ممر واخان.. الطريق الذي تطرق به طالبان باب الصين المغلق

على ارتفاع يقارب 4900 متر، عند ممر واخجير، تنتهي حدود أفغانستان وتبدأ الصين. لا يوجد هناك معبر رسمي، والثلج يغلق الممر خمسة أشهر في السنة على الأقل، ولا يعبره الناس في بقية العام إلا بشكل متقطع.
ومع ذلك احتفلت الحكومة الأفغانية بقيادة حركة طالبان يوم الأحد 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026 بافتتاح طريق في ممر واخان بولاية بدخشان، يمتد بطول 121 كيلومترا من منطقة بروغيل إلى ما تسميه "النقطة صفر" على الحدود الصينية وبالقرب من حدود طاجيكستان وباكستان. وقالت وزارة إعادة التأهيل والتنمية الريفية إن الطريق بُني على مرحلتين بكلفة 365 مليون أفغاني، أي نحو 5.5 ملايين دولار.
قصص مقترحة
list of 2 itemsالطريق ترابي مفروش بالحصى. وعلى الجانب الآخر لا توجد منشأة جمركية صينية، ولم تعلق الخارجية الصينية على الافتتاح حتى ساعة كتابة هذا التقرير.
هذه هي قصة واخان اليوم. كابل تشق الطريق، وبكين تُبقي البوابة مغلقة.
ممر واخان
يمتد ممر واخان نحو 350 كيلومترا من إشكاشم في أقصى شمال شرقي أفغانستان، بحسب دراسة الحدود الدولية الأمريكية لعام 1983، بين طاجيكستان شمالا وباكستان جنوبا، ويقع كله داخل الأراضي الأفغانية. عند طرفه الشرقي تلتقي أفغانستان بالصين على حدود قصيرة، تقول مصادر صينية إن طولها نحو 92 كيلومترا، بينما تشير بعض المصادر الصحفية إلى أن طولها لا يتجاوز 75 كيلومترا.
وتسمّي الصين واديا على جانبها من الحدود "الجزء الصيني من ممر واخان". من هنا جاءت أرقام متداولة في الصحافة الصينية تجعل طول الممر 400 كيلومتر، منها 100 كيلومتر داخل الصين. لكن الممر نفسه أفغاني بالكامل.
"على مدى القرون، عبر الممر تجار طريق الحرير ورحالته"
على مدى القرون، عبر الممرَّ تجارُ طريق الحرير ورحالته. ومن أشهرهم الراهب البوذي الصيني شوان زانغ (هيوين تسانغ)، الذي مرّ به في رحلة عودته من الهند إلى الصين نحو عام 644 للميلاد.أما شكله الحالي فرسمته "اللعبة الكبرى " بين بريطانيا وروسيا. في عام 1895 حددت لجنة حدود بامير الأنغلو-روسية الحدود الشمالية لأفغانستان مع الأملاك الروسية، وأبقت شريط واخان في يد كابل ليفصل بين الإمبراطوريتين. ومنذ ذلك الاتفاق عُدّ ممر واخجير حدا بين أفغانستان والصين، مع أن الصين لم تكن طرفا فيه.
لم يحسم البلدان حدودهما إلا في نوفمبر/تشرين الثاني 1963، حين وقّع وزير الخارجية الصيني تشن يي ووزير الداخلية الأفغاني عبد القيوم في بكين معاهدة الحدود. وبحسب جمعية الحفاظ على الحياة البرية عام 2014، كان يسكن منطقة واخان أكثر من 13 ألف واخي ونحو 1500 قرغيزي. يعيش الواخيون الإسماعيليون أساسا في القرى والوديان الأدنى، بينما يقيم الرعاة القرغيز في مرتفعات البامير. وعلى الجانب الصيني تقع مقاطعة تاشكورغان الطاجيكية ذاتية الحكم في شينجيانغ.

وخلال السنوات الأخيرة، لم يعد ممر واخان مجرد شريط جبلي معزول شمال شرق أفغانستان، بل تحول إلى إحدى أكثر العقد الجيوسياسية حساسية في آسيا، إذ تتقاطع عنده رهانات الأمن الصيني، وطموحات أفغانستان الاقتصادية، ومصالح باكستان وإيران، ومشاريع الربط الإقليمي لدول آسيا الوسطى. ومع احتدام المنافسة على الممرات التجارية واللوجستية في القارة الآسيوية، بات هذا الممر الضيق مرشحا للعب دور يتجاوز حدوده الجغرافية، باعتباره حلقة وصل محتملة بين جنوب آسيا وشرقها ووسطها، ومفتاحا لإعادة رسم خرائط التجارة والنفوذ في المنطقة.
