سوريا في مواجهة إسرائيل..ما بعد التفاوض ليس طريقا واحدا

دمشق توسع خياراتها من واشنطن إلى أنقرة وإسلام آباد

حفظ

جنود إسرائيليون يرفعون علم إسرائيل على جبل الشيخ داخل الأراضي السورية، في مشهد يجسد انتهاك السيادة السورية.(منصات التواصل الاجتماعي)

تتناول الورقة التحليلية «سوريا في مواجهة التحدي الإسرائيلي: الخيارات وآفاق التفاوض»، للباحث فراس فحام، طبيعة التحدي الذي تمثله السياسة الإسرائيلية للدولة السورية الجديدة، والخيارات التي تعتمدها دمشق لمواجهته، من الدبلوماسية وتوسيع شبكة العلاقات الإقليمية والدولية إلى إعادة بناء قدرات الردع، كما تبحث أسباب تعثر المفاوضات بين الطرفين، وما يمكن أن تنتهي إليه في ظل استمرار الخلاف حول الانسحاب الإسرائيلي ومستقبل الجولان والترتيبات الأمنية في الجنوب السوري.

وتنطلق الورقة الصادرة من مركز الجزيرة للدراسات من مفارقة أساسية؛ فسقوط نظام الأسد وانسحاب إيران وحلفائها اللبنانيين والعراقيين من سوريا لم يؤديا إلى تراجع العمليات الإسرائيلية، بل استمرت الهجمات الجوية والتوغلات البرية، وتمركزت القوات الإسرائيلية في مواقع خارج خط فض الاشتباك لعام 1974، بالتوازي مع استمرار التدخل الإسرائيلي في ملف السويداء.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

وفي المقابل، لا تتجه الحكومة السورية إلى المواجهة العسكرية المباشرة، وإنما تقدم المسار الدبلوماسي، مع العمل في الوقت نفسه على بناء شبكة من الأدوات التي تقلل قدرتها على التأثر بالضغط الإسرائيلي. ومن هنا لا تنظر الورقة إلى المفاوضات باعتبارها المسار السوري الوحيد، بل تضعها ضمن استراتيجية أوسع تشمل واشنطن وتركيا ودولا عربية وباكستان وروسيا، إلى جانب تحصين الداخل وإعادة بناء المؤسسة العسكرية.

وتكتسب هذه المعادلة أهمية إضافية مع تعثر المفاوضات. فبعد الهجوم الإسرائيلي على قاعدة أبو الظهور العسكرية شرقي إدلب في أغسطس/آب 2026، عُقد لقاء افتراضي بين الطرفين برعاية أردنية، لكن المسار لم يتقدم بعد ذلك. وأشار الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى أن الطرفين كانا قد توصلا إلى تفاهم على نحو 90٪ من الملفات قبل أن تتراجع إسرائيل وتطرح شروطا إضافية، مع إبقاء دمشق الباب مفتوحا أمام استمرار التفاوض.

إعلان

وفي المقابل، تكررت المواقف الإسرائيلية الرافضة للانسحاب من جبل الشيخ والمنطقة الأمنية التي تتمسك بها إسرائيل داخل سوريا. وترى الورقة أن ذلك يكشف أن الخلاف لم يعد محصورا في تفاصيل اتفاق أمني، وإنما يتعلق بتصورين مختلفين لمستقبل الدولة السورية وحدود سيادتها وقدراتها العسكرية وتحالفاتها الإقليمية.

DAMASCUS, SYRIA - JULY 16: The aftermath of an Israeli airstrike on Syria's defence ministry headquarters is seen on July 16, 2025 in Damascus, Syria. A spokesperson from the Israeli Defense Forces (IDF) confirmed Wednesday that Israeli airstrikes have targeted the headquarters of Syria's defence ministry and a site near the presidential palace in Damascus. The strikes come amid an escalation in conflict between Syrian government forces and Druze militia in the southern Syrian city of Sweida, or Suwayda. Israel has previously vowed to protect the Druze in Syria, due to the deep brotherly alliance with our Druze citizens in Israel, and their familial and historical ties to the Druze in Syria, according to Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu's office. (Photo by Ali Haj Suleiman/Getty Images)
آثار غارة إسرائيلية استهدفت مقر وزارة الدفاع السورية في دمشق (أرشيفية -غيتي)

إسرائيل لا تريد حدودا آمنة فقط

تحدد الورقة أربعة اتجاهات رئيسية للسياسة الإسرائيلية تجاه سوريا، وترى أنها تتجاوز منع ظهور تهديد عسكري مباشر على الحدود إلى محاولة التأثير في طبيعة الدولة السورية نفسها وفي قدرتها على استعادة مركزيتها وبناء قوتها.

يتمثل الاتجاه الأول في فرض مناطق عازلة ومنزوعة السلاح. فإسرائيل تتمسك بالمناطق التي تقدم إليها جيشها بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، ولاسيما المرتفعات مثل جبل الشيخ والتل الأحمر، كما تريد إبقاء الجنوب السوري منطقة منزوعة السلاح. وفي هذا السياق، تتكرر عمليات الاقتحام ونصب الحواجز من ريف القنيطرة وصولا إلى حوض اليرموك في درعا.

وتشير الورقة إلى أن الاحتفاظ بهذه المواقع يمكن أن يخدم أكثر من غرض. فمن ناحية، توفر المرتفعات نقاط إنذار مبكر متقدمة في محيط الجولان، ومن ناحية أخرى، قد يوظف نتنياهو وحزبه الوجود العسكري الإسرائيلي في سوريا داخليا في سياق انتخابات الكنيست. كما أن استمرار الاقتحامات يضع الحكومة السورية أمام مشكلة تتعلق بشرعيتها وقدرتها على إظهار سيادتها على أراضيها، خصوصا مع سيطرة إسرائيل على موارد مائية مهمة لسكان الجنوب.

أما الاتجاه الثاني، فيتصل بمحاولة التأثير في تحالفات دمشق الخارجية، وخصوصا علاقتها المتطورة مع تركيا. فالورقة ترى أن الموقف الإسرائيلي تجاوز القلق من الوجود التركي إلى محاولة الحد من الخيارات السورية نفسها، وقد استخدمت إسرائيل القوة أكثر من مرة لإيصال رسالة ترفض فيها إنشاء قواعد عسكرية تركية داخل سوريا.

وتكتسب تركيا أهمية خاصة بالنسبة إلى دمشق لأنها تستطيع توفير التجهيزات العسكرية والمعدات التقنية والخبرات اللازمة لإعادة بناء الجيش السوري. ومن ثم، فإن الحد من التعاون السوري ـ التركي يمكن أن يضعف قدرة دمشق على مواجهة الضغوط الإسرائيلية. كما تربط الورقة بين الرفض الإسرائيلي للدور التركي والخشية من حصول سوريا على معدات وتقنيات للدفاع الجوي يمكن أن تحد من حرية حركة الطيران الإسرائيلي.

ويظهر الاتجاه الثالث في إعاقة إعادة بناء القوة العسكرية السورية. فبعد سقوط نظام الأسد، دمرت إسرائيل مستودعات أسلحة وما تبقى من طائرات حربية قابلة للاستخدام، واستمر هذا النهج لاحقا، ومن أبرز أمثلته استهداف البنية التحتية لقاعدة أبو الظهور العسكرية في أغسطس/آب 2026، بما أعاق إعادة تأهيلها.

وتشير الورقة أيضا إلى انفجار أربعة مستودعات تابعة للجيش السوري خلال أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول 2026 في إدلب ودير الزور وحلب وريف دمشق، مع وجود شكوك حول تورط إسرائيل في تدميرها. وتقرأ ذلك في إطار مخاوف إسرائيلية أوسع من إعادة بناء مؤسسة عسكرية سورية يمكن أن يتجاوز تأثيرها مستقبلا الحدود السورية.

إعلان

أما الاتجاه الرابع، وربما الأبعد أثرا في شكل الدولة السورية، فهو الحؤول دون استعادة مركزية الدولة. وترى الورقة أن إسرائيل تفضل سوريا ذات نظام فيدرالي ومناطق حكم ذاتي على أساس طائفي أو عرقي، لأن ذلك يمنحها هوامش أوسع للتدخل السياسي والأمني وبناء علاقات مباشرة مع مكونات محلية بعيدا عن مؤسسات الدولة المركزية.

ويبرز ملف السويداء نموذجا لهذا الاتجاه، حيث حافظت إسرائيل على علاقاتها مع فصائل محلية، ورفضت دخول الجيش السوري إلى كامل المحافظة، واستخدمت القوة العسكرية في عام 2025 لمنع سيطرته عليها بالكامل. كما تشير الورقة إلى محاولات إسرائيلية لعرقلة اندماج قوات سوريا الديمقراطية في الدولة قبل إعلان قيادة «قسد» حل التنظيم في أغسطس/آب 2026.

ومن ثم، فإن الرؤية التي تقدمها الورقة للسياسة الإسرائيلية لا تقتصر على إنشاء حزام أمني على الحدود، بل تمتد إلى منع ظهور دولة سورية مركزية تمتلك مؤسسة عسكرية قادرة وتحالفات إقليمية مستقلة.

ANKARA, TURKEY - JULY 08: U.S. President Donald Trump (R) meets with Ahmed al-Sharaa, President of Syria (2nd L) for bilateral talks at Beştepe Presidential Compound during the NATO Summit on July 08, 2026 in Ankara, Turkey. Leaders from NATO's 32 countries, plus NATO allies like Ukraine, gathered in the Turkish capital to discuss a range of issues involving spending targets, defense industrial production, and support for Ukraine, among other topics. (Photo by Win McNamee/Getty Images)
الرئيسان السوري أحمد الشرع والأمريكي دونالد ترمب، (غيتي)

دمشق توسع خياراتها.. من واشنطن إلى أنقرة وإسلام آباد

في مواجهة هذه السياسة، تضع دمشق الدبلوماسية في مقدمة خياراتها، لكنها لا تراهن على المفاوضات وحدها. وتعرض الورقة استراتيجية سورية تقوم على مجموعة مسارات متوازية هدفها تحسين موقع الدولة وتقليل قدرتها على التأثر بالضغط الإسرائيلي.

ويأتي تطوير العلاقة مع الولايات المتحدة في مقدمة هذه المسارات. فقد أولت الحكومة السورية أهمية كبيرة للعلاقة مع إدارة ترمب، مستفيدة من علاقاتها مع تركيا والسعودية وتأثيرهما في واشنطن. وأسفر هذا المسار عن دخول سوريا ضمن التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وهو ما وفر غطاء مهما للمؤسستين العسكرية والأمنية السوريتين في تعاونهما مع الجانب الأمريكي ضد تنظيم الدولة.

وترى الورقة أن المصالح المشتركة بين دمشق وواشنطن أصبحت توفر لسوريا قدرا من الحماية السياسية من بعض أشكال التصعيد الإسرائيلي. فإضعاف الجيش والأجهزة الأمنية السورية بالقصف الإسرائيلي يمكن أن يهدد الاستقرار ويفتح المجال أمام عودة نشاط خلايا تنظيم الدولة، وهو أمر يتعارض مع المصالح الأمريكية.

وتعزز هذا الاتجاه بإزالة واشنطن العقوبات المفروضة على سوريا، ثم رفع اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب في أغسطس/آب 2026، ورفع القيود المتبقية على بيع الأسلحة وتمويل المساعدات العسكرية في سبتمبر/أيلول. كما يتجه الطرفان إلى تطوير العلاقات الاقتصادية في قطاعات النفط والغاز والكهرباء.

وتلفت الورقة إلى بعد مهم في هذا المسار، هو أن توسيع المصالح الأمريكية داخل سوريا يعني أن السياسة الأمريكية لن تبقى مرتبطة فقط بالمصالح الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، يوفر التقارب السوري ـ الأمريكي قدرا من الطمأنة لإسرائيل، لأن وجود واشنطن يمنحها دورا في ضبط السياسة السورية.

ولهذا أصبحت الولايات المتحدة وسيطا وضامنا في المباحثات بين دمشق وتل أبيب، وتحاول سوريا استخدام هذا الدور للضغط على إسرائيل من أجل الحد من نهجها التصعيدي.

لكن دمشق، وفقا للورقة، لا تريد حصر خياراتها في واشنطن. فقد ارتفع مستوى التنسيق مع تركيا بالتوازي مع زيادة الانتهاكات الإسرائيلية، كما اتجهت سوريا إلى توسيع شبكة علاقاتها الإقليمية.

وفي هذا السياق، جاءت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى باكستان عقب الهجوم الإسرائيلي على قاعدة أبو الظهور، وكانت أول زيارة سورية رسمية إلى إسلام آباد بعد انقطاع دام 19 عاما. وأعلن الشيباني هناك أن دمشق تدرس الانضمام إلى تحالف مكة، الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان.

كما تضع الورقة الزيارات المتكررة للرئيس أحمد الشرع إلى الإمارات ضمن سياسة توسيع الخيارات السورية. فزيادة الاستثمارات الإماراتية لا تحمل بعدا اقتصاديا فقط، وإنما تعني توسيع دائرة الدول التي تمتلك مصالح مباشرة في استقرار سوريا، بما يزيد اهتمامها السياسي والأمني بالحفاظ على هذا الاستقرار.

إعلان

وفي الداخل، تحاول الحكومة سحب الذرائع التي يمكن أن تستخدمها إسرائيل للتدخل، وتضع الورقة إدماج «قسد» في مؤسسات الدولة ومعالجة ملف السويداء في هذا الإطار. فاستعادة المركزية ليست، وفق هذا التصور، مجرد قضية داخلية، بل جزء من مواجهة الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على استثمار الانقسامات المحلية.

أما المسار الذي قد يكون حاسما على المدى الطويل فهو إعادة بناء قدرة الردع. فدمشق تعمل على إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وتطوير خبراتها العملياتية والتقنية، مع الاستفادة من علاقاتها مع تركيا وأوكرانيا، وفي الوقت نفسه لم تقطع صلاتها العسكرية بروسيا.

وقد تحولت المنشآت الروسية في حميميم وطرطوس، بحسب الورقة، إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل، مع استمرار وجود عدد من القوات الروسية. وتظل موسكو مصدرا محتملا للأسلحة وقطع الغيار والخبرة الفنية، ولاسيما أن الجيش السوري يعتمد جزئيا على منظومات سوفيتية وروسية ورثها عن النظام السابق.

وهكذا تجمع الاستراتيجية السورية، كما تعرضها الورقة، بين تجنب المواجهة المباشرة وعدم الاكتفاء بالدبلوماسية: تحسين العلاقة مع واشنطن، وتعميق الشراكة مع تركيا، وتوسيع العلاقات العربية والإقليمية، وتحصين الداخل، ثم استغلال الوقت لإعادة بناء المؤسسة العسكرية.

HASAKEH, SYRIA - SEPTEMBER 8: YPJ fighters pose with weapons atop a military obstacle course in the premises of a base on September 8, 2026 in Hasakeh, Syria. Female Kurdish fighters in Syria have been negotiating with the country's new government to retain a combat role, following a security overhaul in which Kurdish-forces are to be integrated into regular Syrian forces. The Women's Protection Units, or YPJ according to their Kurdish initials, have been allies of the U.S.-backed Syrian Democratic ‌Forces (SDF) during the country's long civil war and in the fight with the Islamic State group in Syria's northeast. (Photo by Anagha Subhash Nair/Getty Images)
مقاتلات كرديات في الحسكة، في ملف ترى الورقة أن حسمه بالاندماج في الدولة يسهم في تقليص ذرائع التدخل الإسرائيلي (غيتي)

مفاوضات معلقة بين اتفاق أمني وتصعيد متقطع

توضح الورقة أن المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية، منذ سقوط نظام الأسد، جرت عبر عدة جولات معلنة وغير معلنة وعلى مستويات مختلفة، لكنها تركزت أساسا على إمكان الوصول إلى اتفاق أمني، وليس اتفاق سلام شامل.

والسبب الرئيسي هو بقاء قضية الجولان عقبة جوهرية. فسوريا تتمسك باستعادة الهضبة، ولذلك يصعب الانتقال من ترتيبات أمنية عملية إلى تسوية سياسية شاملة في الظروف الراهنة.

وتتمسك دمشق، في المفاوضات، بانسحاب إسرائيل إلى حدود اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، أي إخلاء المناطق التي دخلتها القوات الإسرائيلية بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024. في المقابل، تصر حكومة نتنياهو على الاحتفاظ بمواقعها في جبل الشيخ وبقية الشريط الحدودي الذي تصفه بأنه «منطقة أمنية عازلة»، وترفض أيضا وجود قواعد عسكرية تركية داخل سوريا.

وترى الورقة أن حكومة نتنياهو ليست راغبة حاليا في تطوير المفاوضات إلى اتفاق أمني، وخصوصا قبل انتخابات الكنيست في أكتوبر/تشرين الأول 2026. وفي المقابل، قد تفضل دمشق هي الأخرى الانتظار أملا في تغير الحكومة الإسرائيلية ووصول قوى أقل تشددا، خصوصا بعد تحسن وضعها الدولي وإزالة العقوبات الأمريكية عنها.

ومع ذلك، لا تغلق سوريا باب التفاوض، لأنها لا تريد صداما عسكريا في مرحلة ما زالت فيها منشغلة ببناء مؤسسات الدولة وإعادة تشكيل جيشها وترتيب أوضاعها الداخلية.

وانطلاقا من ذلك، تضع الورقة سيناريوهين رئيسيين لمستقبل العلاقة.

يقوم السيناريو الأول على التوصل، في المدى القريب أو المتوسط، إلى آلية للتنسيق الأمني من دون اتفاق سياسي شامل. ومن شأن هذه الآلية أن تحد من احتمالات الصدام، وأن تمنح إسرائيل قناة لمعالجة مخاوفها الأمنية من دون اللجوء المستمر إلى التصعيد العسكري، لكنها لن تحل القضايا السياسية الكبرى وفي مقدمتها الجولان.

وتدفع عدة عوامل في اتجاه هذا السيناريو، أبرزها رغبة إدارة ترمب في استقرار سوريا، والحفاظ على إمكانية الاستفادة من موقعها ممرا لعبور النفط عند الضرورة من دون المرور بمضيق هرمز، إضافة إلى حرص واشنطن على منع التصعيد بين حليفتيها إسرائيل وتركيا داخل الساحة السورية.

لكن الورقة لا ترجح إنجاز هذه الآلية قبل الانتخابات الإسرائيلية؛ إذ قد يرى نتنياهو أن تقديم تنازلات في الملف السوري يفتح عليه باب المنافسة من اليمين الأكثر تشددا. كما أن دمشق نفسها قد ترى مصلحة في انتظار نتائج الانتخابات أملا في ظهور حكومة إسرائيلية أكثر استعدادا للتفاهم.

أما السيناريو الثاني، فهو استمرار التصعيد المتقطع من دون آلية أمنية ثابتة. وفي هذه الحالة، قد تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية بذريعة منع التمدد التركي، أو منع إدخال منظومات عسكرية تحد من حرية حركة طيرانها، أو منع الجيش السوري من تكوين مخزون عسكري يمكن أن يمثل تهديدا مستقبليا.

وتذهب الورقة إلى أن تغير الحكومة الإسرائيلية لا يضمن تلقائيا نهاية هذا النهج، لأن دوافع استمرار التصعيد قد تكون موجودة أيضا داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية، ولا ترتبط حصرا بحكومة نتنياهو أو حزب الليكود.

إعلان

وقد تستمر إسرائيل في محاولة فرض مناطق عازلة واستخدام علاقاتها ببعض الأطراف المحلية للضغط على الحكومة السورية. وفي الوقت نفسه، يمكن أن تعمل على فتح قنوات اتصال مع تركيا لمنع تحول التنافس داخل سوريا إلى صدام مباشر بينهما.

epa13237030 Syrian Foreign Minister Asaad al-Shaibani (R) and Turkish Foreign Minister Hakan Fidan (L) shake hands during a joint press conference at the Tishreen Palace in Damascus, Syria, 13 September 2026. The ministers discussed energy cooperation, border security, and an upcoming visit by Turkish President Erdogan. EPA/MOHAMED AL RIFAI
وزيرا الخارجية السوري أسعد الشيباني والتركي هاكان فيدان في دمشق، في إطار تنامي التنسيق بين البلدين الذي تعده الورقة أحد خيارات سوريا لموازنة الضغوط الإسرائيلية. الصورة.(الأوروبية)

 

وتقرأ الورقة تعيين إسرائيل قائما بأعمال سفارتها في أنقرة في سبتمبر/أيلول 2026، بعد نحو ثلاث سنوات من القطيعة الدبلوماسية، بوصفه مؤشرا على إمكان الاتجاه نحو تفاهمات إسرائيلية ـ تركية تضبط التنافس في الساحة السورية.

وفي المحصلة، ترى الورقة أن التحدي الإسرائيلي أمام سوريا ليس مؤقتا، لأن تل أبيب تنطلق من شكوك بعيدة المدى تجاه توجهات الإدارة السورية الجديدة، وهو ما يدفعها إلى اتخاذ إجراءات استباقية تعرقل بناء القوة العسكرية السورية، وتوسع نطاق نشاطها الأمني في المناطق الحدودية، وتحتفظ بأوراق للتأثير داخل البلاد.

وفي المقابل، استفادت دمشق من دخولها المفاوضات حتى من دون الوصول إلى اتفاق؛ فقد استجابت للوساطة الأمريكية، وقدمت نفسها باعتبارها راغبة في الاستقرار ولا تسعى إلى تهديد إسرائيل، وفي الوقت نفسه كسبت وقتا لإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية وتوسيع شبكة علاقاتها.

وتخلص الورقة إلى أن دمشق تبدو وقد اختارت استراتيجية تقوم على الجمع بين الدبلوماسية والوقت والردع: توسيع شبكة العلاقات الإقليمية، وتعظيم الاستفادة من الدور التركي من دون التحول إلى ساحة نفوذ تركية، والاستفادة من الوساطة الأمريكية لضبط السلوك الإسرائيلي، واستغلال فترات التهدئة لبناء أدوات ردع ذاتية.

لكن نجاح هذه الاستراتيجية يبقى مرتبطا بعاملين رئيسيين: وجود ضغط أمريكي فاعل على إسرائيل، وامتلاك سوريا قدرا كافيا من الردع يجعل استمرار العمليات الإسرائيلية أكثر كلفة. ومن دونهما، ترى الورقة أن فرص إقناع تل أبيب باتفاق أمني ستظل محدودة، ما لم يحدث تحول سياسي واسع داخل إسرائيل يأتي بقوى ترى في استعداد دمشق للتفاهم فرصة للوصول إلى ترتيبات أمنية، بدلا من دفع سوريا مجددا إلى موقع العداء.

______________

للاطلاع على الدراسة كاملة (اضغط هنا)

المصدر: الجزيرة

إعلان