أي مستقبل للمقاومة الفلسطينية بعد ثلاث سنوات على الطوفان؟

استهداف ناقلة جند إسرائيلية نفذتها كتائب القسام -الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)- أمس الثلاثاء في مدينة خان يونس
يرى الكاتب أن المقاومة الفلسطينة باقية لكن يجب أن تجدد أدواتها حتى يستمر الكفاح (الجزيرة)

لم يضع "الطوفان" أوزاره بعد، والحروب متعددة الجبهات والأطراف والديناميات التي تناسلت عنه، ما زالت هزاتها الارتدادية تضرب في طول الإقليم وعرضه، وشظايا ذلك التاريخ الذي بدأ في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، باتت تضرب اقتصادات العالم وملاحته وسلاسل إمداده ومخزونات طاقته وأسعارها، بما لم يُبقِ دولة واحدة بمنأى عن أمواجه المتلاطمة.

وكلما بدا أن سفينة الدبلوماسية ومساعيها الحميدة، تكاد ترسو على شاطئ الأمان، أطلت نذر الحرب والتصعيد والمواجهة الدامية، برأسها البشع من جديد.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

الإقليم، من قزوين حتى شرق المتوسط، ما زال مضمارا متحركا لسباق محتدم، بين الحرب والسلام، وقرع طبول الحرب ما زال يتعالى، فيما قنوات الدبلوماسية تبدو مزدحمة بالمبادرات والتحركات. لا أحد يعرف متى وكيف وعند أي "خط نهاية" سينتهي هذا السباق، وثمة قدر من "الاستعجال" في تقديم إجابات استشرافية ناجزة عن أسئلة مستقبلية، من نوع السؤال الذي نخصص له هذه المقالة.

لكن على أي حال، ثمة قواعد حاكمة عند النظر إلى سؤال مستقبل المقاومة الفلسطينية، تساعد كثيرا في رسم معالم الطريق، وتوفير فهم أعمق وأدق، لمآلات وتحولات المشروع الوطني الفلسطيني وحوامله السياسية وأدواته الكفاحية، على أن الإبحار في تفاصيلها منذ الآن، يبدو ضربا من المجازفة.

المقاومة الفلسطينية بعد سنوات ثلاث على الطوفان، يتعين أن تعود إلى الشعب، كل الشعب، وفي مختلف أماكن وجوده، من دون إلغاء أو تهميش لدور قوى وفصائل، لطالما اختبرت ميادين المواجهة مع الاحتلال، وبصورة مثيرة للانطباع، مخلفة بصمات لا تُمحى في الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني

على عتبات مرحلة جديدة

القول إن الفلسطينيين وأعداءهم "الوجوديين" والإقليم برمته، قد دلفوا عتبات مرحلة إستراتيجية جديدة، بات يندرج في إطار "لزوم ما لا يلزم"، فثمة إجماع بين مختلف الأفرقاء على اختلاف مرجعياتهم، وعلى مختلف المستويات، وفي كل الساحات، على أن ما قبل الطوفان ليس كما بعده، وأن الحديث عن المرحلة الجديدة بمفردات المراحل التي سبقتها، لا تفسير له سوى أنه "انفصال عن الواقع" وتنكر لمعطياته، وأن ما صح قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول، لم يعد صحيحا بالضرورة من بعده.

إعلان

يعني ذلك من ضمن ما يعني، أن أولى أولويات مقاومة الفلسطينيين تتجلى في تدعيم صمود وثبات الفلسطينيين على أرضهم، فلا صوت يعلو فوق هذا الصوت.

والمقاومة هنا، ليست فعلا حصريا بفصيل أو عدة فصائل، ولا هي مقتصرة على شكل واحد من أشكالها، كان 7 أكتوبر/تشرين الأول "ذروة سنامه"، وأعني به الكفاح المسلح، والمقاومة الفلسطينية في مفهومها الأصلي (التاريخي)، ليست فعلا نخبويا تقوم به فصائل باسم الشعب ونيابة عنه، ولا هي شكل واحد من أشكالها، حتى وإن أحاطت السردية الفلسطينية، السلاح والمقاومة المسلحة، بهالة من القدسية، ورفعتهما إلى مستوى الهدف، بل وأحلّتهما محله، بعد أن كانا مجرد وسيلة لرفع كلف الاحتلال، وجعل رحيله أقل الخيارات كلفة عليه.

