كيف نوقف الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران؟

blogs نتنياهو وترمب
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب (يسار) ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

الحرب التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران في 28 فبراير/شباط تمر بمرحلة هدوء، لا بنهاية. فقد توقفت العمليات القتالية الكبرى، وتعثرت الدبلوماسية، ويستعد الطرفان للجولة التالية. ولكي نفهم لماذا سيُستأنف القتال قريبا، علينا أن نفهم دوافع الحكومتين اللتين أشعلتاها.

فلا تريد أي منهما السلام: القيادة الإسرائيلية تسعى إلى الهيمنة على الشرق الأوسط، والولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على هيمنتها على العالم. ويكفي أن نذكر هذين الهدفين لنُدرك أن الحكومتين تعيشان في عالم من الأوهام.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

تستحوذ على القيادة السياسية الإسرائيلية قناعة بأن بقاء إسرائيل مرهون بتفوقها العسكري على العالم العربي، وبإخضاع الشعب الفلسطيني إخضاعا دائما أو القضاء عليه. هذه القناعة ضرب من الجنون الجماعي، لكنها العقيدة التي تحكم السياسة الإسرائيلية. فقادة إسرائيل عاجزون عن تقبل حقيقة أن السلام في متناول اليد.

لم تغفر الولايات المتحدة لإيران قط تحررها من الهيمنة الأمريكية. فقد دعمت حرب صدام حسين الدامية على إيران في الثمانينيات، وأتبعتها بأربعة عقود من الحرب الاقتصادية والعمليات السرية والهجمات الإلكترونية والاغتيالات. ومزق ترامب الاتفاق النووي لعام 2015 في عام 2018، وقصف المنشآت النووية الإيرانية في يونيو/حزيران 2025

ففي مبادرة السلام العربية لعام 2002، عرضت الدول العربية على إسرائيل تطبيعا كاملا مقابل قيام دولة فلسطينية على حدود عام 1967، ولا يزال هذا العرض قائما.

ولا يمكن بناء السلام على الإبادة الجماعية في غزة، ولا على كراهية الشعب الفلسطيني والسعي إلى اقتلاعه من أرضه. ومع ذلك، هذا هو الطريق الذي اختاره رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وهو يخوض حملته الانتخابية على أساسه علنا، إلى جانب حلفائه من "التيار الديني القومي"، ومنهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، الذين يحرفون الدين خدمة للكراهية والقتل.

إعلان

أما الولايات المتحدة فتستحوذ عليها هواجس تراجع قوتها. وإيران هدف لها منذ أكثر من سبعين عاما. ففي عام 1953، أطاحت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والاستخبارات البريطانية برئيس الوزراء الإيراني المنتخب محمد مصدق، بعد أن أمم النفط الإيراني. ثم نصبت الولايات المتحدة الشاه ودعمت دولته البوليسية إلى أن أسقطها الشعب الإيراني عام 1979.

ولم تغفر الولايات المتحدة لإيران قط تحررها من الهيمنة الأمريكية. فقد دعمت حرب صدام حسين الدامية على إيران في الثمانينيات، وأتبعتها بأربعة عقود من الحرب الاقتصادية والعمليات السرية والهجمات الإلكترونية والاغتيالات. ومزق ترامب الاتفاق النووي لعام 2015 في عام 2018، وقصف المنشآت النووية الإيرانية في يونيو/حزيران 2025، ثم انضم في فبراير/شباط من هذا العام إلى إسرائيل في حرب مفتوحة، قُتل فيها المرشد الأعلى الإيراني في الضربات الأولى.

إن هوس واشنطن بإيران يخدم الهيمنة الأمريكية. ففي كتابه رقعة الشطرنج الكبرى (1997)، صنف زبيغنيو بريجنسكي إيران واحدة من خمسة "محاور جيوسياسية"، أي دول لا تكمن أهميتها في قوتها الذاتية بقدر ما تكمن في موقعها. فإيران تُشرف على الخليج ومضيق هرمز.

وكتب بريجنسكي أن تحالفا "مناهضا للهيمنة" يضم الصين وروسيا وإيران لا يمكن أن ينشأ "إلا إذا بلغ قِصر نظر الولايات المتحدة حد معاداة الصين وإيران في آن واحد". وها هي واشنطن قد بلغت بالفعل هذا القدر من قِصر النظر والتهور.

إشارات استئناف الحرب ليست خفية. ومؤخرا، زار وزير الحرب بيت هيغسيث إسرائيل لبحث استئناف الضربات المشتركة، وتفيد مصادر إسرائيلية بأن الخطط تستهدف منشآت إيران البتروكيماوية ومواقعها النووية. وقد تعهد البيت الأبيض بألا تهاجم الولايات المتحدة إيران قبل انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، وهي طريقة أخرى لإعلان جدول زمني للحرب.

وقد تجاوز الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية يومه المئة. ورفض ترامب مقترحا إيرانيا لوقف إطلاق النار لمدة سبعة أيام في سبتمبر/أيلول، رغم أن طهران تقول إن العرض لا يزال مطروحا.

السبيل الوحيد لوقف هذا الجنون هو أن يقول العالم العربي للولايات المتحدة: كفى. وعلى الدول العربية أن تعلن أنها لن تقبل أبدا بالهيمنة الإسرائيلية، وأنه لا بد من قيام دولة فلسطين ذات السيادة، وأن أمن المنطقة سيأتي من التعاون الإقليمي لا من واشنطن

وتزيد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول النار اشتعالا. ففي 18 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن ترامب تأييده لنتنياهو، قائلا إن الولايات المتحدة "ستُنهي المهمة" ضد إيران شرط أن يكون نتنياهو على رأس الحكومة.

وفي 21 أكتوبر/تشرين الأول، خلال تجمع انتخابي في ديمونة (حيث يقع المفاعل الذي بنت فيه إسرائيل سرا ترسانتها النووية)، أعلن نتنياهو أن السبيل الوحيد لإنهاء التهديد الإيراني هو إسقاط النظام، وقال إنه أصدر توجيهاته بذلك إلى الجيش والموساد والأجهزة الأمنية.

وقد استخلصت إيران، على نحو مفهوم، استنتاجاتها الخاصة. فقد أعلن قادتها عقيدة هجومية جديدة تشمل الضربات الاستباقية والهجمات على القواعد في الدول المجاورة التي تُستخدم في العمليات ضد إيران، ويحذرون من أن تجدد الهجمات سيجر العالم إلى أزمة طاقة. وقد بلغت الهجمات على السفن في مضيق هرمز ذروة جديدة هذا الشهر.

إعلان

هذا هو الواقع الذي يواجهه العالم العربي، ولا سيما دول الخليج. فالقواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج لم تجلب الأمن في هذه الحرب، بل حولت الدول المضيفة لها إلى أهداف. أما إستراتيجية "فرق تسُد" الأمريكية الإسرائيلية، التي صورت إيران عدوا دائما للمنطقة، ودعت الدول العربية إلى الاحتماء بالقوة الأمريكية مع القبول بالهيمنة الإسرائيلية، فلم تجلب للمنطقة سوى الحرب، والخسائر الاقتصادية للخليج، والمجازر في فلسطين ولبنان.

السبيل الوحيد لوقف هذا الجنون هو أن يقول العالم العربي للولايات المتحدة: كفى. وعلى الدول العربية أن تعلن أنها لن تقبل أبدا بالهيمنة الإسرائيلية، وأنه لا بد من قيام دولة فلسطين ذات السيادة، وأن أمن المنطقة سيأتي من التعاون الإقليمي لا من واشنطن.

وقد يكون الحل دولتين، كما في مبادرة السلام العربية، أو دولة ديمقراطية واحدة ثنائية القومية، أو كونفدرالية. المهم أن يعيش اليهود الإسرائيليون والعرب الفلسطينيون، وعدد كل منهما نحو 8 ملايين نسمة، في سلام وأمان، مع حقهم في تقرير المصير. أما ما لا يمكن أن يستمر فهو نظام الفصل العنصري الإسرائيلي الوحشي.

تمتلك الدول العربية نفوذا يفوق بكثير ما تدركه. فلو أعلنت دول المنطقة أن أراضيها وأجواءها لن تُستخدم في حرب أخرى على إيران، وأن التطبيع مع إسرائيل غير مطروح ما لم تُقَم دولة فلسطينية، لاضطرت واشنطن وتل أبيب إلى مراجعة حساباتهما سريعا

والبدايات واضحة. فقد دعت قطر إلى حوار إقليمي بين دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا وباكستان، كما أبقت قطر وباكستان وسلطنة عُمان قنوات الوساطة مع طهران مفتوحة طوال الحرب.

وينبغي أن تتطور هذه الجهود إلى إطار أمني إقليمي دائم يضم إيران ودول الخليج ومصر وتركيا والعراق وباكستان، ويقوم على عدم الاعتداء المتبادل، وحرية الملاحة، وإقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية يجب أن تشمل إسرائيل في نهاية المطاف.

تمتلك الدول العربية نفوذا يفوق بكثير ما تدركه. فلو أعلنت دول الخليج وجيرانها أن أراضيها وأجواءها لن تُستخدم في حرب أخرى على إيران، وأن التطبيع مع إسرائيل غير مطروح ما لم تُقَم دولة فلسطينية، لاضطرت واشنطن وتل أبيب إلى مراجعة حساباتهما سريعا. وسيهلل الشعب الأمريكي لذلك، فهو يمقت الحرب على إيران ويقف إلى جانب فلسطين.

لقد انتهى عهد "فرق تسُد" بقيادة أمريكية، صورت إيران عدوا دائما للعالم العربي، حتى وإن رفضت واشنطن وتل أبيب الاعتراف بذلك. وعلى الدول العربية أن تجاهر بذلك الآن، قبل أن تبدأ الجولة التالية من الحرب، فتفتح بذلك الطريق أمام منطقة تصنع أمنها وسلامها بنفسها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان