دا سيلفا يقلب الطاولة على اليمين.. انتصار تاريخي لا ينهي انقسام البرازيل

حفظ

SAO PAULO, BRAZIL - OCTOBER 25: Luiz Inácio Lula Da Silva, incumbent president of Brazil and presidential candidate waves supporters after casting his vote during general election day on October 25, 2026 in Sao Paulo, Brazil. Brazilians will vote for the president who will run the country for the next 4 years. Current president Luiz Inácio Lula Da Silva and Flávio Bolsonaro, son of former president Jair Bolsonaro, face off in a tight presidential runoff. (Photo by Rodrigo Paiva/Getty Images)
غارديان: دا سيلفا نجح في قلب المعادلة خلال أسابيع قليلة (غيتي)

لم يكن فوز الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بولاية رابعة غير متتالية مجرد انتصار انتخابي على منافسه اليميني فلافيو بولسونارو، بل مثّل تحولا مفاجئا في سباق بدا قبل أسابيع قليلة أن اليسار يخسره، في وقت تتقدم فيه قوى اليمين في أجزاء واسعة من أمريكا اللاتينية وأوروبا.

ومع ذلك، فالنتيجة التي أبقت دا سيلفا في السلطة لولاية جديدة لا تعني أن البرازيل تجاوزت انقسامها العميق، أو أن اليمين الشعبوي فقد نفوذه، بل تضع البلاد أمام اختبار جديد يتعلق بقدرة الديمقراطية على الصمود في مواجهة الاستقطاب والضغوط الاقتصادية والصراعات المؤسسية.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

ووفقا لتقرير نشرته صحيفة "غارديان" البريطانية، أحرز دا سيلفا، البالغ من العمر 80 عاما، نسبة 51.79% من الأصوات، مقابل 48.21% لبولسونارو، بفارق يقارب 4.3 ملايين صوت.

Brazil's President and presidential candidate Luiz Inacio Lula da Silva gestures towards supporters during a campaign rally in Sao Paulo, Brazil on October 24, 2026, ahead of the presidential election runoff. (Photo by Juan BARRETO / AFP)
دا سيلفا يحيّي أنصاره خلال تجمع انتخابي في ساو باولو عشية جولة الإعادة بالانتخابات الرئاسية (الفرنسية)

تحول انتخابي لافت

وجاءت النتيجة بعد تحول انتخابي لافت، إذ كان بولسونارو قد تصدر الجولة الأولى مطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بحصوله على 47.03% من الأصوات، مقابل 45.16% للرئيس المنتهية ولايته. وكان ذلك التقدم قد وضع مرشح اليمين في موقع متقدم، خصوصا أن المتصدر بالجولة الأولى لم يخسر جولة الإعادة منذ عودة الديمقراطية إلى البرازيل عام 1985، بحسب الصحيفة.

لكن دا سيلفا نجح في قلب المعادلة خلال أسابيع قليلة، مستندا إلى حملة تعبئة سياسية مكثفة أعادت أنصاره إلى الميدان، واستهدفت استقطاب الناخبين الذين امتنعوا عن التصويت أو منحوا أصواتهم لمرشحين آخرين.

وترى صحيفة "نيويورك تايمز" -في تقرير أعدته آنا إيونوفا من برازيليا- أن النتيجة عكست قدرة التنظيم السياسي على تغيير مسار الانتخابات، لكنها كشفت في الوقت نفسه أن ملايين البرازيليين ما زالوا منجذبين إلى خطاب اليمين بشأن الجريمة وتكاليف المعيشة والاقتصاد.

يمثل الفوز محطة استثنائية في مسيرة دا سيلفا السياسية الممتدة نحو 5 عقود، بدأت من الفقر والعمل الصناعي، قبل أن يصبح زعيما نقابيا ثم رئيسا ساهمت برامجه الاجتماعية في انتشال ملايين البرازيليين من الفقر.

بواسطة غارديان

محطة استثنائية بمسيرة دا سيلفا

ويمثل الفوز محطة استثنائية في مسيرة دا سيلفا السياسية الممتدة نحو 5 عقود، بدأت من الفقر والعمل الصناعي، قبل أن يصبح زعيما نقابيا ثم رئيسا ساهمت برامجه الاجتماعية في انتشال ملايين البرازيليين من الفقر.

