مسلسل الإمام الشافعي بين الصنعة والموهبة وما يطلبه الجمهور

خالد النبوي في مسلسل "الإمام الشافعي" (مواقع التواصل)

يدخل الإمام الشافعي بصحبة الإمام عبد الله بن عبد الحكم الفقيه المالكي وكبير تجار مصر إلى جامع عمرو بن العاص يطوفان حول حلق العلم. ويتوقف الشافعي فجأة أمام حلقة تدرس الطب ويشير بإعجاب لمخطوطة في يد القائم بالتدريس قائلا لعبد الحكم: "الطب.. العلم علمان، علم الأديان وعلم الأبدان"، ينزل بعدها على ركبتيه ملتمسا من المدرس إمساك المخطوطة المصنوعة من نبات البردي الذي ينمو على ضفاف النيل ويسأل عن عمرها وأماكن وجود مثلها، هذا في المسلسل المصري "رسالة الإمام" للمخرج السوري الليث حجو إنتاج 2023.

يثير المسلسل كثيرا من الجدل حول قضايا هامة تتعلق بالدراما التاريخية ومدى التزامها بالمعلومات الواردة في التراث قبل أن يتطور الأمر إلى جدل أيديولوجي وديني دخلت فيه أطراف كثيرة على خط النقاش. وأتصور أن المسألة بعيدة عن مشكلة تجسيد الحقائق التاريخية وبعيدة أيضا عن مسألة اللغة. ولتحرير المسألة وبسبب اختلاط عدة قضايا مع بعضها فضلت أن نناقش المسلسل عبر عدة مستويات مختلفة لتوضيح بعض القضايا. وهذه المستويات هي مستوى الصنعة الدرامية، والمستوى الثاني هو مستوى موهبة القائمين عليه، أما المستوى الثالث فهو مستوى استقبال الجمهور للعمل وتفاعله معه، وهي مستويات منفصلة رغم اتصالها بجوهر العمل.

تحتاج كتابة سيناريو الأعمال التاريخية لموهبة وجهد من نوع خاص. كان الكاتب والشاعر الراحل عبد السلام أمين واحدا من هؤلاء وهو الذي كتب مسلسلات عمر بن عبد العزيز وهارون الرشيد ومسلسلات عن الخلفاء الراشدين وأضاف إلى جانب المجهود البحثي لمسات إنسانية نابعة من كونه شاعرا فأتت المسلسلات قطعا إبداعية راقية

أولا: مستوى صنعة العمل

هناك عدة مشاكل جوهرية في صنعة العمل على رأسها السيناريو، لأنه امتداد لكارثة في مصر مستمرة منذ عدة سنوات في الدراما التلفزيونية والسينما تسمى ورشة كتابة السيناريو. فسيناريو مسلسل "رسالة الإمام" هو حصيلة كتابة جماعية لـ7 كتاب، 3 منهم من سوريا و4 من مصر. وهي طريقة مؤسفة آل إليها كثير من الأعمال الدرامية والسينمائية في السنوات الأخيرة، وقد حولت كتابة السيناريو من عملية إبداع ذاتي متفرد له شخصية إلى عملية ميكانيكية خاضعة للربح. وهذا ليس رأيي وحدي، هذا رأي أبرز كتاب السيناريو في مصر، ومنهم الكاتب الراحل وحيد حامد وهاني فوزي وغيرهم. وقد استعرض كتاب "أول حكاية" الصادر العام الماضي هذه المشكلة من تأليف محمد غالب وإمام محمد وضم حوارات مع كبار كتاب السيناريو.

يمكن لأي متخصص أن يلحظ مشاكل جوهرية في السيناريو من الحلقات الأولى، فالتنقلات غير المبررة وغير المنطقية بين العراق والصحراء ومصر بالإضافة للخلل في التطور الدرامي للشخصيات يشير بوضوح إلى أن هناك أكثر من رؤية للسيناريو وهي رؤى ليست خطأ كلها ولكن الخلط بينها هو الخطأ ويفقد العمل الإبداعي تماسكه.

وهذا ينعكس على دور شخصية الإمام الشافعي في المسلسل، إذ ليس واضحا من السياق الدرامي طبيعة شخصيته بغض النظر عن شهرة الشخصية الحقيقية. لأننا لا نجد توظيفا مثلا لملكاته الفقهية أو اللغوية، وإنما نرى استعراضا لمواقف فقهية سريعة وبعض أبيات الشعر مذكورة في مواقف مختلفة وليست ضمن سياق تطور الأحداث والأشخاص أو جزءا منها.

الأمر الآخر يتعلق بالإخراج، لأنه ليس في المسلسل رؤية إخراجية واضحة رغم البادي من الإمكانيات المادية الكبيرة. وهناك أيضا غياب للرسالة واللغة البصرية المستخدمة وكيفية توظيف المخرج الإضاءة مثلا لخدمة تطور الحبكة. أحيانا نجد مشاهد صورت بطائرة مسيرة، وهي لقطات جميلة لو كان اعتمد عليها كنمط مكرر لكانت أبلغ، لكننا نجد تنوعا في أحجام اللقطات وكوادر التصوير من دون مغزى واضح.

ثانيا: موهبة القائمين عليه

لا نبالغ في القول إن كثيرا من العاملين في المسلسل هم مواهب حقيقة ولكن يبدو أنهم تم ضغطهم في الوقت فلم يتمكنوا من التعبير عن أنفسهم بالشكل اللائق. منهم مثلا الممثل خالد النبوي، وهو ممثل له حضور ولكن طريقة تمثيله بعيدة كل البعد عن شخصية وأسلوب الشخصية الدينية في هذا المسلسل. فكل نظرة وكل لفتة من الممثل تحمل رسالة وحتى يمكن إقناع المشاهد بتجسيد شخصية هامة ومؤثرة مثل الإمام الشافعي كان الأمر يتطلب تدريبا أطول. وحتى نستدل على هذه الفكرة بشكل عملي علينا مشاهدة أداء الممثل الراحل نور الشريف لدور الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز ومراجعة تصريحاته وفيديوهاته المنشورة عن هذه الشخصية وكيف يدرس إيماءات الشخصية.

إن المدقق لمسيرة شخصية مثل الإمام الشافعي لا يستطيع أن يقف فقط عند دوره كفقيه وشاعر ويتجاوز ورعه. وهذه الصفة الأخيرة تحتاج إلى مجهود كبير لتنعكس بصريا. وهو المجهود الذي بذله نور الشريف بداية من الفكرة التي ولدت بينه وبين وزير الأوقاف الراحل الشيخ حسن الباقوري وحتى وصية الشريف بعرض مشهد وفاة عمر بن عبد العزيز عند وفاته. ويمكن مراجعة تصريحات الفنان الراحل عبد الله غيث أثناء دوره في فيلم الرسالة وكيف كان أنطوني كوين يرجع إليه ليفهم حدود طبيعة الشخصية العربية حتى يجيد تجسيدها في دور سيدنا حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه.

إن الموهبة هنا لا تقف عند حدود التمثيل وتمتد إلى السيناريو، فبالإضافة للعناصر المذكورة في ملاحظات السيناريو أعلاه تحتاج كتابة سيناريو الأعمال التاريخية لموهبة وجهد من نوع خاص. كان الكاتب والشاعر الراحل عبد السلام أمين واحدا من هؤلاء وهو الذي كتب مسلسلات عمر بن عبد العزيز وهارون الرشيد ومسلسلات عن الخلفاء الراشدين، وأضاف إلى جانب المجهود البحثي لمسات إنسانية نابعة من كونه شاعرا فأتت المسلسلات قطعا إبداعية راقية.

أذكر أنني كنت أتناقش كثيرا مع الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة حول إسقاطاته الفلسفية والدينية والتاريخية في مسلسلاته الشهيرة، وسألته مرة إن كان يرى إمكانية تكرار تجربته وموهبته في المستقبل مع كتاب آخرين، فقال إنه يحلم بإنشاء معهد للسيناريو تابع لاتحاد الإذاعة والتلفزيون لاكتشاف وتدريب مواهب جديدة في كتابة السيناريو وقدم مقترحا لهذا الأمر بالفعل. ولكن يبدو أن الفكرة لم تجد طريقها للتطبيق. وبالمناسبة فقد كان لقطاع الإنتاج في هذا الاتحاد تقاليد وقواعد في الإنتاج الدرامي كانت أفضل بلا شك مما هو عليه الحال الآن.

ثالثا: ما يطلبه الجمهور

بعيدا عن العناصر الفنية الدرامية للمسلسل، فلا يستطيع أي عمل درامي عن شخصية دينية شهيرة أن يتجاوز رد فعل الجمهور. لأن الأمر في هذه الحالة ليست متعلقا بقواعد موضوعية وإنما بمشاعر ذاتية وعقائد يجب أخذها في الاعتبار. وإن كنت أرى أن غضب معظم الجمهور له ما يبرره ليس لما ساقه كثيرون من أسباب، ولكن بسبب الخلل في الصنعة والموهبة في المسلسل التي أدت إلى بحث غير المختصين عن أسباب عدم قدرة المسلسل على الإقناع، فتارة ذهبوا لفكرة التدقيق التاريخي وتارة إلى مسألة استخدام بعض المصرية العامية، وهي أمور كان يمكن أن تمر أو على الأقل أن تبقى داخل نقاش نخبوي لو كانت هناك قوة في بقية عناصر المسلسل.

وفي هذه النقطة تحديدا يبدو أن ذائقة الجمهور العربي قد ارتقت لغويا بالفعل بسبب المسلسلات التاريخية التي كتبها الدكتور وليد سيف. ففي مذكراته "الشاهد المشهود" يقول إنه طُلب منه أن يخفف من اللغة العربية القديمة في المسلسلات التاريخية حتى يستطيع الجمهور أن يتابع العمل. وكانت وجهة نظره العكس، وهي أن يرتقي بذائقة الجمهور لا أن ينزل بها، واعتبرها فرصة لنشر اللغة العربية في المراجع والمصادر الأصلية بين الناس وقد كان.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.