حزب الإصلاح اليمني بعد 32 عاما من التأسيس.. إشكالية التحول والتكيف

شعار حزب التجمع اليمني للإصلاح (الجزيرة)

يكتنف الحديث عن حزب التجمع اليمني للإصلاح ونشأته في اليمن كثير من المحاذير وعلامات الاستفهام، إذ إنه لا يمكن الحديث عن الحزب من دون تناول النشأة الأولى للحركة الإسلامية في اليمن، التي أصبحت تعرف في ما بعد باسم "التجمع اليمني للإصلاح"، والحديث عن الحركة الإسلامية -بلا شك- سيقودنا إلى علاقتها وتأثرها الثقافي والتنظيمي بالحركة الإسلامية -جماعة الإخوان المسلمين- في العالم العربي.

ولا يعني ذلك أن التأثر الشديد للحركة الإسلامية -التي أصبحت في ما بعد حزب الإصلاح- كان بجماعة الإخوان المسلمين في مصر في الخطاب الفكري والبناء التنظيمي، لكن اليمن -بشكل عام- وباقي العالم العربي تأثر فعلا بالأفكار العابرة للحدود، سواء كانت قومية أو ناصرية أو حتى اشتراكية، وكان تأثير الأفكار القادمة من مصر يلقى رواجا في اليمن للعديد من الأسباب، أبرزها ما تملكه مصر من تأثير في اليمن وبقية العالم العربي، فمعظم المعلمين في فترة ما بعد ثورة سبتمبر/أيلول 1962 كانوا من مصر، كما أن الطلاب اليمنيين الذين درسوا في مصر تأثروا بالحراك السياسي والنخبوي في الجامعات المصرية حيث درسوا، وجرى تنظيمهم في حركات لتلك التيارات الفكرية والسياسية من قِبل من سبقوهم من اليمنيين وعادوا محملين بتلك الأفكار.

وبالتالي، فإنه لا يمكن إغفال التأثيرات والسمات الأخرى المتعلقة بالخطاب الديني في سياقه التاريخي والسياسي والثقافي والإعلامي على هذه الحركات، رغم أن كل حركة اتسمت بسياق خاص ومعين ولكن ظلت جميع الحركات الإسلامية تخطو الخطوات نفسها وتستقي من منبع فكري وتراثي واحد، وإن ميزت كل واحدة من هذه الحركات ميزة تخص إطارها الجغرافي والسياسي وتوجهاتها الحركية والدينية.

بعد سنوات عديدة، يمكن أن تخلق التفاعلات التغيير المنشود على مستوى الدولة والأحزاب التقليدية وهذا ليس تفاؤلا محضا، وإنما فكرة تقوم على مراقبة مراحل آليات التغيير في العالم كله، سواء في البلدان التي شهدت حروبا أو ثورات أو انتفاضات أو حركات تغيير. ولكن السؤال هنا هل ما زال حزب الإصلاح جماعة سرية؟

إن نقد تجربة حزب التجمع اليمني للإصلاح اليمني خلال 32 عاما، منذ إعلانه حزبا علنيا عام 1990 بعد إعلان الوحدة، تبدو من أصعب التجارب النقدية خاصة أن الحزب مر بعدة مراحل منها الأيديولوجي والديني والتاريخي والسياسي، وبين كل هذا واقعه اليمني وكذلك تداخلاته الإقليمية والخارجية، بدءا من النشأة بوصفه حركة إسلامية، ثم انتقاله إلى العمل السياسي الواسع بوصفه حزبا، ثم انخراطه بشكل ما في الانتخابات والدولة -وإن كان محسوبا على المعارضة- وصولا إلى مشاركته الواسعة بعد ذلك في الثورة السياسية الشعبية السلمية عام 2011، ثم تحوله إلى العمل المسلح عقب إسقاط الحوثيين العاصمة صنعاء عام 2014.

البناء التكويني

يعتمد حزب الإصلاح في بنيته التنظيمية على أمرين:

الأول: الجماعة

وهم أعضاء الحزب الرئيسيون والعمود الذي يعتمد عليه الحزب في إحداث التغيرات الكبرى، ويؤمنون بأيدلوجية الحزب/ الجماعة، والمتأثرون بفكر الإخوان المسلمين، وهم من ينظمون ويحضرون معظم فعالياته الجماهيرية ويديرهم نظام فاعل يحمي الحزب من الانهيار.

الثاني: أعضاء الحزب وأنصاره

وهؤلاء هم معظم قوة الحزب الجماهيرية، والداعمون له، ومن بينهم الشيوخ والوجهات المجتمعية والعامة.

الأفكار والمنطلقات

في كل هذه المراحل، بقي الحزب محافظا على كثير من مسلماته الدينية والتاريخية والثقافية والسياسية، على الرغم من إعلانه تبني الدولة المدنية ومبادئ الديمقراطية والحريات المدنية، فإنه -بالرغم من خطابه المنفتح- ظل محافظا على ماضيه بكل الإشكال وبما يخدم ويكرس فكرة الجماعة، لا فكرة الحزب السياسي، ولن أغفل هنا ملامح التحديث في الخطاب وبعض الخطوات العملية للتحول إلى كيان سياسي حقيقي بعيد عن مفهوم الجماعة المعروف لدى الإسلاميين.

الإصلاح اليوم بكل تأكيد أفضل منه قبل 30 عاما، وقبل 20 عاما، إذ حاول التخلص من رمزياته المتطرفة على مستوى الشخوص والأفكار، ولكنه ليس أفضل حالا على مستوى التطبيق والتنفيذ؛ إذ إن كثيرا من قياداته ما زالوا يعتقدون أنه من الصعوبة التقدم إلى الأمام لأسباب تتعلق بالبناء التنظيمي والحزبي ولأسباب تتعلق بالراديكالية التي تعتمدها الأحزاب الإسلامية في جميع أنحاء العالم العربي، بالإضافة إلى بقاء القيادة التقليدية على هرم الحزب منذ أكثر من 30 عاما.

بالمقارنة، يمكن النظر إلى تجربة الحركة الإسلامية الأم في مصر أو حتى لتجربة الحركة الإسلامية في تونس، فرغم تبنيها أدبيات متقدمة، فإنها ما زالت عالقة في أطر الماضي، وذلك بالنظر إلى كثير من الأحداث على أساس ديني. وحتى نكون منصفين وواقعيين ويكون النقد منهجيا، فإن جزءا من عدم قدرة هذه الأحزاب -ومن بينها الإصلاح- على الخروج من أسرها الفكري والثقافي سببه حرصها على الانسجام مع مجتمعاتها الإسلامية والعربية وموروثاتها التاريخية والفكرية، وهذا بالطبع لا يعفيها من مسؤولية البقاء في دائرة ضيقة، رغم توفر أسباب كثيرة في مراحل مختلفة لإدارة التحول والانسجام مع فكرة الدولة المدنية والديمقراطية والمشاركة في العمل السياسي.

وللتأمل في ذلك، يمكن وضع عدة نقاط لفهم تعامل الحزب مع عدة قضايا مثل المرأة، والديمقراطية، والإرهاب، وقضايا الحريات عموما، والمشاركة السياسية. في أدبياته وتصوراته الواقعية، يبدو الحزب أقرب في التعامل مع هذه القضايا للحزب السياسي الفاعل ومؤثر، لكن عند تطبيقها عليه داخليا، يبدو أقل قدرة والتزاما بها كمعايير تحكم فكرة الحزب.

جزء من ذلك يتعلق بطريقة بناء الحزب التنظيمي وعلائقه الفكرية والثقافية المشدودة للماضي، وهناك ما يتعلق بمخاوفه من اتخاذ خطوات صادمه للمجتمع وإلى المنتمين إليه كحزب إسلامي ملتزم بالديني والمجتمعي، وبالتالي فهو يخشى، في أحيان كثيرة، من صدام مجتمعه الداخلي والمجتمع المحلي.

تجربة الثورة

لا شك أن قيام الثورة الشبابية الشعبية السلمية ومشاركة حزب الإصلاح الفاعلة فيها وإعلانه التمسك بمبادئها كان له تأثير كبير عليه من عدة نواح، كما أثرت ثورات الربيع العربي على كل الحركات الإسلامية في عالمنا العربي، إذ منحت هذه الحركات فرصة للتحول من جماعات تقليدية وتنظيمية إلى أحزاب. لكن ذلك الأمل سقط مع أول محاولة للثورات المضادة للإطاحة بتلك الثورات، وفي مقدمتها الحركات الإسلامية التي كانت المستفيدة الأولى من فكرة الثورات التي قادت إلى إسقاط الأنظمة، وبلا شك فإن تعامل تلك الحركات التي وجدت نفسها في السلطة مثل مصر واليمن وغيرها بأدوات الجماعة -لا منطق الدولة- والتآمر الكبير عليها كان سببا في إخفاق الثورات، وانكفاء الحركات الإسلامية على ماضيها، وتفككها كما حدث مع حركة الإخوان في مصر.

كانت المؤامرة أكبر بكثير من قدراتها على البقاء في ظل استغلال وصمها بالإرهاب والتطرف من قبل خصومها لجلب غطاء أميركي ودولي لقمع هذه الثورات والحركات، في ظل عدم انسجام بين الأحزاب القومية واليسارية من جهة، والأحزاب الإسلامية من جهة أخرى.

رغم كل التحالفات التي شهدتها الساحة اليمنية خلال فترة ما بعد الثورات وخاصة ثورة فبراير اليمنية، فإن كثيرا من قيادات الحزب سعت إلى أن يكون هناك تطور في سير الأحداث سواء من حيث التغيير في هيكلة الحزب وأدبياته، خاصة فيما يتعلق بفكرة الدولة المدنية والديمقراطية والمرأة والحريات. لكن ذلك لم يكن محل اتفاق عام، رغم الحضور الإعلامي القوي لمثل هذه الأفكار في وسائل إعلام الحزب على كل الأصعدة.

بين الجماعة والحزب

إن استحقاق تحول الحركات الإسلامية حاليا من جماعات إلى أحزاب صار في حكم المجهول، رغم أن المحطات الصعبة والقاسية التي واجهتها عقب الثورات كان يمكن أن تؤدي إلى تحول حقيقي بعد مخاض صعب وعسير.
ولا شك أن الدعوات المستمرة داخل الحزب تحديدا لإجراء عملية تحول حقيقية في هيكلته والتغيير الشامل لن تؤتي أكلها حاليا، بسبب انخراطه في الحرب والعمليات العسكرية، لكن عمليات التغيير الشامل في هذه البلدان -التي غيرت الأنظمة- ستغير بالتأكيد هذه الأحزاب وبناءها الهرمي، وهو ما قد يشمل تحولات حقيقية، وإن كان هذا يمكن أن يحدث على المدى البعيد، لا المتوسط ولا القريب.

هناك من يعتقد مثلا أن هذا التحول أصبح صعب المنال، وهو ما قد يكون صحيحا حاليا، بسبب ما فعلته سنوات الحرب التي يبدو أنها أجلت أي تحول مدني ديمقراطي سياسي في اليمن عموما.

لكن هذه التفاعلات ولو بعد سنوات كثيرة ستخلق التغيير المنشود على مستوى الدولة والأحزاب التقليدية وهذا ليس تفاؤلا محضا، وإنما فكرة تقوم على مراقبة مراحل آليات التغيير في العالم كله، سواء في البلدان التي شهدت حروبا أو ثورات أو انتفاضات أو حركات تغيير. والسؤال هنا: هل ما زال حزب الإصلاح جماعة سرية؟ الجواب: لا.

إذن هل هو حزب سياسي حقيقي حاليا يقوم على فكرة السياسة، لا الجماعة؟ الجواب: لا أيضا. وهذا ليس حال الإصلاح وحده؛ فالحقيقة الماثلة أن جميع أحزابنا السياسية في الوطن العربي -وليست الحركات الإسلامية فقط- ما زالت تغوص في أيديولوجياتها، واليمن ليس مثالا وحيدا والحركة الإسلامية ليست الوحيدة، ولكنه مطلب تاريخي للتحول في الوطن العربي لا يخص كيانا بعينه، لكنه ربما يبدو أكثر إلحاحا بالنسبة للحركات الإسلامية، بسبب شعبيتها وحضورها الجماهيري والتنظيمي الأكبر.

كان يمكن لثورات الربيع لو سمح لها بالعبور أن تقدم هذا النموذج لتحويل الأحزاب إلى مؤسسات سياسية دينية، لا ببقائها ككيانات وجماعات دينية، لكن ربما انتقال هذه الثورات إلى مواقع أخرى سيكون له أكبر الأثر في إجراء تحول في طبيعة التفكير وطبيعة القرار وطبيعة السياسية، وهو ما سيغير بلدان بأكملها ليصبح الحزب معنى ذا دلالة سياسية، لا ذا دلالة دينية، وليصل صناع القرار إلى مواقعهم عبر تبادل سلمي للسلطة، لا عبر خيارات الأكثر تدينا أو الأكثر ولاء أو قبيلة أو عشيرة. وتلك علة مجتمعاتنا العربية أو دول العالم الثالث كما يسمونها.

تجربة مصر يمكنها أن تكون فرصة للحزب والأحزاب الإسلامية العربية الأخرى لمواجهة التهديدات والتحديات السياسية بعيدا عن كل الاستقطابات والفرضيات الداخلية والخارجية.

وتبقى الديمقراطية بجوهرها الحقيقي فردوسا مفقودا؛ بسبب عوامل الاستبداد وإرهاب الآخر والمنظور الديني. وهذه موروثات لتتخلص منها فإنها تحتاج إلى قرون من الكفاح والنضال، لتعزيزها كواقع اجتماعي عبر التدريس والتعليم والجامعة والأطر السياسية والإعلامية المعروفة ووسائل التواصل الاجتماعي. هذا ليس إعفاء للحزب أو الحركات الإسلامية عموما من مسؤولية عدم الانتقال من مواقعها كجماعات إلى أحزاب والمشاركة السياسية، ولكنه محاولة لفهم السياقات والمراحل التي مرت بها هذه الحركات الدينية لتصبح حركات سياسية، ولتحاول الخروج من مثقلاتها وكوابحها التي تطل كرموز أو كأشخاص مؤثرين ومهيمنين على خطابها كما يحدث في حزب الإصلاح، الذي وجد نفسه بين خيارين: إما تبني الخطوط العريضة التي يسعى لها كحزب سياسي بعد الثورة أو كوابح بعض قياداته وخاصة في البرلمان أو بعض منتسبيه من خطباء المساجد، كمثال على المتدينين الذين يتعارضون كليا مع التزامه أمام مجتمعه المحلي والخارجي بأدوات ومفاهيم الحزب السياسي.

هناك من يقول إن حزب الإصلاح في اليمن مثلا كان أقل الحركات الإسلامية التي تعرضت للقمع والانتهاك كما حدث في مصر وتونس وغيرها؛ وبالتالي فإنه كان بإمكانه كمشارك في العمل السياسي في أثناء حكم نظام علي عبد الله صالح أن ينتقل إلى المرحلة السياسية أبكر من غيره من هذه الأحزاب، لأنه لم يمر بالضغوطات الهائلة والانتهاكات نفسها التي مرت بها حركات إسلامية أخرى.

ويبرر ذلك بالقول بأن طبيعة الحركات الإسلامية -وإن توفر لها هذا المتاح مثل حزب الإصلاح- ليس لديها الاستعداد لامتلاك أدوات الانتقال إلى أحزاب سياسية فبقيت في موقعها، لتأتي الأحداث وتبرهن على أهمية التحول وبجدية وحيوية وفق إستراتيجية سياسية وهيكلية تنظيمية تفرض الاتساق والتجانس مع التزاماتها بالتغيير واعتناق مبادئ الديموقراطية الحقيقية، لتكون جزءا من التحولات التي تمر بها المجتمعات لا عبئا عليها، ويتهمون هذه الحركات بأنها لم تلتقط كثيرا من الفرص التي كانت أمامها.

ويحذر كثيرون حزب الإصلاح -في ظل تنامي الدعوات الداخلية إلى ضرورة التغيير- من أن يجد نفسه غير قادر على مواجهة مثل هذه المعارضات الداخلية لتكون شبيهة بما حدث في مصر عقب 2011 أو عقب انقلاب 2013؛ حيث فقدت الجماعة هناك قوتها وكياناتها الاجتماعية، فسجن وتشرد عشرات الآلاف منها، وبدأت بوادر الشك بين أعضائها بسبب تباين القرارات والخيارات بين قياداتها حول إجراء تغييرات وتعديلات واسعة.

تجربة مصر يمكنها أن تكون فرصة للحزب والأحزاب الإسلامية العربية الأخرى، لمواجهة التهديدات والتحديات السياسية بعيدا عن كل الاستقطابات والفرضيات الداخلية والخارجية.

في الأخير، فإننا هنا لا ندرس الأعراض والظواهر؛ لأن ذلك يحتاج إلى بحث واستقراء تاريخي، ولكنها فكرة تضعنا أمام أبرز النقاط التي قد تدل إلى أهم إشكاليات الظاهرة الإسلامية السياسية التي واجهت تحديات كثيرة للتحول من الخطاب الديني إلى الخطاب السياسي، ومن فكر الجماعة إلى فكرة الحزب، بعد أن فوتت فرصا أتيحت لها ولم تكن مستعدة للتأقلم مع كل حالة جديدة واجهتها خلال عقود مضت. فكانت حركة التغيير والأحداث أسرع من قدرتها على التكيف والتحول، بسبب الجمود الفكري أحيانا وانعدام الأدوات السياسية في أحيان أخرى.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.