إعلان

وخلال ولايتيه بين عامي 2003 و2010، استفادت البلاد من برامج مكافحة الجوع وتوسيع فرص التعليم وتحسين أوضاع العمال، إلى جانب طفرة في أسعار السلع الأولية عززت النمو الاقتصادي.

وبعد عودته إلى الرئاسة عام 2023، استعاد دا سيلفا موقعه على الساحة الدولية، مقدما البرازيل بوصفها قوة صاعدة في الجنوب العالمي ومدافعا عن مكافحة الفقر والتغير المناخي.

غير أن عودته لم تكن مضمونة. فقد قضى فترة في السجن على خلفية قضية فساد بدت كأنها أنهت مستقبله السياسي، قبل أن تلغي المحكمة العليا أحكام إدانته عام 2021، وسط أدلة على تواطؤ القاضي والمدعين والشرطة في الإجراءات التي أفضت إلى سجنه، وفق "نيويورك تايمز".

ومع ذلك، لم يستعد ثقة جميع البرازيليين، إذ لا يزال قطاع من الناخبين يربط دا سيلفا وحزبه (حزب العمال) بالفساد السياسي، في وقت تتصاعد فيه فضائح تطال شخصيات من النخبة السياسية والقضائية.

وتشير الصحيفة إلى أن أداء الاقتصاد البرازيلي خلال السنوات الأربع الماضية لم يكن كافيا لتبديد شعور قطاعات واسعة من السكان بتدهور أوضاعها.

فعلى الرغم من النمو الاقتصادي المعتدل وتراجع البطالة إلى مستويات متدنية قياسية، ظلت الديون الأسرية وارتفاع تكاليف المعيشة مصدر ضغط على المواطنين. كما وجد بعض العاملين بالاقتصاد غير الرسمي والوظائف المؤقتة جاذبية في أفكار بولسونارو المتعلقة بخفض الضرائب وتقليص القيود الحكومية.

Flavio Bolsonaro said it’s ‘impossible to recognise’ the result, claiming ‘the rules of the game were changed’. Andre Borges/EFE/EPA
بولسونارو رفض الاعتراف بنتيجة جولة الإعادة معتبرا أن قواعد الاقتراع تغيّرت (الأوروبية)

ليس صراعا أيديولوجيا فقط

وبذلك، لم يكن التصويت تعبيرا عن صراع أيديولوجي فحسب، بل أيضا إحباط اجتماعي ورغبة في التغيير.

وفي محاولة لاستعادة الناخبين، وسّع دا سيلفا المساعدات ضمن برنامج الرعاية الاجتماعية الرئيسي، وقدم دعما مؤقتا للوقود للتخفيف من أثر ارتفاع الأسعار المرتبط بالحرب في إيران، كما وسّع برنامجا لتخفيف أعباء الديون الاستهلاكية، وأصدر إجراء مؤقتا لحظر المراهنات الرياضية عبر الإنترنت قبل الجولة الأولى بأيام، في مسعى لاحتواء أزمة المديونية الشخصية، بحسب "نيويورك تايمز".

وفي الأسابيع الأخيرة، ركزت حملته على تحذير الناخبين من عودة عائلة بولسونارو إلى الحكم، مستفيدة من أن الرئيس السابق جايير بولسونارو يقضي عقوبة بالسجن 27 عاما لإدانته بالتخطيط لانقلاب بعد خسارته انتخابات عام 2022.

دا سيلفا عزز حضوره الرقمي

ولم تكن التعبئة الانتخابية أقل أهمية من الاقتصاد. فبعد ارتفاع الامتناع عن التصويت في الجولة الأولى إلى نحو 21%، وهو أعلى مستوى منذ عام 1998، ركز أنصار دا سيلفا على تحريك قواعدهم، ولا سيما بين ذوي الدخل المنخفض.

وتحدثت "غارديان" عن قناة عبر تطبيق واتساب حملت اسم "جيش لولا" وانضم إليها ملايين المستخدمين لتنسيق نشر المواد المؤيدة للرئيس، فيما عزز دا سيلفا حضوره على منصات التواصل الاجتماعي، بينها إنستغرام وتيك توك.

وبحسب الصحيفة، تجاوز وصوله الرقمي، للمرة الأولى، وصول منافسه، رغم أن الرئيس لم يبدأ استخدام هاتف ذكي إلا الأيام الأخيرة من الحملة.

وترافقت هذه التعبئة مع جدل بشأن دور منصات التواصل. فقد اتهم فريق دا سيلفا شركة "ميتا" بتقليص انتشار محتواه وتعزيز محتوى منافسه، بينما تحدثت تقارير بحثية عن احتمال تفضيل المنصة حملة بولسونارو.

إعلان

ونفت الشركة هذه الاتهامات، ووصفتها بأنها غير صحيحة، كما عزت بعض المشكلات التي واجهت حملة دا سيلفا إلى أعطال تقنية. وأشارت صحيفة "تلغراف" البريطانية، في تقرير أعدته إيفا هارتوغ من ساو باولو، إلى أن الصراع الرقمي امتد إلى المحاكم، بعدما أُوقفت قناة "جيش لولا" مرتين بقرار مرتبط باتهامات نشر معلومات مضللة، قبل أن يلغي قضاة آخرون القرارين.

اتهامات حول تمديد التصويت

لكن أكثر القضايا حساسية ظهرت يوم الاقتراع نفسه. فقد أصدر القاضي في المحكمة الاتحادية العليا كريستيانو زانين قرارا بتمديد التصويت ساعتين، من الخامسة إلى السابعة مساء، قبل أن يوضح أن التمديد يقتصر على مراكز الاقتراع التي لم تكن قد أغلقت أبوابها عند انتهاء الموعد الأصلي، بعد اتهامات من حملة دا سيلفا بأن مسؤولين في نحو 9 ولايات أعاقوا وسائل النقل العام، ما صعّب وصول بعض الناخبين إلى مراكز الاقتراع.

وكان زانين، الذي سبق أن عمل محاميا شخصيا لدا سيلفا، وراء قرار التمديد، في خطوة أثارت جدلا قانونيا وسياسيا.

ووصف روجيريو مارينيو مدير حملة بولسونارو القرار بأنه "انقلاب قضائي" فيما طالب بولسونارو بإلغاء الانتخابات، مدعيا أن التمديد أفسد النتيجة، رغم أن الجانبين كانا قد طالبا بتمديد التصويت لأسباب مختلفة.

وتوضح "تلغراف" أن الانتخابات جرت في أجواء تجاوز فيها الصراع البرامج السياسية إلى تبادل الاتهامات الشخصية بممارسات الفساد. كما وظف الطرفان مخاوف الناخبين من الآخر: فقد تعهد بولسونارو بالسعي إلى الإفراج عن والده وعزل القاضي الذي أدانه، بينما حذرت حملة دا سيلفا من أن عودة عائلة بولسونارو قد تهدد الديمقراطية والسيادة الوطنية.

ووفق استطلاع نشرته مؤسسة "داتافوليا" عشية الاقتراع، قال 44% من المشاركين إنهم يخشون فوز بولسونارو، مقابل 42% يخشون ولاية جديدة لدا سيلفا.

Brazil's President Luiz Inacio Lula da Silva, the Workers' Party (PT) candidate for re-election, gestures as he addresses supporters after his victory in the presidential runoff election, at Paulista Avenue, in Sao Paulo, Brazil, October 26, 2026. REUTERS/Amanda Perobelli
ذا كونفرسيشن: يمثل فوز دا سيلفا خروجا عن موجة المكاسب الانتخابية التي حققتها قوى اليمين في أجزاء من العالم (رويترز)

فوز تتجاوز دلالاته البرازيل

وتذهب منصة "ذا كونفرسيشن" المعنية بنشر التحليلات الأكاديمية، في تحليلها للنتيجة، إلى أن ما حدث يحمل دلالات تتجاوز البرازيل. فعالميا، خالف دا سيلفا اتجاه صعود اليمين المتطرف في واحدة من أكبر الديمقراطيات في العالم، وإقليميا خالف نمطا شهد خسارة الأحزاب الحاكمة انتخابات متتالية في أمريكا اللاتينية بسبب التضخم وانعدام الأمن والركود.

كما مثّل الفوز رفضا لما يسميه منتقدون "مبدأ دونرو" في إشارة إلى مساعي إدارة دونالد ترمب لتعزيز النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي من خلال الرسوم الجمركية والتهديدات والدعم السياسي لحلفائها.

وكان ترمب قد فرض رسوما جمركية بنسبة 50% على الواردات البرازيلية، بعدما وصف محاكمة جايير بولسونارو بأنها "حملة اضطهاد"، وفقا لـ"غارديان".

وفي المقابل، تبنى بولسونارو الابن موقفا أقرب إلى واشنطن، وتعهد بالانضمام إلى تحالف أمني إقليمي تقوده الولايات المتحدة لمواجهة عصابات المخدرات، كما عرض استغلال احتياطيات البرازيل من المعادن الحيوية لتقليل الاعتماد الأمريكي على الصين، بحسب "نيويورك تايمز".

أما دا سيلفا، فدافع عن سياسة خارجية متعددة الأطراف، رافضا توسيع التدخل العسكري الأمريكي داخل بلاده، وساعيا إلى الحفاظ على علاقات عملية مع واشنطن وبكين وموسكو.

المدافعون عن البيئة والسكان الأصليين

ويمتد أثر النتيجة أيضا إلى البيئة. فقد خفضت حكومة دا سيلفا إزالة الغابات في الأمازون بأكثر من 70% خلال السنوات الأربع الماضية، وشددت إجراءاتها ضد التعدين غير القانوني، وقدمت دعما للسكان الأصليين. وكانت إدارة بولسونارو الأب قد تعرضت لانتقادات بسبب تسهيل أنشطة استخراج الذهب غير القانونية التي ألحقت أضرارا جسيمة بأراضي شعب اليانومامي.

إعلان

وترى "غارديان" أن خسارة بولسونارو تمنح المدافعين عن البيئة أملا في استمرار هذه السياسات، لكن التحدي يكمن في أن الكونغرس الجديد يضم عددا قياسيا من السياسيين اليمينيين المعارضين لتوسيع حقوق السكان الأصليين والإجراءات البيئية.

وفي الأسواق، أشارت "بلومبيرغ" إلى أن المستثمرين استعدوا لخسائر محتملة في الأصول البرازيلية بعد أن اتجهت رهانات متزايدة نحو فوز بولسونارو.

ويعكس ذلك أن النتيجة السياسية لا تنفصل عن توقعات المستثمرين بشأن السياسات الاقتصادية والمالية للحكومة المقبلة، وإن كانت ردود فعل الأسواق الفعلية ستتوقف على القرارات التي تتخذها الإدارة الجديدة ومدى قدرتها على ضبط الإنفاق والتعامل مع الضغوط المالية.

ويبقى التحدي الأكبر أمام دا سيلفا هو تحويل الفوز إلى قدرة فعلية على الحكم.

فبحسب "تلغراف" و"نيويورك تايمز" سيواجه رئيس بلد شديد الانقسام كونغرس يميل بقوة إلى اليمين، ما يجعل تمرير الميزانيات والإصلاحات والتعيينات رهنا بتسويات سياسية صعبة. كما أن استمرار رفض بولسونارو الاعتراف بالنتيجة قد يطيل النزاع، ويغذي الشكوك في المؤسسات، وربما يشجع بعض أنصاره على الاحتجاج أو العنف.

وتلفت "ذا كونفرسيشن" إلى أن الخلافات القانونية بشأن تمديد التصويت تمنح الخاسرين ذريعة لمواصلة الطعن في شرعية النتيجة، حتى إن لم يكن إلغاؤها احتمالا مرجحا.

لقد فاز دا سيلفا بالانتخابات، لكن مستقبل الديمقراطية البرازيلية سيتحدد بقدرته على جعل هذا الانتصار بداية لتسوية وطنية، لا مجرد جولة جديدة في حرب سياسية مفتوحة.

المصدر: الجزيرة + الصحافة الأميركية + الصحافة البريطانية

إعلان