على نشوء التطرف، مشيرا إلى أن غياب قنوات سياسية للتعبير عن بعض المطالب قد يدفع بعض الأفراد إلى العنف.
وفي المقابل، قال المرابط إن الصورة لا تقتصر على مخاوف الأوروبيين من المهاجرين، بل توجد أيضا مخاوف اقتصادية وثقافية وديموغرافية وأمنية، مشيرا إلى وجود خطاب شعبوي لدى بعض الفئات من أبناء المهاجرين أيضا.
وحذر من التعميم المتبادل، قائلا إن المتطرف قد يرى كل مسلم مشروعا لإرهابي أو متحايلا على نظام الضمان الاجتماعي، بينما قد يرى بعض المسلمين كل فرنسي عنصريا ومعاديا للإسلام، مضيفا أن هذا التعميم المبالغ فيه يخلق ثنائية تغذي الشعبوية.
وأشار إلى ازدياد الاستقطاب السياسي في فرنسا مع ضعف الأحزاب التقليدية وصعود تيارات متنافسة تستقطب قطاعات مختلفة من المجتمع.
مستقبل اليمين المتطرف
وفي الجزء الأخير من النقاش، تناول المشاركون مستقبل اليمين المتطرف. وقالت الدكتورة هالة الساحلي إن اليمين المتطرف يمضي نحو استبدال الأحزاب المحافظة والتقليدية، مشيرة إلى أن بعض الأحزاب التقليدية استوعبت أفكارا وكوادر من اليمين المتطرف في محاولة لمنع وصوله المباشر إلى السلطة، وهو ما أدى في النهاية إلى تغلغل أفكاره داخل المؤسسات السياسية.
وأشارت إلى أمثلة في عدد من الدول الأوروبية، بينها المجر والنمسا وسلوفاكيا وسلوفينيا وإيطاليا واليونان وبلجيكا، موضحة أن المسار لم يعد يقتصر على نجاح انتخابي لليمين المتطرف، بل بات يتصل بتغيير داخل الأحزاب التقليدية نفسها.
وبخصوص المشاركة السياسية، قالت الباحثة إن مشكلة التمثيل السياسي لا تزال قائمة، وإن نسبة من الناخبين لا تذهب إلى صناديق الاقتراع، بينما تكون الأقلية الأكثر نشاطا هي التي تحدد اتجاهات التصويت.
ورأى عمر المرابط أن ضعف المشاركة يعود -بين أسباب أخرى- إلى فقدان الثقة بالأحزاب التقليدية، التي لم تعد تقدم -في رأيه- إجابات مقنعة عن الأسئلة المعقدة التي يواجهها الناخب الأوروبي، بينما يقدم الشعبويون إجابات بسيطة لقضايا معقدة ويعتمدون على مخاطبة المشاعر.
وقال إن جزءا من العرب والمسلمين في أوروبا لا يشاركون بنسبة كبيرة في الانتخابات لأسباب متعددة، بينها عدم امتلاك الجنسية لدى بعضهم، وضعف الثقافة الديمقراطية لدى آخرين ممن قدموا من بلدان ذات تجارب انتخابية مختلفة.
ورفض المرابط النظر إلى المستقبل بوصفه قاتما، وقال إن أوروبا تشهد تحولات سياسية، وإن فئات جديدة ولا سيما أبناء المهاجرين أصبحت تتمتع بوزن متزايد داخل المجتمعات الأوروبية، ويمكن أن تسهم في تغيير المشهد.