ممر صنعته الجغرافيا ورسخته السياسة
بدأ الحديث الجدي عن طريق عبر واخان في يونيو/حزيران 2009، حين زار وزير الخارجية الأفغاني رانغين دادفار سبنتا بكين داعيا إلى فتح الممر، وهو ما قبلته بكين بإعلان استعدادها لدراسة الأمر. لم يتجاوز المشروع حينها مرحلة الدراسات الأولية، إذ أُعلن آنذاك أن الطبيعة الجغرافية الوعرة للممر تمثل عقبة رئيسية أمام تنفيذه.
لكن الصحافة الصينية وقتها قالت إن "فتح الممر سيمس الأمن الوطني"، وأشارت التقارير حينها إلى أن الصين أغلقت هذه الحدود أصلا لتمنع "تسلل المسلحين من أفغانستان". كانت الاعتبارات السياسية والأمنية إذن أكثر تأثيرا من التحديات الهندسية، في ظل الخبرة الصينية الطويلة في تنفيذ مشاريع بنية تحتية معقدة في البيئات الجبلية. لقد كانت بكين متحفظة على فتح حدودها المباشرة مع أفغانستان، خشية أن يشكل الممر منفذا لمن تصفهم بـ"جماعات انفصالية" من الإيغور، وهو ما أدى إلى تجميد المشروع لسنوات.
ومع إطلاق الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني ضمن مبادرة "الحزام والطريق"، فضلت بكين دمج أفغانستان في هذا المسار الإقليمي، بدلا من إحياء طريق واخان. لكن كابل لم تتخلَّ عن رؤيتها الإستراتيجية للممر، باعتباره أقصر منفذ بري مباشر إلى الصين، ووسيلة لتنويع طرق التجارة وتقليل الاعتماد على المعابر التقليدية.
"كابل لم تتخلَّ عن رؤيتها الإستراتيجية للممر، باعتباره أقصر منفذ بري مباشر إلى الصين"
ويقول السفير الأفغاني السابق لدى الصين جاويد قائم للجزيرة نت: "بدأت أفغانستان في عام 2019 بناء طريق في ممر واخان وأكملت نحو 60 كيلومترا، إلا أن التغيير المفاجئ في الحكومة الأفغانية في أغسطس/آب 2021 أدى إلى تأجيل الخطة". أما وزير الدفاع الأفغاني السابق شاه محمود مياخيل فقد قال في حديثه للجزيرة نت إن مشروع الطريق "يعود إلى خطط وضعتها الحكومة السابقة، لكن وجود القوات الأمريكية والأجنبية والوضع الأمني حالا دون تنفيذه، وإن بكين رأت في تلك الظروف ما يحدّ من فرص تطوير الممر".
اكتسب المشروع زخما جديدا بعد عودة حركة طالبان إلى السلطة عام 2021. فقد سيطرت طالبان على واخان في يوليو/تموز 2021، قبل أسابيع من دخولها كابل. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2022 أمر مجلس وزرائها بنشر قوات وتقديم خدمات في وادي واخان. جعلت الحكومة الأفغانية منذ ذلك الوقت استكمال طريق واخان أحد مشاريعها الإستراتيجية، بالتوازي مع تعزيز قنوات التواصل السياسي والدبلوماسي مع بكين، في إطار مساعيها لتحويل الممر من منطقة حدودية معزولة إلى بوابة تربط أفغانستان بالأسواق الصينية وآسيا الوسطى، وتعزز موقعها ضمن شبكات التجارة الإقليمية.
ويضيف قائم: "استأنفت حركة طالبان بناء طريق واخان في سبتمبر/أيلول 2023، ساعية للحصول على دعم مالي من الصين لتنفيذ هذا الطريق التجاري المستقبلي، لكن الصين لم توافق بعد على فتح حدودها مع أفغانستان بسبب التهديدات الأمنية".

في يناير/كانون الثاني 2024 أعلنت طالبان أن الطريق بلغ الحدود الصينية. وفي مارس/آذار 2025 وقّعت وزارة التنمية الريفية عقدا مع شركات محلية لمرحلة ثانية طولها 71 كيلومترا. وتقول السلطات إن المشروع موّل من موارد الحكومة الأفغانية، ولا تشير المعلومات المتاحة إلى وجود أي تمويل صيني للمشروع.
