الرهان الخادع على انتخابات إسرائيل

في 27 أكتوبر/تشرين الأول يذهب الإسرائيليون إلى انتخابات الكنيست لأول مرة منذ عملية طوفان الأقصى عام 2023. في غضون ذلك، لا تزال العديد من التغطيات العربية حول إسرائيل تتحرك بين افتراضين يبدوان متعارضين لكنهما يؤديان الوظيفة نفسها. يرى الأول في الدولة الإسرائيلية عقلا إستراتيجيا واحدا ينفذ خطة قديمة وجد لها الفرصة أخيرا، فكل ما جرى في غزة ولبنان وسوريا وإيران فصول من كتاب مخطوط سلفا. ويرى الثاني مجتمعا منقسما يقوده ائتلاف متطرف، فإذا سقط الائتلاف سقطت سياساته معه. يعفينا الافتراض الأول من قراءة ما يكتبه الإسرائيليون لأن النتيجة معروفة، ويعفينا الثاني من الفعل لأن الحل آتٍ من صناديق الاقتراع الإسرائيلية.
هنا نختبر الافتراضين معا بالعودة إلى ما أنتجته مراكز الفكر والمؤسسة الأمنية والأحزاب ومعاهد الاستطلاع والصحافة في إسرائيل طيلة السنوات الثلاث الماضية، وما نقوله هنا هو أن الافتراضين يخطئان موضع الخلاف الحقيقي في إسرائيل. يظهر لنا الخلاف الإسرائيلي حقيقيا وحادا، وهذا ينقض صورة العقل الواحد، لكنه خلاف يدور داخل إجماع أمني اتسع بعد طوفان الأقصى، وهذا ينقض الرهان على التغيير مع تبدل الحكومات. إن مبدأ استخدام القوة نفسه خارج النقاش في إسرائيل الآن، أما موضوع الخلاف فيدور حول ترجمة القوة إلى نظام سياسي قابل للبقاء ويدار بكفاءة أعلى.
قصص مقترحة
list of 3 items
ما الذي سقط بعد الطوفان؟
يستخدم الإسرائيليون كلمة "الكونسبتسيا"، أي المفهوم، لوصف التصور الذي سقط في 7 أكتوبر/تشرين الأول، وهي الكلمة نفسها التي استخدموها بعد حرب عام 1973. والتصور الذي سقط هذه المرة تراكبت فيه أربع طبقات يسند بعضها بعضا.
في القاع طبقة استخبارية مفادها أن حماس "مردوعة" ومنشغلة بالحكم. وفوقها طبقة عسكرية ترجمت هذا التقدير إلى احتواء وجولات قتال محدودة عُرفت بتعبير "جزّ العشب". ثم طبقة سياسية ترى أن الصراع مع الفلسطينيين يمكن أن يُدار ويُقلَّص من دون أن يُحَل، وقد ارتبطت باسم ميخا غودمان، الباحث في معهد شالوم هارتمان وصاحب كتاب "مصيدة 67″، وتبنتها حكومة بينيت ولابيد عام 2021 عنوانا لسياستها. وفي الأعلى طبقة إقليمية تقول إن التطبيع مع العرب ممكن من فوق رأس الفلسطينيين، وإن الاقتصاد يشتري الأمن.
"ما جرى بعد الطوفان كان مراجعة قاسية لتلك الطبقات"
ما جرى بعد الطوفان كان مراجعة قاسية لتلك الطبقات. وقد واجهت الطبقتان العسكرية والاستخبارية نقدا منهجيا في وثيقة أصدرها معهد القدس للإستراتيجية والأمن في أبريل/نيسان 2024، كتبها إفرايم عنبار ومناحم بخراخ، وفيها أن إسرائيل انزلقت على مدى ثلاثة عقود من "عقيدة الحسم" إلى "عقيدة الاحتواء"، وأن الاحتواء "ينهك الردع، ويمنح الخصم وقتا لبناء قوته، ويجعل استخدامه القوة أمرا اعتياديا".
صارت هذه الخلاصة الجديدة سياسة عملية. ففي ثلاث سنوات خاضت إسرائيل حرب غزة، ثم حرب لبنان في خريف عام 2024، ودخلت المنطقة العازلة في الجولان بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وضربت إيران في يونيو/حزيران 2025، ثم شاركت الولايات المتحدة حربا ثانية عليها بدأت في 28 فبراير/شباط 2026، واجتاحت جنوب لبنان في مارس/آذار عام 2026. ومن ثمَّ حلَّ المنع محل الاحتواء، والعمق الجغرافي محل الردع، والحرب المفتوحة محل الجولة المحدودة.
