سوق النصيرات بغزة.. وفرة في البضائع وغياب للقدرة الشرائية

في قلب مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، تبدو مشاهد السوق للوهلة الأولى مغايرة لما اعتاده الغزيون خلال فترات طويلة من الحرب والحصار.
فالأكشاك ممتلئة، وأصناف الخضروات والفواكه مصطفة بكثرة، والحركة لا تتوقف بين الباعة والمتجولين، غير أن هذه الصورة، تخفي خلفها واقعا اقتصاديا بالغ القسوة، عنوانه الأبرز هو الغلاء الفاحش وغياب القدرة الشرائية.
بعد أشهر من شح البضائع وعزوف المواطنين عن الأسواق، كشفت جولة لكاميرا "الجزيرة مباشر" عودة السوق ليشهد وفرة نسبية في الأصناف، إلا أن هذه الوفرة لم تترجم إلى انتعاش في حركة البيع. فالمواطنون، كما يقولون، باتوا غير قادرين على مجاراة الأسعار المرتفعة، فيكتفون بالسؤال والمشاهدة، ثم يغادرون دون شراء.
أحد المواطنين النازحين من رفح، والذي يعيل أسرة مكونة من 14 فردا، عبّر عن حجم المعاناة قائلا إنه لم يعد قادرا إلا على شراء كميات محدودة جدا من الخضروات والفواكه، موضحا أن كيلوغرام "الأفوكادو" يباع بـ7 شواكل، وكذلك البرتقال، في حين أن احتياجات أسرته تتجاوز بكثير ما يستطيع تحمله.
وأضاف بأسى "البضاعة موجودة، لكن الناس لا تملك المال"، مؤكدا أن غالبية المتسوقين يأتون إلى السوق للتفرج فقط.
تفاوت الأسعار
وفي جولة داخل السوق، يظهر تفاوت الأسعار لكنها تبقى مرتفعة عن متناول معظم المواطنين.
الباعة بدورهم لا يخفون حجم الأزمة. أحدهم أكد أن الإقبال ضعيف للغاية بسبب الغلاء وانعدام السيولة، مشيرا إلى أن أزمة العملة المهترئة تفاقم الوضع، حيث يضطر الباعة إلى قبول أوراق نقدية ممزقة بقيمة أقل من قيمتها الحقيقية، ما يضاعف خسائرهم اليومية.
بائع آخر أوضح أن ارتفاع الأسعار مرتبط بشكل مباشر بفتح وإغلاق المعابر، مؤكدا أن المشكلة الأبرز حاليا ليست فقط في الغلاء، بل في أزمة النقد، خاصة فئة الـ20 شيكلا التي يرفض كثيرون التعامل بها بسبب اهترائها.
وأضاف أن معظم الأصناف المتوفرة مستوردة، باستثناء بعض الخضروات المحلية مثل الزهرة واللفت، التي تزرع داخل قطاع غزة.
ومع مواصلة الجولة تتضح صورة أكثر قتامة؛ فضعف الإنتاج الزراعي المحلي جعل حتى المنتجات المزروعة داخل القطاع أغلى ثمنا.
فقد أشار أحد الباعة إلى أن مزارعين كانوا يمتلكون عشرات الدفيئات الزراعية قبل الحرب، لم يبقَ لديهم اليوم سوى واحدة فقط، فيما كانت مناطق مثل رفح وشرق خان يونس تمثل سلة الغذاء الأساسية لغزة، لكنها خرجت عن الخدمة.
غياب "الفكة"
ويعاني التجار كذلك من غياب "الفكة" والقطع النقدية الصغيرة، ما يضطر بعضهم إلى الامتناع عن البيع أحيانا. بل إن أزمة النقد بلغت حد بيع "الفكة" مقابل نسبة من المال، في مشهد يصفه الباعة بأنه مفروض عليهم في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع.
ورغم تكدس البضائع في الأسواق، يؤكد التجار أن نحو 80% من المواطنين يكتفون بالسؤال عن الأسعار، مقابل 20% فقط يستطيعون الشراء، ما يهدد بتلف البضائع ويضاعف خسائرهم.
ويعلق التجار آمالهم على فتح المعابر، معتبرين أن تدفق السلع قد يسهم في خفض الأسعار وتحريك السوق من جديد.