عن ذلك قال محمد إسماعيل غزنوي، الذي كان واليا لبدخشان، للجزيرة نت: "إن أعمال إنشاء الطريق في الجانب الأفغاني شارفت على الاكتمال". ونُقل غزنوي في 25 أغسطس/آب 2026 إلى منصب نائب وزير الأشغال العامة لصيانة الطرق.
بكين.. الأمن قبل التجارة
في 20 أغسطس/آب 2025 زار وزير الخارجية الصيني وانغ يي كابل، وهو أرفع مسؤول صيني يزورها منذ عودة طالبان إلى الحكم. وفي لقائه وزير الداخلية سراج الدين حقاني قال إن الصين "تدعم الاستئناف المبكر للدوريات الثنائية في ممر واخان، للحفاظ على السلام والهدوء في المناطق الحدودية". وطلب من كابل "اتخاذ إجراءات قوية لضرب القوى الإرهابية الدولية مثل حركة تركستان الشرقية الإسلامية".
وربما يكون هذا هو البيان الصيني الرسمي الوحيد الذي ذكر واخان بالاسم. فعلى خلاف الرؤية الأفغانية، لا تنظر الصين إلى ممر واخان بوصفه مشروعا اقتصاديا في المقام الأول، بل تعتبره ملفا أمنيا بالغ الحساسية. وتتمثل أولويات بكين في أفغانستان في ثلاثة محاور رئيسية: حماية حدودها الغربية، ومنع انتقال الجماعات المسلحة إلى إقليم شينجيانغ، وتأمين استثماراتها في الموارد الطبيعية، إضافة إلى حماية مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني.
ويقدّم مصدر حكومي أفغاني، طلب عدم كشف اسمه، رواية كابل للموقف الصيني. يقول للجزيرة نت: "لا تعارض الصين فتح حدودها مع أفغانستان عبر ممر واخان، إلا أنها تربط تنفيذ المشروع بتوافر ضمانات أمنية فعالة". ويقول المصدر إن طالبان أثبتت قدرتها على ضبط الأمن وتأمين الحدود.

وفي لقائه وزير الخارجية أمير خان متقي، قال وانغ يي إن على البلدين "معالجة العلاقة بين الأمن والتنمية"، وإنه يأمل أن تواصل كابل "ضرب قوى حركة تركستان الشرقية الإسلامية الإرهابية بكل قوة". وبعد يومين سأل صحفي من رويترز المتحدثة باسم الخارجية الصينية ماو نينغ عن بدأ محادثات حول واخان. فأحالته إلى البيانات المنشورة، وقالت إن الصين تدعم أفغانستان في مكافحة "الإرهاب".
وحركة تركستان الشرقية الإسلامية، المعروفة أيضا بالحزب الإسلامي التركستاني، جماعة "إيغورية" تصفها بكين بـ"الانفصالية" و"الإرهابية". وكانت واشنطن قد رفعتها في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 من "قائمة المنظمات الإرهابية"، وقالت الخارجية الأمريكية إنه لا يوجد منذ أكثر من عقد أي دليل موثوق على استمرار وجودها. وفي 31 أغسطس/آب 2022 أدان تقييم مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان "احتجاز الإيغور وغيرهم من المسلمين تعسفيا في شينجيانغ". وترفض الصين هذه الاستنتاجات، وتراها جزءا من حملة غربية ضدها.
ولم تنتظر بكين قرار فتح الحدود لتعزز حضورها على جانبها. ففي 26 مارس/آذار 2026 أعلنت حكومة شينجيانغ إنشاء مقاطعة جديدة باسم "تسنلينغ" تتبع محافظة كاشغر، اقتُطعت من مقاطعتي يتشنغ وتاشكورغان. وتقول المصادر الصينية إن الهدف تقوية "حراسة الحدود" وتحسين الخدمات. وتسمي هذه المصادر المقاطعات الحدودية الجديدة "حاجزا"، لا بوابة أو معبرا.
"بكين ما زالت ترى طريق أفغانستان إليها يمر عبر باكستان"
وفي الشق الاقتصادي تمضي بكين بحذر أيضا. ففي مايو/أيار 2025 اتفق وزراء خارجية الصين وأفغانستان وباكستان في بكين على "دفع مدّ الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني إلى أفغانستان". أي أن بكين ما زالت ترى طريق أفغانستان إليها يمر عبر باكستان. أما الاستثمارات الصينية الكبرى فمتعثرة. في يونيو/حزيران 2025 ألغت طالبان عقد التنقيب عن النفط في حوض آمو داريا مع شركة صينية من شينجيانغ، وقالت إن الشركة أخلّت بالتزاماتها. وفي مايو/أيار 2026 اشتكى وزير المناجم الأفغاني للسفير الصيني من تأخر مشروع منجم النحاس في "مس عينك"، الذي لم يبدأ الإنتاج بعد.
ويرى قائم أن بكين ستستفيد من الممر إن فُتح، لأن الصين، كما يقول، "استغلت بالفعل الموارد الطبيعية لأفغانستان وزادت صادراتها إلى البلاد، لذلك فإن لدى بكين مصلحة واضحة في خفض تكاليف نقل البضائع إلى أفغانستان".
ترتبط الصين بحدود برية مع 14 دولة، وتدير شبكات واسعة من العلاقات الاقتصادية والتجارية مع معظم جيرانها، بما في ذلك باكستان والهند ودول آسيا الوسطى، لكن أفغانستان تبقى الدولة الوحيدة المجاورة للصين -بالإضافة إلى بوتان- التي لم تستفد حتى الآن من منفذ بري مباشر وفاعل للتبادل التجاري.

نافذة للخروج
تريد كابل من واخان منفذا لا تتحكم فيه إسلام آباد. فأفغانستان دولة حبيسة، وطرقها إلى البحر تمر عبر باكستان وإيران. وفي العام الأخير أُغلق الطريقان تقريبا معا.
ويقول غزنوي إن المشروع "جزء من خطة الحكومة لتنويع المنافذ التجارية وتقليل الاعتماد على المعابر الباكستانية، بعد الأزمات المتكررة على الحدود مع إسلام آباد " والتي وصلت إلى قصف العاصمة كابل. ويضيف أن الأوضاع في إيران تؤثر مباشرة على تجارة أفغانستان، ولذلك صار فتح طرق بديلة أولوية.
وترى الحكومة الأفغانية في الطريق بداية ممر تجاري، وربما سكة حديدية في المستقبل، يربط البلاد بمبادرة "الحزام والطريق" ويدر عليها رسوم عبور. وفي حفل الافتتاح دعا حاكم مديرية واخان المولوي وجيه الدين إلى شق طريق آخر من معبر بروغيل إلى مديرية إشكاشم.
ويقول غزنوي، في حديثه للجزيرة نت "إن الممر لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد معبر يربط أفغانستان بالصين، بل بوصفه ممرا إستراتيجيا يمكن أن يشكل حلقة وصل بين جنوب آسيا وآسيا الوسطى، بما يعزز حركة التجارة الإقليمية والتكامل الاقتصادي ويرفد الاستقرار الأمني والتنمية في المنطقة".

غير أن هذه الطموحات تصطدم بعدة تحديات، أبرزها نقص التمويل، وعدم الاعتراف الدولي بالحكومة، واستمرار التهديدات الأمنية، وهي عوامل تجعل نجاح المشروع مرتبطا إلى حد بعيد بموقف الصين واستعدادها للانتقال من سياسة الحذر إلى الاستثمار الفعلي.
باكستان.. الخاسر المحتمل
ليلة 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025 تبادلت القوات الأفغانية والباكستانية القصف على الحدود. وأغلقت باكستان خمسة معابر حدودية. وبعد شهر واحد قدّرت صحيفة "دون" (Dawn) الباكستانية خسائر الصادرات الباكستانية بأكثر من 45 مليون دولار. وفي فبراير/شباط 2026 أفادت تقارير صحفية أمريكية بأن بعض المعابر ما زالت مغلقة بعد أكثر من ثلاثة أشهر، وبأن طالبان منعت استيراد الأدوية الباكستانية.
وعاد القتال في فبراير/شباط ومارس/آذار 2026، وأُعلنت هدنة حتى 23 مارس/آذار. وحتى أواخر سبتمبر/أيلول 2026 بقيت تجارة الشاحنات عبر معبري طورخم وتشمن متوقفة، واقتصرت الحركة في طورخم على الأفغان العائدين من باكستان. وفي 23 سبتمبر/أيلول قالت باكستان إنها أسقطت ثماني طائرات مسيّرة قادمة من أفغانستان. وقدّرت غرفة التجارة الأفغانية الخسائر بنحو 2.5 مليون دولار عن كل يوم إغلاق.
في هذا السياق يقول شاه محمود مياخيل، وزير الدفاع الأفغاني السابق، للجزيرة نت إن انسحاب القوات الأجنبية وسيطرة طالبان على الحكم سمحا باستئناف المشروع. ويرى أن الممر يمنح أفغانستان منفذا بريا مباشرا إلى الصين ويقلل اعتمادها على باكستان، وهو ما لا يتوافق، في رأيه، مع مصالح إسلام آباد.
لكن بكين لا تتصرف كأنها تبحث عن بديل لباكستان. فهي ما زالت تدعو إلى مدّ الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني إلى أفغانستان، ولا تفتح معبر واخجير. ولا يمكن لطريق ترابي يُغلق بالثلج شهورا أن يعوّض معبرا مهما مثل طورخم، الذي كان يمر منه معظم تجارة أفغانستان مع باكستان.
وربط الوزير السابق بين التوترات الأمنية التي تشهدها ولاية بدخشان في الفترة الأخيرة وبين مشروع الممر، قائلا إن هناك محاولات لعرقلة استكماله، ومضيفا أنه يعتقد أن "أطرافًا إقليمية ودولية لا ترغب في تعزيز التقارب بين أفغانستان والصين في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة. وأكد أن هذه القراءة تعكس تقديره الشخصي لطبيعة التنافس الدائر حول الممر، الذي أصبح يتجاوز كونه مشروعا للبنية التحتية إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية".
ويبقى الخلاف الأعمق قائما. فكابل، بكل حكوماتها، لا تعترف بخط ديوراند حدودا مع باكستان.
إيران.. سكة نحو الشرق
في 28 فبراير/شباط 2026 بدأت الولايات المتحدة الحرب على إيران، وفرضت واشنطن حصارا بحريا على الموانئ الإيرانية وأُغلق مضيق هرمز. وانقطعت تجارة أفغانستان عبر ميناءي تشابهار وبندر عباس، ونفدت إمدادات برنامج الأغذية العالمي في البلاد منتصف أبريل/نيسان. ولم يُعلن أي اتفاق نهائي لإنهاء الحرب حتى الآن.
جاءت الضربة في وقت كانت فيه إيران قد تجاوزت باكستان لتصبح الشريك التجاري الأول لأفغانستان، بحجم تبادل يقارب 3.5 مليارات دولار، معظمه صادرات إيرانية من الوقود والغذاء.
تبحث طهران عن طرق برية تخفف اعتمادها على البحر وترى أن إنشاء ممر بري وسككي عبر أفغانستان وصولا إلى الصين قد يشكل تحولا إستراتيجيا في تجارتها الخارجية. يربط خط خواف-هرات، وطوله 225 كيلومترا، السكك الحديدية الإيرانية بغرب أفغانستان منذ عام 2020. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025 اتفق الطرفان على خط من هرات إلى مزار شريف. وفي يونيو/حزيران 2026 أعلن البنك المركزي الأفغاني أن مصارف تجارية ستموّله، بطول نحو 657 كيلومترا وكلفة تقارب 780 مليون دولار.
ويحظى المشروع باهتمام متزايد من المسؤولين الإيرانيين، الذين بحثوه مع الحكومة الأفغانية ضمن رؤية أوسع لتحويل أفغانستان إلى حلقة وصل بين منطقة الخليج وآسيا الوسطى والصين.
يقول السفير الأفغاني السابق لدى إيران عبد الغفور ليوال للجزيرة نت إن إيران "ترى في ممر واخان فرصة إستراتيجية لتعزيز ارتباطها البري بالصين عبر الأراضي الأفغانية، بما يخفف اعتمادها على المسارات التقليدية ويعزز دورها كمركز إقليمي للنقل والتجارة".
وبالنسبة لطهران، لا يمثل واخان مشروعا منفردا، بل جزءا من شبكة ممرات إقليمية يمكن أن تعزز مكانة إيران كمركز للنقل البري بين الشرق والغرب.

آسيا الوسطى.. منافسة على بوابة العبور
أكثر المشاريع تقدما في الشمال هو سكة "عبر أفغانستان" التي تقترحها أوزبكستان. ففي يوليو/تموز 2025 وقّعت أوزبكستان وأفغانستان وباكستان في كابل اتفاقا إطاريا لدراسة جدوى خط من ترمذ عبر نايب آباد وميدان شهر ولوغر إلى معبر خرلاشي الباكستاني. يبلغ طول الخط 573 كيلومترا، وتقدّر طشقند كلفته بـ4.8 مليارات دولار، ومدة بنائه بخمس سنوات على الأقل.
يمكن القول إذن إن دول آسيا الوسطى تدرك أن مستقبل التجارة الإقليمية سيتحدد إلى حد كبير وفق الممرات التي ستعبر الأراضي الأفغانية. وتسعى أوزبكستان إلى ترسيخ موقعها كمركز لوجستي عبر مشروع السكك الحديدية العابر لأفغانستان، بينما تطور تركمنستان مشاريع منافسة تربطها بالموانئ الجنوبية.
وفي مايو/أيار 2026 أعادت كابل افتتاح قسم من خط حيرتان-مزار شريف بعد ترميمه، وهو المنفذ القائم إلى شبكة السكك الحديدية الأوزبكية. وفي سبتمبر/أيلول 2026 اتفقت كابل وعشق آباد على توسيع التعاون في النقل والعبور.
أما طاجيكستان، الجارة الشمالية لواخان، فعلاقتها بطالبان أكثر توترا من جيرانها الآخرين. فقد كانت الدولة المجاورة الوحيدة التي عارضت علنا عودة الحركة إلى الحكم عام 2021، وما زالت لا تقيم معها علاقات دبلوماسية رسمية. وتستضيف دوشنبه شخصيات معارضة لطالبان، ورفضت تسليم السفارة الأفغانية لممثلي الحركة، فبقي فيها دبلوماسيون عيّنتهم الحكومة السابقة. وفي المقابل تتهم دوشنبه طالبان بدعم جماعة "أنصار الله" الطاجيكية، المعارضة للحكومة.
ورغم اختلاف أولويات هذه الدول، فإنها تتفق على أن استقرار أفغانستان يمثل شرطا أساسيا لتحويل هذه الممرات من مشاريع على الورق إلى شبكات نقل فعالة.
وفي المقابل، قد يؤدي تعدد المشاريع وتنافسها إلى زيادة حدة التنافس الجيوسياسي بدلا من تحقيق التكامل، إذا لم تتوافر آليات إقليمية للتنسيق.

مستقبل الممر.. بين الأمن والاقتصاد
لا تبدو بدخشان بذلك الهدوء الذي تصفه الحكومة الأفغانية. ففي مايو/أيار 2024 خرجت فيها احتجاجات نادرة على حملات إتلاف حقول الخشخاش. وفي الأشهر الأخيرة تبنّت جبهة المقاومة الوطنية المعارضة هجمات عدة في الولاية. وبعد ساعات من حفل افتتاح الطريق أعلنت الجبهة أنها قتلت نائب مسؤول الاستخبارات التابع لطالبان في فيض آباد، عاصمة الولاية.
وفي حفل الافتتاح نفسه نفى الوالي الجديد رحمة الله نجيب وجود أي مشكلة أمنية تمنع الاستمرار في المشروع.
ويربط مياخيل بين التوتر في بدخشان ومشروع الممر، ويقول: "إن هناك محاولات لعرقلة استكماله". ويرى أن أطرافا إقليمية ودولية لا تريد التقارب بين أفغانستان والصين، ويؤكد أن هذا تقديره الشخصي.
"سيظل مستقبل واخان رهنا بقدرة الأطراف المعنية على التوفيق بين متطلبات الأمن وحسابات الاقتصاد"
وسيظل مستقبل واخان رهنا بقدرة الأطراف المعنية على التوفيق بين متطلبات الأمن وحسابات الاقتصاد. فإذا نجحت هذه المعادلة، فقد يتحول الممر من شريط جبلي معزول إلى أحد أهم محاور الربط التجاري في آسيا خلال العقود المقبلة، أما إذا استمرت الشكوك الأمنية والتنافس الإقليمي، فسيبقى واخان رمزا لإمكانات جغرافية كبيرة لم تجد بعد طريقها إلى الواقع.
يعكس ممر واخان بصورة واضحة طبيعة التحولات التي تشهدها آسيا اليوم، حيث أصبحت البنية التحتية للنقل جزءا من المنافسة الجيوسياسية بين القوى الإقليمية. يحتاج تحويل الطريق إلى معبر تجاري إلى منشأة جمركية وترتيبات أمنية على الجانبين، وقبل ذلك إلى قرار في بكين.