أما الطبقة السياسية فكان من المتوقع أن تكون أول ما يسقط، إذ إن الهجوم خرج من القطاع الذي قيل إن صراعه قابل للتقليص، لكن ما حدث شيء آخر. وقد قدَّم صاحب الفكرة نفسه أوضح صياغاته في حديث إلى موقع "جويش إنسايدر" في سبتمبر/أيلول 2024، حيث وصف غودمان غزة بأنها "الحلقة الأولى في الحرب الإسرائيلية الإيرانية"، وأبقى على دعوته إلى تقليص الصراع مع الفلسطينيين، لكنه غيَّر علتها، فصار التقليص مطلوبا "لسبب واحد، هو أن علينا أن نهزم إيران". وفي حلقة صوتية في الشهر نفسه قال غودمان إن نتنياهو أصاب في تشخيص الخطر الإيراني لكنه لا يصلح لقيادة المواجهة بسبب ارتهانه لشركائه من الحريديم واليمين المتطرف.

كان هذا أهم حراك فكري جرى في إسرائيل بعد الهجوم. لم يتخلَّ أحد عن فكرة بعينها، لكن ما تغير هو الإطار الذي تقرأ فيه الحرب كلها. الفلسطينيون، الذين كانوا في "المفهوم" القديم طرفا في صراع يُدار، صاروا جبهة من جبهات حرب أوسع، بحيث يتحدد مكانهم فيها وفق ما تحتاجه تلك المواجهة الأوسع.
وتكمن قوة هذا الإطار في أنه عابر للمعسكرات، فقد وجد فيه اليمين تأكيدا لما قاله منذ سنوات عن ضرب "رأس الأخطبوط" في طهران، بحسب وصف نفتالي بينيت. ووجد فيه الوسط مخرجا من سؤال الاحتلال، فمن يخوض حربا مع قوة إقليمية لا يُسأل عن تسوية مع ما يعده "لاحقا" أو "امتدادا" لها. ونقد غودمان لنتنياهو نفسه يجري بمقياس هذه الحرب، فالرجل عنده مصيب في التشخيص وعاجز عن القيادة. وهذه الصيغة، كما سنرى، صارت بعد سنتين لغة المعارضة في حملتها على نتنياهو.
بهذا نستطيع أن نجيب عن سؤال ما الذي سقط. فقد سقطت أدوات "المفهوم"، أي التقدير الاستخباري وإستراتيجية الاحتواء والجولات المحدودة. أما فرضيته الأعمق، وهي أن السؤال الفلسطيني قابل للتأجيل إلى أجل غير مسمى، فقد خرجت من الحرب أقوى من ذي قبل. كانت تلك الفرضية قبل الهجوم خيارا سياسيا يدافع عنه أصحابه ويعترض عليه خصومه، وصارت بعده مقدمة لا يناقشها أحد، لأن فلسطين انتقلت من خانة السياسة إلى خانة الأمن، وفي السياسة أطراف ومطالب وتفاوض وأثمان متبادلة، وفي الأمن تهديدات تُردَع أو تُزال.
"فلسطين انتقلت من خانة السياسة إلى خانة الأمن، وفي السياسة أطراف ومطالب وتفاوض وأثمان متبادلة، وفي الأمن تهديدات تُردَع أو تُزال"
وتكشف لنا المقارنة بعام 1973 حجم الفارق، فسقوط "المفهوم" قبل نحو خمسين عاما فتح بعد سنوات باب مراجعة سياسية انتهت بـ"معاهدة سلام" وانسحاب من سيناء، أما سقوط "المفهوم" هذه المرة فقاد إلى الاحتفاظ بأرض جديدة في غزة ولبنان وسوريا.
من إيران إلى عماليق
ثمَّة وجه آخر لهذا التحول لا يظهر في الأوراق الإستراتيجية، وكشفته لنا غيلي كوغلر، أستاذة الدراسات التوراتية في جامعة حيفا، في حوار نشرته "هآرتس" في 3 أكتوبر/تشرين الأول. كان سؤال كوغلر بعد الهجوم عن المجتمع نفسه، وهل يتجه إلى الحداد أم إلى الانتقام، وهي ترى أن الشعورين لا يجتمعان. فالحداد عمل داخلي بطيء يُلزم صاحبه بالاعتراف بالخسارة والضعف، والانتقام يعيد إليه الإحساس بالقدرة على الفعل ويوجه طاقته إلى الخارج، لكنه لا يكمل الحداد ولا يداوي. وتقول كوغلر إن الحكومة تصرفت بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول بأسلوب يذكرنا بالعصابة، في حين تركت لغة الدولة التي تحدد الأهداف وتميز بين المذنب والبريء.
ثم جاء استدعاء "عماليق"، حيث تلاحظ كوغلر أن هذه أول مرة في تاريخ حروب إسرائيل يُستدعى فيها بُعد لاهوتي أسطوري ويصير خطابا رسميا للدولة على لسان رئيس الحكومة ووزرائه. والفرق بين الانتقام وعماليق عندها أن الانتقام يحيل إلى واقعة بعينها، أما عماليق فيحول العدو إلى كيان مطلق عابر للأجيال "لا حاجة إلى حوار معه"، فتكفُّ الحرب عن أن تكون ردا على الطوفان، وتصير امتدادا لصراع قديم. وتلفت كوغلر الانتباه إلى أن النص التوراتي نفسه يقول إن عماليق باقٍ دائما، فالحرب معه "حرب أبدية بتبرير إلهي"، وتربط ذلك بتصور للاصطفاء يجعل العلاقة بين الشعوب مسألة صفرية لا مكان فيها إلا لشعب واحد، وتقول إنه تصور خطير تتبناه الصهيونية الدينية اليوم.
حين نقرأ خطاب غودمان وخطاب عماليق معا، الأول بلغة إستراتيجية علمانية والثاني بلغة دينية، نجد أن كليهما يؤديان العمل نفسه. فالعدو المحدد الذي له مطالب وله أرض يتحول إلى عدو كلي، إيران في الصيغة الأولى وعماليق في الثانية، والحرب التي لها سبب ولها نهاية تتحول إلى صراع بلا أفق زمني. وفي الحالتين يخرج الفلسطيني من السياسة، فمن رجَّح الانتقام على الحداد، بتعبير كوغلر، قد أعفى نفسه من السؤال الذي يطرحه الحداد، وهو كيف وصلنا إلى هنا. وهذا ما يفسر نجاة الفرضية من حرب أسقطت كل ما بُني عليها.
غير أن الفرضية التي نجت تحمل معها معضلتها. تملك إسرائيل اليوم حرية عمل جوية من بيروت إلى طهران، وتسيطر على أراض في ثلاث ساحات مجاورة، ومع ذلك فإن هذه القوة تنتج وقائع ولا تنتج ترتيبا يعترف به الآخرون. ومراكز الفكر الإسرائيلية نفسها تقول ذلك، فقد نشر مركز "بيغن–السادات"، المحسوب على التيار الداعي إلى الحسم، بعد حرب يونيو/حزيران 2025 أن إسرائيل "ليست مهيمنا إقليميا ولا تشكل النظام الإقليمي منفردة".
"تريد إسرائيل نظاما إقليميا يستوعب تفوقها العسكري ويبقي الفلسطينيين خارج السياسة في الوقت نفسه"
وبإمكاننا هنا أن نتحفظ بالطبع على الصيغة الشائعة التي تتحدث عن "معضلة تواجه إسرائيل بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول"، كأنها قدر نزل بها من الخارج، إذ إن المعضلة نتاج للفرضية نفسها. فمن يريد نظاما إقليميا يستوعب تفوقه العسكري، ويريد في الوقت نفسه إبقاء الفلسطينيين خارج السياسة، عليه أن يجد طريقا إلى الأول لا يمر بالثاني. وقد كُتب في إسرائيل على مدار ثلاث سنوات عن "اليوم التالي"، وهي محاولات لرسم هذا الطريق الذي يؤطر التفوق العسكري الإسرائيلي ويترك القضية الفلسطينية معلقة، وهي ثلاث محاولات كبرى، تجيب الأولى بالجغرافيا والثانية بالديموغرافيا والثالثة بالنظام الإقليمي.

الإجابة بالجغرافيا
أوضح صياغات هذه الإجابة مقال غابي سيبوني وإيرز فينر "من الجدار الحديدي إلى السلام عبر القوة" الصادر عن معهد القدس في يوليو/تموز 2025. ويدعو الكاتبان إلى العودة إلى "عقيدة الحسم"، وإلى ما يسميانه "عمليات الإنفاذ" بعد كل انتصار عسكري لمنع الخصم من إعادة بناء قوته، ويستشهدان بأن إسرائيل واصلت ضرباتها في لبنان بعد اتفاق وقف إطلاق النار. والدرس الذي استخرجه هذا التيار من الطوفان أن الحدود التي لا يسبقها عمق تسيطر عليه إسرائيل حدود مكشوفة، وأن الترتيبات الدولية لا تعوض هذا العمق.
صار ذلك الدرس سياسة معلنة. ففي يوليو/تموز 2026 أبلغ وزير الدفاع يسرائيل كاتس نظيره الأمريكي أن إسرائيل ستبقي قواتها في "مناطق الأمن" في لبنان وسوريا وغزة. ويذكر منتدى السياسة الإسرائيلية أن خط السيطرة في غزة تقدم من 53% من مساحة القطاع عند وقف إطلاق النار إلى أكثر من 60%، وأن إسرائيل لم توافق على خريطة طريق من 15 نقطة قبلتها حماس في نهاية يوليو/تموز لأنها ترفض أي انسحاب قبل نزع السلاح كاملا.
وقدم الغطاء النظري لهذا الطرح دان ديكر، رئيس مركز القدس للشؤون الأمنية والخارجية، في دراسة تنقل مفهوم "الحدود القابلة للدفاع" من الضفة وغور الأردن، حيث كان يُطبَّق بعد عام 1967، إلى أراضي ثلاثة جيران دفعة واحدة. وقد اتسعت قائمة التهديدات مع توسيع نطاق هذا المفهوم، حيث حذرت لجنة ناغل، التي راجعت بناء القوة في يناير/كانون الثاني 2025، من أن التهديد القادم من سوريا قد يصير أخطر من التهديد الإيراني إذا اصطفت فصائلها مع تركيا.
وعدت هذه الإجابة بأن يحل الحسم محل الإدارة، أما النتيجة فيرصدها راز تسيمت من معهد دراسات الأمن القومي في ورقة كتبها بعد عملية "زئير الأسد"، قال فيها إن الحرب "لم تحل التحدي الإيراني"، وأن إيران "تضررت لكنها لم تُهزم"، وأنها تحتفظ بنحو 440 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وتستطيع إعادة مراكمة آلاف الصواريخ الباليستية في سنوات قليلة، وأنها جعلت من مضيق هرمز ورقة ضغط.
وتنتهي الورقة إلى سؤال يكشف المأزق، وهو هل تواصل إسرائيل السعي إلى حسم المسألة الإيرانية أم تتبنى "إدارة صراع" عبر إنفاذ متقطع. ولذا فإن التيار الذي قام على نقد "جزّ العشب" في غزة يجد نفسه بعد ثلاث سنوات أمام جزّ عشب بطول الإقليم كله.
ويضاف إلى كل ذلك تناقض في العلاقة بواشنطن. ففي سبتمبر/أيلول 2025 ألقى نتنياهو ما صار يُعرف بـ"خطاب إسبرطة"، وقال فيه إن على إسرائيل أن تتهيأ لاقتصاد ذي سمات اكتفائية، ثم أعلن مطلع هذا العام أنه يريد تقليص المساعدة العسكرية الأمريكية إلى الصفر في غضون عقد، وهي 3.8 مليارات دولار سنويا. ويجري هذا السعي إلى الاستقلال في لحظة أثبتت فيها حربان متتاليتان أن إسرائيل لا تستطيع خوض مواجهة مع إيران من دون الولايات المتحدة.

الجواب الثاني يدور حول الديموغرافيا، وقد كُتِب النص المؤسِّس لهذه الإجابة قبل الطوفان بست سنوات. ففي عام 2017 نشر بتسلئيل سموتريتش مقاله "خطة الحسم"، وقال إن طموح القوميتين الفلسطينية واليهودية "لا يمكن التوفيق بينهما"، وأن الحل استيطان كثيف يخلق واقعا لا رجعة فيه، ثم تخيير الفلسطينيين بين البقاء أفرادا بلا حق تصويت للكنيست، أو الهجرة بمساعدة مالية، ثم الهزيمة العسكرية لمن يقاتل منهم. ما تغير بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول أن صاحب المقال صار وزيرا للمالية، وأن الحرب وفَّرت الغطاء لأفكاره.
توثق منظمات "يش دين" و"بمكوم" و"هموكيد" الإسرائيلية في تقرير مشترك عنوانه "أقصى مساحة من الأرض، أدنى عدد من السكان" أن سموتريتش أعلن في سبتمبر/أيلول 2025 خطة سيادة تقترح ضم 82% من الضفة وحصر نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في ستة جيوب، وأن عملية "السور الحديدي" هجَّرت ما بين 30-40 ألفا من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس.
ويضيف تحليل نشره مركز تشاتام هاوس البريطاني أن عام 2025 شهد إقرار 54 مستوطنة جديدة، وأن المخطط الهيكلي التفصيلي المعروف بـ E1 نال موافقته النهائية، وأن آلية تسجيل الأراضي في المنطقة "ج" تلزم الفلسطينيين بإثبات ملكيتهم بشروط شبه مستحيلة. يجري الحسم هنا إذن عبر الإدارة والتخطيط وسجلات الأراضي بقدر ما يجري عبر السلاح.
"يجري الحسم عبر الإدارة والتخطيط وسجلات الأراضي بقدر ما يجري عبر السلاح"
في غزة تعاقبت صيغ ثلاث للفكرة نفسها. وثيقة وزارة الاستخبارات المؤرخة في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023 فضَّلت ترحيل سكان القطاع إلى سيناء، ثم جاءت "خطة الجنرالات" التي صاغها غيورا آيلاند لإفراغ شمال القطاع بالحصار، ثم إعلان كاتس في يوليو/تموز 2025 خطة لتجميع السكان في "مدينة إنسانية" على أنقاض رفح. وقال آيلاند نفسه في فبراير/شباط 2025 إن إسرائيل فشلت في الحرب، وعلَّل ذلك بقوله "إذا احتللت القطاع وبقي المدنيون، فستبقى حماس". السكان إذن، وليس المقاتلون وحدهم، هم موضوع الإستراتيجية.
ولهذه الإجابة جسر إلى السابقة لها. فقد قدَّم منتدى "هبيتحونيستيم"، وهو تجمع لضباط احتياط يرأسه العميد المتقاعد أمير أفيفي، خطة الضمّ بلغة عسكرية خالصة، وكتب أفيفي أن إسرائيل "تحتاج إلى غور الأردن ومعظم يهودا والسامرة كي توجد وتزدهر". وبهذا يلتقي منطق المنطقة العازلة بمنطق أرض الآباء، ويصير الخلاف بين الإجابتين خلافا على مسوغ كل منهما لا أكثر.
وتسمي الكاتبة روث مارغليت، التي تكتب عن إسرائيل في "نيويوركر" و"نيويورك تايمز"، ما يجمع الإجابتين باسم واحد. ففي حوار مع "هآرتس" في 3 أكتوبر/تشرين الأول عن كتابها الجديد تقترح مارغليت كلمة "أدنوت"، أي التسيد، لوصف ما يتركه حكم نتنياهو في إسرائيل. والتسيد في وصفها أكثر بدائية من العنصرية ومن التفوق الديني، وأشد ارتباطا بالمكان، لكن ما لا تلحظه مارغليت هو أن العمق الجغرافي والضم الزاحف صورتان لعلاقة واحدة بالأرض ومن عليها.
مأزق هذه الإجابة أنها لا تحظى بأغلبية. ففي استطلاع معهد "مِتفيم" السنوي اختار 30% فقط ضم الضفة وغزة هدفا إستراتيجيا، ولهذا يجري الضم زحفا وليس بصورة معلنة، وقد بدأت تظهر له كلفة خارجية، ففي سبتمبر/أيلول الماضي أعلنت 12 دولة، بينها بريطانيا وفرنسا وكندا وإسبانيا، حظرا على استيراد منتجات المستوطنات بعد مناقصة للبناء في منطقة E1.
الإجابة بالإقليم
تمثل هذه الإجابة المزاج الغالب عند معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب الذي يضم عددا من الضباط المتقاعدين في صفوفه. ففي يناير/كانون الثاني 2025 تقول وثيقة صادرة عن المعهد إن الإنجازات العسكرية تُثبَّت بالمبادرة السياسية، وتنص على "عدم الضم الأحادي" لأنه "لا يقدم أي ميزة أمنية"، وتدعو إلى إدارة مدنية فلسطينية في غزة بدون حماس تدعمها دول عربية مع احتفاظ الجيش الإسرائيلي بحرية الحركة هناك، وتقر بأن مسار التطبيع الإقليمي تعثر بسبب "رفض إسرائيل أي اختراق سياسي على الجبهة الفلسطينية".
وتبلورت الصيغة الأكثر تفصيلا على يد عدد من الضباط بينهم متقاعدون في خطة "درع أبراهام" التي أُعلنت يوم تنصيب ترامب، وتقوم على استكمال مسار التطبيع العربي و"مسار انفصال تدريجي" عن الفلسطينيين وتحالف إقليمي في وجه إيران. وينبغي ألا يُقرأ هذا الموقف بوصفه "موقف حمائم". فأصحابه لا يعترضون على الحرب ولا على حرية العمل العسكري في غزة والضفة، وما يسمونه أفقا سياسيا للفلسطينيين وظيفته في نصوصهم أن يفتح الطريق إلى ترتيب إقليمي.
المشكلة أن تصرفات إسرائيل في الإقليم تعاكس أي مسار لتسوية إقليمية، وتفتح الباب لترتيبات موازية. ففي أغسطس/آب 2026، جرى توقيع اتفاق مكة بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، وردَّ معهد دراسات الأمن القومي بورقة تشكك في قابلية الاتفاق للتنفيذ، وتوصي بألا تعاديه إسرائيل علنا حتى لا تزيد تماسكه. ويلخص إيلي بوديه وكسينيا سفيتلوفا المأزق في مقال عنوانه "إسرائيل: مهيمن أم شريك؟"، وفيه أن التفوق العسكري يثير الرهبة لكنه يستدعي ائتلافات مضادة قد تنتهي بعزل إسرائيل.
الحاصل أن الإجابات الثلاث أعلنت القطيعة مع "إدارة الصراع"؛ الأولى تدير إيران ولبنان بالإنفاذ المتقطع، والثانية تدير الضفة بالضم الزاحف لأنها لا تملك أغلبية للضم المعلن، والثالثة تدير المسألة الفلسطينية بأفق مؤجل. ولذا فإن "المفهوم" الذي قيل إنه سقط عاد على نطاق إقليمي أوسع.
إلى الصناديق
تسمح استطلاعات صيف عام 2026 برسم صورة أدق من الانطباع الشائع عن مجتمع انزاح كله إلى اليمين. ففي استطلاع "مِتفيم" انقسم المستجيبون حول الهدف الإستراتيجي تجاه الفلسطينيين إلى ثلاث كتل، فاختار 30% الضم، و25% حل الدولتين و14% استمرار إدارة الصراع. وفي الملف الإيراني اختار 42% تغيير النظام عبر معاودة الحرب، وقال 15% إن تجديد المعارك مع إيران ضروري للوصول إلى اتفاق مرضٍ، وقال 16% فقط إن الحل العسكري انتهى وقته.
وفي استطلاع المعهد الإسرائيلي للديمقراطية الذي أُجري مطلع يوليو/تموز الماضي رأى 38% أن الوضع الأمني تحسَّن بعد "زئير الأسد" ورأى 36% أنه ساء. وانخفضت نسبة من يعتقدون أن أمن إسرائيل مركزي في أولويات ترامب من 44% إلى 28%، وفي المقابل أيَّد 72% وجودا أمنيا دائما في جنوب لبنان.
تُقرأ هذه الأرقام معا على النحو الآتي: لا أغلبية للضم ولا أغلبية للتسوية، وتوجد أغلبية واضحة لمناطق الأمن، وأغلبية تؤيد العودة إلى الحرب على إيران بصيغة أو بأخرى، يقابلها شك واسع في متانة السند الأمريكي. يقبل الجمهور الشق الجغرافي من الإجابة، ويختلف حول أهداف شقها الإقليمي، ويرفض كلفة الإجابة الديموغرافية. وهذا التوزيع يفسر لماذا تتجنب المعارضة الحديث عن الفلسطينيين.
ويلفت النظر في استطلاع "مِتفيم" أن 41% أيَّدوا دولة فلسطينية منزوعة السلاح مع تفكيك حماس في حين عارضها 40%، وأن المستجيبين منحوا أداء الحكومة في السياسة الخارجية 4.72 من 10. أي أن هناك في الجمهور كتلة تقبل ما لا يعرضه عليها أحد من المتنافسين الكبار، فالمنافس الأول لنتنياهو، أيزنكوت، يرفض أي نقاش حول دولة فلسطينية في المدى القريب أو المتوسط. ولذا يسعنا القول إن العرض السياسي في هذه الانتخابات أضيق من الطلب.
"يسعنا القول إن العرض السياسي في هذه الانتخابات أضيق من الطلب"
أما ما وراء الأرقام فلا تقيسه الاستطلاعات. فقد غادر إسرائيل 82,700 شخص عام 2024 وأكثر من 69 ألفا عام 2025، فكان ميزان الهجرة سالبا للسنة الثانية على التوالي. ومارغليت، التي عادت من نيويورك عام 2019، تقول إنها عدَّت من غادروا من دائرة أصدقائها فوجدتهم 12، وإن في هذه الموجة شيئا "أكثر حزنا وقتامة" مما سبقها. وتقول إن حرب غزة غيرت المجتمع تغييرا دائما، وإن التضامن بدأ يتفكك، وقد ظهر ذلك في مسألة "الرهائن"، وكذلك أزمة تجنيد الحريديم، التي أسهمت في تفكك الائتلاف وحلّ الكنيست في يوليو/تموز، وهي في جوهرها سؤال عمَّن يحمل عبء الحرب الدائمة التي تفترضها الإجابة الأولى.
والنقد الأخلاقي موجود وله أصوات من قلب المؤسسة وإن كانت خافتة. فقد قال موشيه يعلون، رئيس الأركان ووزير الدفاع الأسبق في ديسمبر/كانون الأول 2024، إن الطريق الذي تُساق إليه إسرائيل هو "الاحتلال والضم والتطهير العرقي". ووصفت منظمتا "بتسيلم" و"أطباء من أجل حقوق الإنسان" في يوليو/تموز 2025 ما يجري في غزة بالإبادة الجماعية. لكن هذا النقد لا يجد من يحمل لواءه بين الأحزاب، ولا يتبنى خطابه حزب صهيوني مرشح لدخول الحكومة. وتصف مارغليت الآلية التي تعطله، فالناس عندها مشغولون بصورتهم عند الآخرين وبتمني أن يفهمهم العالم، وهذه في رأيها طريقة لتجنب النظر في "ما نفعله في غزة". أما النقد الذي يجد صدى واسعا فهو نقد الإدارة والكلفة.
انتخابات الكُلفة والكفاءة
حُلَّ الكنيست في 17 يوليو/تموز 2026 وتحدد موعد الانتخابات في 27 أكتوبر/تشرين الأول. وتظهر الخريطة الانتخابية معسكرا مناهضا لنتنياهو يتصدره حزب "يشار" بقيادة رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت، وتحالف "بياحد" الذي يقوده نفتالي بينيت ومعه يائير لابيد، وتتراوح مقاعده المتوقعة بين 56-60 مقعدا من أصل 120، مقابل 49-52 مقعدا لمعسكر نتنياهو و10-11 مقعدا للأحزاب العربية. ويضع هذا الحساب المعسكر المناهض لنتنياهو على حافة الأغلبية غير المضمونة. وفي استطلاع منتصف سبتمبر/أيلول الذي نقله تحليل الكاتب جورجيو كافييرو، يهبط الليكود من 32 مقعدا إلى نحو 18، ويحصل "يشار" على نحو 22 مقعدا.

يتحدث آيزنكوت عن السلام بعبارات عامة ويتجنب تفصيل موقفه من الأراضي المحتلة، فيما يؤيد بينيت ضم أكثر من 60% من الضفة، في حين أن "الديمقراطيين" بقيادة يائير غولان هم من يتبنون حل الدولتين. وحتى هذا الموقف يُعلَّل في برنامج الحزب بأن الحفاظ على طابع إسرائيل اليهودي والديمقراطي يقتضي حلا سياسيا مع الفلسطينيين، فالعلة هنا هوية الدولة أيضا.
من الجهة الأخرى، يخوض نتنياهو الانتخابات بما أنجزته الإجابتان الأولى والثانية. فقد أعلن وزير دفاعه أن القوات باقية في مناطق الأمن، قائلا: "لم نطلب يوما من الولايات المتحدة أن تتحرك مكاننا على حدودنا". وهو نفسه قال في أغسطس/آب 2025 إنه "مرتبط جدا" برؤية "إسرائيل الكبرى". وتلاحظ مارغليت في حديثها عن الليكود أن كثيرا من وجوهه تجرَّدوا من أي رؤية، وصار كل شيء عندهم أداتيا، وأن قوميتهم "صارت مخيفة".
"الانقسام الرئيسي لم يعد حول مقدار الأولوية التي تعطيها إسرائيل للأمن، وإنما حول من يستطيع استخدام القوة العسكرية بفعالية"
أدق ما كُتِب عن حدود التغيير كان تحليل كافييرو نفسه، المنشور في 2 أكتوبر/تشرين الأول، وفيه أن "الانقسام الرئيسي لم يعد حول مقدار الأولوية التي تعطيها إسرائيل للأمن، وإنما حول من يستطيع استخدام القوة العسكرية بفعالية"، وأن انتقادات قادة المعارضة لنتنياهو تتعلق بطريقة إدارته للصراعات وبما يرونه تبعية منه لترامب، ولا تتعلق بالحروب نفسها.
ويرتب التحليل ثلاثة احتمالات. أرجحها صعود ائتلاف جديد هش ينتج استمرارية كبيرة في السياسات، ويليه تشكيل ائتلاف يميني متجدد بقيادة نتنياهو يواصل النهج العسكري نفسه، وأبعدها فوز واضح للمعارضة يغير الأسلوب ويُبقي على جوهر الإستراتيجية الأمنية. وفي الاحتمالات الثلاثة يبقى الجوهر نفسه. هذه هي صيغة غودمان وقد صارت برنامجا انتخابيا: "نتنياهو مصيب في التشخيص وعاجز عن القيادة فقط لا أكثر".

وتعطينا مقارنة أجرتها "جيروزاليم بوست" مطلع سبتمبر/أيلول بين آيزنكوت ونتنياهو هذا التقدير. إذ يقترح آيزنكوت أن تقيم الولايات المتحدة "منطقة قتل" حول مواقع اليورانيوم المخصب في إيران، مع التزام معلن بضرب أي محاولة لنقل المواد النووية منها. ويعارض أي نقاش حول الدولة الفلسطينية في المدى القريب أو المتوسط. ويقبل في غزة أن يقود نزع جزئي للسلاح إلى إعمار جزئي، خلافا لشرط نتنياهو نزع السلاح كاملا أولا. ويقبل في ظروف معينة تقليص المنطقة الأمنية في لبنان إلى ثمانية كيلومترات، أي أنه يبقي عليها في النهاية بصيغة أخرى.
ويتركز خلاف آيزنكوت مع نتنياهو في موضعين. أولهما كبح عنف المستوطنين بإعادة صلاحيات الاعتقال إلى الشرطة، وإعادة العمل بالاعتقال الإداري ضد المتطرفين اليهود، ونزع ملف البؤر غير القانونية من يد السياسيين. وثانيهما ترميم العلاقة مع فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا. ويجدر التذكير بأن آيزنكوت هو صاحب "عقيدة الضاحية" التي صاغها عام 2008، وأن خصومه من اليمين يهاجمونه من زاوية أنه رجل إدارة التهديد وليس رجل الحسم.
ويكشف حوار مارغليت موضع الخلاف الحقيقي. وفيه أن يائير غولان، وهو على يسار هذا المعسكر، قال لها إن الكتلة المناهضة لنتنياهو هي المعسكر الصهيوني وإن الحكومة معادية للصهيونية. المنافسة إذن على من يمثل الصهيونية تمثيلا أصح، والخلاف على هوية الدولة، أي على القضاء وتجنيد الحريديم ومكانة المستوطنين. أما مناطق الأمن والحرب مع إيران واستبعاد الدولة الفلسطينية فهي موضوعات خارج النقاش.
إذا فازت المعارضة سيتغير أسلوب إدارة العلاقة مع أوروبا والولايات المتحدة، وربما يُكبح اندفاع الإجابة الديموغرافية في الضفة. وهذه تغييرات لها وزنها عند من يعيشون تحت عنف المستوطنين، ولا يجوز التقليل منها، لكن الفوز لا يمس مناطق الأمن في غزة ولبنان وسوريا، ولا إطار الحرب مع إيران، ولا استبعاد الدولة الفلسطينية من جدول الأعمال، وهي جوهر الصراع الإقليمي القائم.
"هذه انتخابات تاريخية فيما يخص شكل الدولة ومن يحكمها، لكنها لا تبدو كذلك فيما يخص جيرانها ومن يعيشون تحت سيطرتها"
إذا بقي نتنياهو أو انتهت الانتخابات إلى جمود، وهو ما يرجحه كافييرو، فالاستمرارية أوضح بطبيعة الحال. وقد وصف المؤرخ بيني موريس هذه الانتخابات بأنها تاريخية، وهي كذلك فيما يخص شكل الدولة ومن يحكمها، لكنها لا تبدو كذلك فيما يخص جيرانها ومن يعيشون تحت سيطرتها.

وماذا بَعْد؟
يترتب على هذه القراءة ثلاثة استنتاجات. أولها أن أي رهان عربي على صناديق الاقتراع الإسرائيلية بوصفها مخرجا يحتاج إلى مراجعة. فالانتخابات تحسم من يدير الإجماع، والإجماع نفسه حُسِم قبلها بالفعل. وثانيها أن سؤال أي التيارات سينتصر أقل فائدة مما يبدو، فالتيارات تتشارك الأرضية الأمنية، وما يفرق بينها هو تقديرها للكلفة.
وتقول الاستطلاعات إن الجمهور نفسه يحسب بالكلفة، فهو لا يعطي الضم المعلن أغلبية، ويقلق من فتور واشنطن، ولذا فالنقد الذي يجد صدى في إسرائيل هو نقد الكلفة، ولهذا كان ترميم العلاقة مع العواصم الأوروبية بندا في مواقف المنافس الأول لنتنياهو قبل أن تعلن تلك الدول عقوباتها بأيام. والسؤال إذن هو أي الأثمان تستطيع أن تغير الحسابات داخل الإجماع.
أما ثالث الاستنتاجات فهو أن إعادة تأطير الحرب بوصفها مواجهة مع إيران هو الإنجاز الفكري الأهم للمؤسسة الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، لأنها أخرجت فلسطين من خانة السياسة إلى خانة الأمن. وكل قراءة عربية تقبل هذا الإطار، مؤيدة لإيران كانت أو معادية لها، تسلم بالمقدمة التي تبنى عليها الإجابات الثلاث.
تختم مارغليت حوارها بأنه ما من شيء محتوم، وأن في إسرائيل جمهورا واسعا يخوض معركة، وهو ما ينقض صورة العقل الواحد التي بدأنا بها. ولكن المعركة التي يخوضها هذا الجمهور، حتى الآن، هي معركة على من يحكم إسرائيل وكيف يحكمها. والسؤال الذي أُجِّل قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول ما زال مؤجلا بعد ثلاث سنوات من الحرب، ولن تطرحه الصناديق غدا.