المقاومة الفلسطينية بعد سنوات ثلاث على الطوفان، يتعين أن تعود إلى الشعب، كل الشعب، وفي مختلف أماكن وجوده، من دون إلغاء أو تهميش لدور قوى وفصائل، لطالما اختبرت ميادين المواجهة مع الاحتلال، وبصورة مثيرة للانطباع، مخلفة بصمات لا تُمحى في الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني، و7 أكتوبر/تشرين الأول، أهم تلك المحطات على الإطلاق، وأكثرها تأثيرا.

بالمعنى المجرد، تستطيع إسرائيل أن تتغلب على فصيل فلسطيني، أو موجة كفاحية، في مرحلة من المراحل، وقد حصل ذلك أكثر من مرة في رحلة المئة عام من الصراع، لكن خواتيم تلك الجولات المتعاقبة من الحروب والانتفاضات والثورات، لم تفض يوما إلى هزيمة الشعب الفلسطيني، الذي أثبت مرة تلو الأخرى، أنه قادر على اجتراح الجديد من موجات الكفاح وابتداع الجديد من أشكاله وأدواته، وأنه عصي على الاقتلاع والتبديد، وأنه يزداد استمساكا بهويته وكيانيته، وأن الجيل الرابع للنكبة من أبنائه وبناته، هو من يرفع رايات المقاومة اليوم، في مدن الغرب وعواصمه، وفي مخيمات اللجوء والشتات.

وهو من حمل رايات 7 أكتوبر/تشرين الأول، وهو من رابط حول الأقصى ولاذ بـ"عرين الأسود"، وشكّل الكتائب والمجموعات في الضفة الغربية، وأعاد مدن النكبة التي كادت تصبح نسيا منسيا، من ذاكرة التاريخ، إلى قلب السياسة زمن سيوف القدس.

نقول ذلك، ليس من باب بث الأوهام، أو رفع المعنويات، بالذات لأهل غزة والضفة، وهم بأمسّ الحاجة إليها في معركة التصدي للإبادة والتطهير والتهجير، بل من منطلق القراءة الموضوعية للحقبة الراهنة من الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

فإسرائيل، وإن نجحت في فرض الأرض المحروقة والتدمير السجادي على مساحة واسعة من القطاع، إلا أن الشعب الفلسطيني ما زال صامدا فوق تراب وطنه، والمقاومة الفلسطينية لم ترفع راية بيضاء، وهي محاطة بالتفاف جزء وازن من شعبها وشعوب الأمة وأصدقائهم في الإقليم وخارجه.

المقاومة كفصائل، ملأت أرض فلسطين وسماءها في العقدين أو العقود الثلاثة الفائتة، وهي باقية وتتكيف، وتتكيف معها صيغ وأدوات مقاومتها، وهي ما زالت رغم ما تعرضت له من ضربات مؤلمة ومدمرة، رقما فلسطينيا صعبا، أكثر وزنا بكثير من قوى قررت مغادرة الفعل المقاوم، حتى بأشكالها الأكثر سلمية في رام الله والضفة

إسرائيل "تفوقت" في ممارسة الإبادة والتطهير والتدمير، قضت على البشر والشجر والحجر في مناطق فلسطينية واسعة، وهي لا تزال تمارس عربدتها واستباحتها وانتهاكاتها لكل عُرف ومنطق وخُلق، بيد أنها بشهادات من تبقى من عقلائها، تخفق في "صرف" هذه "الإنجازات" الميدانية، إلى مكاسب سياسية إستراتيجية، وأنها ما زالت وجها لوجه، مع أسئلتها الوجودية المتصلة بوجود أغلبية فلسطينية على أرض فلسطين التاريخية، وبما يضرب "يهودية" الدولة و"ديمقراطيتها" معا.

إعلان

لكنها تفعل ذلك بعد الطوفان، في ظروف أصعب للغاية، فهي تدفع أثمانا باهظة من مكانتها وسرديتها، وهي تجد نفسها يوما إثر آخر، في موقع "المنبوذ السياسي"، وصورتها في العالم، لم تبلغ هذا الحضيض منذ قيامها.

فأرقام استطلاعات الرأي العام العالمي حولها، باتت تقرأ بمفردات "نظرية الأمن القومي"، وسط خشية عامة بأنها تقترب من اللحظة التي ستتحول معها من ذخر للغرب الاستعماري إلى عبء عليه، لا سيما بعد التحولات في الرأي العام الأمريكي، ومن ضمنه يهود الولايات المتحدة، وبوجود غالبية الثلثين من الأوروبيين الذين يحتفظون بنظرة "سلبية" حيالها، مقابل غالبية بدأت تجنح لقبول وتبني السردية الفلسطينية.

وذلكم ليس تفصيلا أبدا، ونحن نتحدث عن مستقبل مقاومة الفلسطينيين، فهنا تقع واحدة من أهم أدوات كفاحهم ومقاومتهم في المرحلة الإستراتيجية المقبلة، ودائما تحت شعار تفكيك الصهيونية الفاشية بوصفها شكلا من أشكال التمييز العنصري، كما قرر "حزب الخضر" البريطاني، في سابقة تاريخية غير مألوفة، وبالذات من بريطانيا، حيث انتقلت فكرة "الوطن القومي" من وعد إلى تجربة في التطبيق.

والذين دعوا حماس وأخواتها، إلى إلقاء سلاحها في بواكير الطوفان، لتفادي الأسوأ وتخفيف أعباء الترويع والتجويع والتهجير والصدمة، نسوا، ومعظمهم تناسى، أن المقاومة الفلسطينية فعل تراكمي، يورث من جيل إلى جيل، وأن انتقال راياتها مرفوعة حتى وإن كانت مضمخة بالدماء، هو الضمانة للحفاظ على ديمومتها، وإبقاء جذوتها مشتعلة في صدور الأجيال القادمة التي ستواصل المسير حتى استرداد الحقوق وانتزاعها، ثم إنه كان يتعين على هؤلاء البرهنة بأن الكارثة لم تكن لتحل بغزة وأهلها، لو أن حماس صدعت لنصائحهم المفخخة والمغلفة برداء إنساني شفاف.

لا يمكن الحديث عن "مستقبل المقاومة الفلسطينية" بمعزل عن الحديث عن "مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني"، واشتداد الحاجة لمراجعته وإعادة تعريفه، واتساع دائرة الداعين إلى ذلك، المقاومة ثابت من ثوابت الشعب الفلسطيني، أما أدواتها وأشكالها وفصائلها فتندرج في دائرة "المتغير"

المقاومة باقية وتتحول

المقاومة كفصائل، ملأت أرض فلسطين وسماءها في العقدين أو العقود الثلاثة الفائتة، وهي باقية وتتكيف، وتتكيف معها صيغ وأدوات مقاومتها، وهي ما زالت رغم ما تعرضت له من ضربات مؤلمة ومدمرة، رقما فلسطينيا صعبا، أكثر وزنا بكثير من قوى قررت مغادرة الفعل المقاوم، حتى بأشكالها الأكثر سلمية في رام الله والضفة، ويجد خصوم المقاومة وأعداؤها انسدادا في محاولاتهم تجاوزها والقفز من فوقها، فلا انتخابات وطنية من دونها، ولا تسويات في غزة من دون التفاوض مع قادتها، لقد أسقط صمود المقاومة، الكثير من الخطوط الحمراء و"الفيتوهات"، ودفع حتى برأس "الاستكبار العالمي" للجلوس معها على مائدة واحدة.

المقاومة بهذا المعنى، ليست نفقا يجري تدميره فتنتهي، أو مستودعا للذخيرة تجري مصادرته، فتذهب ريحها، المقاومة هنا، هي بنية سياسية ثقافية اجتماعية، تتداخل فيها فصائلها مع قاعدتها الاجتماعية، وهي وإن شهدت تذبذبا في شعبيتها، بين صعود وهبوط، إلا أنها ستبقى عصية على الاقتلاع والتبديد، وأن من جلس لثلاث سنوات، ينتظر زوالها، قد خاب ظنه، وطاشت سهامه، وأنه لو استغل هذا الوقت لفعل أشياء مفيدة، لكان عمل خيرا لنفسه وشعبه.

والمقاومة كفصائل، لا تختزل الشعب الفلسطيني ولا تختصره، فالشعب أكبر من فصائله متفرقة ومجتمعة، وتعدديته الحيوية تتسع لقوى أخرى وتيارات ناشئة، وفي هذا فليتنافس المتنافسون، لكن الذين ارتأوا التكامل وتنسيق الأدوار (حتى أمنيا مع الاحتلال)، ليس من حقهم أبدا اعتماد "خيار صفري" في علاقتهم مع فصائل المقاومة، والنتيجة لن تكون لصالحهم أبدا، إن هم "ركبوا رؤوسهم"، بدلالة أنهم يواجهون عنتا في إدارة علاقاتهم مع حلفائهم ورعاتهم من جهة، فيما دوائر تأييدهم على ساحتهم الوطنية، آخذة في الانحسار والتقلص من جهة ثانية.

إعلان

ولا يمكن الحديث عن "مستقبل المقاومة الفلسطينية" بمعزل عن الحديث عن "مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني"، واشتداد الحاجة لمراجعته وإعادة تعريفه، واتساع دائرة الداعين إلى ذلك، المقاومة ثابت من ثوابت الشعب الفلسطيني، أما أدواتها وأشكالها وفصائلها فتندرج في دائرة "المتغير".

والفصائل والقوى الأكثر إدراكا لطبيعة التغير وعناوين المرحلة الجديدة، والأكثر قدرة على التكيف معها، وتكييف فعلها وأدواتها بناء على ذلك، هي القوى والفصائل الأكثر تأهلا لعبور المرحلة الجديدة، وبغير ذلك، فإن طي صفحة حقبة، قد يعني طي صفحة أطر وهياكل وفصائل.

والمقاومة، قوى وفصائل، مطالبة اليوم، وهي تبحث عن أجوبة عن أسئلة المستقبل، بأن تختار من جعبة أدواتها، ما يمكن للشعب الفلسطيني أن يحتمله، وأن يكون له قبل به. "هندسة" المقاومة وأدواتها، يتعين أن تنطلق من رفع كلفة الاحتلال على العدو، وتمكين شعبها من الصمود والثبات على أرضه.

هذه الهندسة تفترض كذلك، أن المقاومة الفلسطينية ليست وحدها في الميدان، وأن هناك جيوشا وفيالق في مختلف الساحات، وعلى امتداد القارات الخمس، تخوض معها كفاحها، وأن ثمة "فيلقا يهوديا" بات منخرطا كما لم يسبق من قبل، في ميادين المواجهة مع الأبارتيد والإبادة والفاشية.

والحقيقة أن ثمة إدراكا متزايدا، في أوساط الشعب الفلسطيني للحاجة لتجديد المقاومة والحركة الوطنية والمنظومة السياسية الفلسطينية، وأن هذا الإدراك ممتد إلى فصائل وطنية وإسلامية وازنة، وأن حوارات في العمق جرت مؤخرا مع بعض من أبرز قادتها، قد تكشفت عن إدراك عميق لـ"فقه الأولويات"، وعناوين المرحلة وضروراتها، بما يتيح التفاؤل بأن ثمة عملية إعادة تأهيل تجري لولوج عتبات المرحلة الإستراتيجية الجديدة، وإن غدا لناظره قريب.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان