هل استشكل العلماء السابقون ضرب الزوجة الناشز؟ (2)

"عدالة اليونسكو".. انتصار التراث الفلسطيني على لصوص التاريخ
شن رشيد رضا هجومًا على من يستنكر ضرب النساء (الجزيرة)

حاججت في المقال السابق لإثبات أن التقليد الفقهي المذهبي في مسألة ضرب الزوجة الناشز عبارةٌ عن منظومة متماسكة ومحكومة بقيم أخلاقية كانت تتناغم مع منظومة المجتمعات ما قبل الحديثة، أي أن تفسير الموقف الفقهي من الضرب على أنه مجرد تفكير ذكوري يعكس قصورًا واختزالاً.

وفي هذا المقال، أحاجج لإثبات أن ضرب الزوجة كان سلوكًا إشكاليًّا منذ البداية، سواءٌ من قبل النبي -صلى الله عليه وسلم- أم في زمن التنزيل؛ أي أن استشكال الضرب -من حيث الأصل- ليس مجرد فكرة حديثة، ولكن يمكن أن نميز بين أوجه متعددة من الاستشكال تعكس اختلاف المنظورات الاجتماعية والأخلاقية من جهة، وطرائق التعامل مع النصوص وأدوات تأويلها من جهة أخرى، وهنا يمكن أن نميز بين نمطين من الاستشكال:

  • الأول استشكال معرفي، وهو من صميم المعرفة، وبناء عليه، لا مانع من إعادة التفكير في المسائل المبحوثة باستمرار ومعالجة ما يطرأ عليها من إشكالات، بحثًا عن مزيد من الاتساق وملء الفراغات التي قد تُحدثها التحولات الاجتماعية والقيمية.
  • الثاني استشكال أيديولوجي، لا يشكل فيه النص سوى عقبة أو تابع يتم التحايل والالتفاف عليه؛ لمجرد أنه لا يتسق مع منظومة أو مرجعية تشكلت بمعزل عنه أو تحت إكراهات الواقع.

رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تضربوا إماء الله". قال (راوي الحديث): فذَئِر (أي نشزت) النساء وساءت أخلاقهن على أزواجهن، فقال عمر: يا رسول الله، ذَئِر النساء وساءت أخلاقهن على أزواجهن منذ نهيتَ عن ضربهن. قال: فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: فاضربوهن. فضرب الناس نساءهم تلك الليلة.

ثمة أحاديث وآثار عدة تتصل بموضوع ضرب النساء، وذلك على خلاف المماحكات التأويلية التي تحاول أن تُخرج اللفظ القرآني عن معناه الحقيقي والمتبادَر أو الظاهر، ولا يمكن إحصاء تلك الأخبار هنا؛ إذ الوقوف على جذر "ضرب" في فهارس مدونات الحديث كفيلٌ بذلك، ولكنني أود التوقف عند حديثين دالين هنا وهما:

الحديث الأول: أن امرأة جاءت تشكو زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لطمها، فدعا الرسول -صلى الله عليه وسلم- الرجلَ ليأخذ حق المرأة، فأنزل الله -عز وجل- الآية 34 من سورة النساء التي فيها الضرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أردنا أمرًا وأحدث الله عز وجل أمرًا". أورد هذا الحديث الواحدي النيسابوري في أسباب النزول، وعنه نقله عامة المفسرون في كتبهم، ورواه الخرائطي والطبري. وفي رواية مقاتل بن سليمان أن الآية نزلت فِي سعد بن الرَّبِيع بن عمرو وفي امرأته حبيبة بنت زيد -وهما من الأَنْصَار- وذلك أَنه لطم امرأته، فأتت أهلها، فانطلق أبوها معها إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: أنكحته وأفرشته كريمتي فلطمها! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لتقتصّ من زوجها"، فأتت مع زوجها لتقتص منه، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ارجعوا، هذا جبريل عليه السلام قد أتاني، وقد أنزل اللَّه -عز وجل- (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ)"، فقال النبي: صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أردنا أمرا وأراد الله أمرا، والذي أراد اللَّه خير".

الحديث الثاني: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تضربوا إماء الله". قال (راوي الحديث): فذَئِر النساء (أي نشزت) وساءت أخلاقهن على أزواجهن، فقال عمر: "يا رسول الله، ذَئِر النساء وساءت أخلاقهن على أزواجهن منذ نهيتَ عن ضربهن". قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فاضربوهن. فضرب الناس نساءهم تلك الليلة. فأتى نساءٌ كثير يشتكين الضرب. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أصبح: "لقد طاف بآل محمد الليلة سبعون امرأة، كلهن يشتكين الضرب. وأيم الله لا تجدون أولئك خياركم". وفي بعض الروايات، أن عمر بن الخطاب قال: "كنا -معاشرَ قريش- تملك رجالنا نساءهم، فقدمنا المدينة فوجدنا نساءهم تملك رجالهم، فاختلطت نساؤنا بنسائهم فذئرن على أزواجهن"، أي نشزن واجترأن. والحديث رواه عبد الرزاق الصنعاني، وابن أبي عاصم، وابن ماجه، والطبراني، وابن حبان، والبيهقي، وغيرهم.

يندرج الحديث الأول ضمن "أسباب النزول" الخاصة بالآية 34 من سورة النساء التي يَرِد فيها الأمر بالضرب، في حين يندرج الحديث الثاني ضمن "أسباب ورود الحديث" الخاص بالنهي عن ضرب النساء. ومن اللافت أن موقف النبي -صلى الله عليه وسلم- المبدئي في الحالين كان عدم تأييد الضرب، وهو الأصل الذي وقع الاستثناء منه في النص الأول هنا، ولكن حين أُسيء استخدام هذا "الإذن" وكثرت الشكاية من النساء أكد النبي -صلى الله عليه وسلم- موقفه المبدئي (أو الأصل) الذي يُحتَكم إليه، وهو عدم الضرب وأنه منافٍ للخيريّة.

ولكن اللافت في هذين الحديثين أننا أمام سلوك إشكالي -وهو ضرب النساء- من جهتين:

الجهة الأولى: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اعتبر الضرب سلوكًا إشكاليًّا من حيث الأصل (أي في غير حالة الاستثناء)؛ ففي الحديث الأول كان قد همّ بمحاسبة الزوج الضارب قبل نزول الآية عليه؛ حيث نص على أنه أراد شيئًا وأحدث الله أمرًا آخر، وفي الحديث الثاني أرسى النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يشبه القاعدة الأخلاقية، وهي أن الضرب ليس فعلاً خيِّرًا، ومن ثم فمن يضرب ليس معدودًا في خيار الناس.

الجهة الثانية: أن ضرب النساء كان سلوكًا إشكاليًّا في أعراف الناس في زمن النص أو التنزيل، وإلا فكيف نفسر شكوى 70 امرأة طفن ببيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يشتكين من ضرب أزواجهن؟ وكيف نفسر اختلاف نساء المدينة اللائي كنّ لا يُضرَبن عن نساء مكة اللائي كان الضرب أمرًا مألوفًا بينهن، فيما يبدو؟ ولا نعرف ذلك فقط من مراجعة عمر للنبي -صلى الله عليه وسلم- كما في الحديث الأول هنا، ولكننا نعرفه كذلك من جملة من الأخبار التاريخية التي نقف عليها في مصادر متعددة من كتب الحديث والتاريخ والأدب، بل في بعض كتب التفسير والفقه، كما سنشير لاحقًا من فعل بعض الصحابة والتابعين.

الاستشكال ما قبل الحديث: النص والتأويل

وأمام هذا السلوك الإشكالي وتعدد النصوص المتعلقة به، اختلف المفسرون وشراح الحديث في تأويل هذه النصوص من جهة الجمع بين نص القرآن ونصوص الحديث القولية والعملية، ومن جهة فهم السياق التاريخي والاجتماعي في زمن التنزيل، وأقترح هنا التمييز بين مستويين للنقاش حول ضرب النساء:

المستوى الأول: تأويل النص القرآني الذي يأمر بمطلق الضرب (واضربوهنّ)

فعلى المستوى الأول، نحن أمام محاولة فهم الأمر القرآني بالضرب وتحديد مدلوله بدقة، حيث نجد تأويلات عدة لا يُخرج واحدٌ منها لفظ الضرب عن معناه الحقيقي، وإنما تدور جميعها حول تقييد النص القرآني والتخفيف من دلالة الأمر، وهنا يمكن أن نحصي 3 معانٍ تؤكد استشكال ظاهر النص القرآني، وهي:

القول الأول: تقييد ضرب الزوجة الناشز بغير المبرّح، أي أن النص القرآني ليس على ظاهره في مطلق الضرب، وقد روى الإمام الطبري (ت 310هـ) بأسانيده عن ابن عباس وجماعة من التابعين -مثل سعيد بن جُبير، وعامر الشَّعبي، وقَتادة بن دِعامة السَّدُوسي، وعطاء بن أبي رَباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وإسماعيل السُّدّي، ومحمد بن كعب، والحسن البصري- أن الضرب هنا هو الضرب غير المبرّح. فكأنهم حملوا النص القرآني على حديث حَجة الوداع الذي ورد فيه قوله صلى الله عليه وسلم: "… فاضربوهن ضربًا غير مبرح"، بل قد حكى أبو الحسن الواحدي النيسابوري (ت 468هـ) الإجماع على هذا المعنى. وغير المبرح أي الذي لا يظهر أثره ولا يُسبب أذى بدنيًّا، وقال قتادة: هو غير الشائن، وقال الحسن البصري: هو غير المؤثر.

القول الثاني: التخفيف من معنى الضرب إلى أبعد حدّ، كالقول إن المراد به الضرب بالسواك أو نحوه، كما ذهب إلى ذلك ابن عباس، فحين سأله عطاء عن معنى الآية، فسره بالسواك ونحوه.

القول الثالث: أن بعض الأئمة ذهب إلى ترك الضرب كليةً أو القول بأنه خلاف الأَولى. فهذا عطاء بن أبي رباح -الذي عليه مدار فقه مكة- يقول: "لا يضربها إن أمرها ونهاها فلم تطعه، ولكن يغضب عليها". قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي (ت 543هـ): "هذا من فقه عطاء". وهذا الإمام الشافعي قد ذهب إلى أن الأَولى ترك الضرب؛ لما رُوي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تضربوا إماء الله"؛ أي أن عطاء والشافعي ذهبا إلى الحديث الذي أشرتُ إليه سابقًا والوارد في سياق الاختلاف بين نساء مكة ونساء المدينة وقيّدا به ظاهر النص القرآني، وقد مشى على هذا الرأي أيضًا بعض متأخري المفسرين كنظام الدين النيسابوري (ت 850هـ).

المستوى الثاني: تأويل الأحاديث الواردة في الموضوع نفسه

وعلى المستوى الثاني، أي تأويل الأحاديث المتعددة والمختلفة في موضوع الضرب؛ نجد أن بعض الأحاديث يأذن بالضرب وبعضها ينهى عنه صراحة، ثم إذا كان النص القرآني صريحًا في الزوجة الناشز، فإن الأحاديث لا تتحدث عن النشوز. وفي هذا السياق، قدم لنا الإمام ابن الفرس المالكي الأندلسي خلاصة مفيدة حول الموقف من ضرب النساء؛ إذ قال: "وقد اختُلف في ضرب النساء الضرب غير المبرح"، ثم ساق رأيين رئيسين سأزيدهما بيانًا ولن أتقيد بنصه فأقول:

الرأي الأول: عارض فيما يبدو بين نوعين من الأحاديث: القولية التي تبيح الضرب من جهة، والسنة العملية التي توضح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اكتفى بالهجر فقط ولم يضرب قطّ، وعموم الأحاديث القولية التي يأمر فيها بالصفح عن النساء وحسن معاملتهن من جهة أخرى. وقد رجح أصحاب هذا الرأي أن أفضل ما يتخلق به الرجال هو الصفح عن النساء على ما صح في الخبر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من صبره على هجر نسائه له، ولم يُذكر أنه عاقبهن على ذلك. قال ابن الفرس: "وأنكروا الأحاديث التي جاءت بإباحة ضربهن"، وذكر أحاديث لا تصح، ثم قال: "لا يجوز الاحتجاج بها لوهاء أسانيدها". ولكن الطاهر بن عاشور ربما لم يرتض ذلك فقال: "أو تأولوها"، أي أنه أحال إلى احتمال آخر غير إنكار صحة تلك الأحاديث وهو تأويلها.

الرأي الثاني: لقوم رأوا صحة الأخبار المبيحة للضرب، ولكن أصحاب هذا الرأي اختلفوا في تأويل الأحاديث، ويمكن أن نرصد هنا 3 تأويلات:

التأويل الأول: أن الضرب المباح واردٌ على سبب مشروع، وهو ما إذا رأى الرجل من امرأته ما يكره "فيما تجب عليها طاعته فيه"، وقد استدل أصحاب هذا الرأي بممارسة جماعة من الصحابة والتابعين، وأنهم كانوا يفعلون ذلك، وقد ساق ابن الفرس بعض الوقائع في هذا المعنى.

التأويل الثاني: أنه وارد على معنى التأديب، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر الرجال بتأديب أهلهم ووعظهم إياهن، وألا يخلو الرجل من تَفَقد أهله بما يكون لهن مانعًا من الفساد.

التأويل الثالث: أنه إنما حض النبي -صلى الله عليه وسلم- الرجل على ترهيب أهله في ذات الله تعالى بالضرب، لئلا يرتكبن موبقة باقيًا عليه عارها؛ إذ كان -صلى الله عليه وسلم- قد جعل الرجل قيِّمًا على أهله. وقد فهموا من قوله عليه الصلاة والسلام: "أما أبو جَهم فلا يضع عصاه عن عاتقه"، أنه أعلم فاطمة بنت قيس غلظة أبي جهم على أهله وشدته، فلو كان التأديب مقتصرًا على الوعظ والتذكير دون الترهيب بالضرب عند ارتكابها للمنكر، لم يكن لترهيبه بما وصفه معنى؛ إذ مجرد الوعظ والتذكير لا يوجبان لصاحبهما ذمًا. وأقول: قد يَرد على هذا أن الحديث نعم وارد في سياق الذم، ولكن الذم متوجه إلى شدة أبي جهم تلك مما يعود على الموقف من الضرب بالسلب وهو أكثر انسجامًا مع بقية الأحاديث! ولكن ابن الفرس مال إلى ظاهر آية (واضربوهن) ورأى فيه أعظم حجة لمن رأى ضربهن؛ وقال: "ولا أقل من أن يكون ذلك مباحًا، بل لو قيل: إنه أمر ندب لكان ذلك حسنًا؛ لأن في ذلك إصلاحًا لهن، ولو خُلِّين وهواهن لهلكن… وإنما يكره في ضربهن التعدي والإسراف".

الاستشكالات الحديثة: الغرب والقانون والأخلاق

أما الاستشكال الحديث لموضوع الضرب فيمكن أن نميز فيه بين 4 أنظار:

النظر الأول: أن استشكال الضرب "شبهة غربية". فمن اللافت أن محمد عبده ورشيد رضا قبلا فكرة ضرب الزوجة الناشز، ولم يريا فيها ما يثير الإشكال (وفق المنظور الغربي). قال محمد عبده: "إن مشروعية ضرب النساء ليست بالأمر المستنكر في العقل أو الفطرة فيحتاج إلى التأويل، فهو أمر يُحتاج إليه في حال فساد البيئة وغلبة الأخلاق الفاسدة، وإنما يباح إذا رأى الرجل أن رجوع المرأة عن نشوزها يتوقف عليه. وإذا صلحت البيئة، وصار النساء يعقلن النصيحة، ويستجبن للوعظ، أو يزدجرن بالهجر، فيجب الاستغناء عن الضرب، فلكل حال حكم يناسبها في الشرع، ونحن مأمورون على كل حال بالرفق بالنساء، واجتناب ظلمهن، وإمساكهن بالمعروف، أو تسريحهن بإحسان، والأحاديث في الوصية بالنساء كثيرة جدا".

أما رشيد رضا فقد كان أوضح، فقد شن هجومًا على من يستنكر الضرب، وقال: "يستكبر بعض مقلدة الإفرنج -في آدابهم- منا، مشروعية ضرب المرأة الناشز، ولا يستكبرون أن تنشز وتترفع عليه فتجعله -وهو رئيس البيت- مرؤوسا بل محتقرا، وتصر على نشوزها حتى لا تلين لوعظه ونصحه ولا تبالي بإعراضه وهجره! ولا أدري بم يعالجون هؤلاء النواشز، وبم يشيرون على أزواجهن أن يعاملوهن به؟! لعلهم يتخيلون امرأة ضعيفة نحيفة، مهذبة أديبة، يبغي عليها رجل فظ غليظ، فيطعم سوطه من لحمها الغريض، ويسقيه من دمها العبيط، ويزعم أن الله تعالى أباح له مثل هذا الضرب من الضرب وإن تجرم وتجنّى عليها بلا ذنب، كما يقع كثيرا من غلاظ الأكباد متحجري الطباع! وحاش لله أن يأذن بمثل هذا الظلم أو يرضى به … فأي فساد يقع في الأرض إذا أبيح للرجل التقي الفاضل أن يخفض من صلف إحداهن، ويدهورها من نشز غرورها بسواك يضرب به يدها، أو كف يهوي بها على رقبتها؟ وإن كثيرا من أئمتهم الإفرنج يضربون نساءهم العالمات المهذبات والكاسيات العاريات، المائلات المميلات. فعل هذا حكماؤهم وعلماؤهم، وملوكهم وأمراؤهم، فهو ضرورة لا يستغني عنها الغالون في تكريم أولئك النساء المتعلمات، فكيف تستنكر إباحته للضرورة في دين عام للبدو والحضر من جميع أصناف البشر؟!"

النظر الثاني: الاستشكال القانوني ويمثله الطاهر بن عاشور. فرغم أنه خلص إلى "أن الإذن بالضرب لمراعاة أحوال دقيقة بين الزوجين، فأذن للزوج بضرب امرأته ضربَ إصلاح لقصد إقامة المعاشرة بينهما، فإن تجاوز ما تقتضيه حالة نشوزها كان معتديا"، وأن "الأزواج مؤتمنون على توخي مواقع" الخصال الثلاث: الوعظ والهجر والضرب؛ بحسب قوة النشوز وقدره في الفساد. إلا أنه استشكل الضرب من جهتين فيما يبدو: الأولى: أنه "خطير وتحديده عسير" ومن ثم يجب "تعيين حد" له في الفقه؛ "لأنه لو أُطلق للأزواج أن يتولوه -وهم حينئذ يشفون غضبهم- لكان ذلك مَظِنَّة تجاوز الحد؛ إذ قل من يعاقب على قدر الذنب"، وقد أوضحت -في مقالي السابق- أن تلك الحدود واضحة ومعينة في الفقه. الثانية: أنه نتيجة استشكاله القانوني ومحاولة ضبطه بوسائل قانونية، أورد احتمالين: الاحتمال الأول: أنه "يُحتمل" أن يكون المخاطَب في (واضربوهن) هو القاضي، وفي هذه الحالة فإن الذي يوقع التأديب هو القاضي. والاحتمال الثاني أنه على القول بأن التأديب للزوج "يجوز لولاة الأمور -إذا علموا أن الأزواج لا يحسنون وضع العقوبات الشرعية مواضعها ولا الوقوف عند حدودها- أن يضربوا على أيديهم… ويعلنوا لهم أن من ضرب امرأته عوقب، كيلا يتفاقم أمر الإضرار بين الأزواج، لا سيما عند ضعف الوازع".

النظر الثالث: الاستشكال النسويّ الذي يرجع -في جملته- إلى مسألة مركزية هنا، وهي قوامة الرجل على المرأة، ومحورية فكرة المساواة بمعنى المماثلة، ولكن هذا التوجه يصطدم بالنص القرآني الذي يضفي -في ظاهره- مشروعية على الضرب؛ لأنه فرع عن اختصاص الزوج بتأديب الزوجة إن هي نشزت، وهذا التأديب فرع عن القوامة، وهي معضلة كبرى من منظور نسوي يسعى إلى إلغاء أوجه التمييز بين الجنسين، ولكن هذا المنظور يخفق -نتيجة تحيزاته الجندرية المسبقة- في الإمساك بالمنطق الداخلي للتراث، ويكتفي بتأويلات وتعميمات تناسبه أو يتجاهل الاحتمالية القائمة في النص التي يوجبها الفعل التأويلي، ليسخّر النص لمعنى وحيد هو ذلك الذي ينسجم مع المنظور النسويّ، ومن ثم يصبح أي فهم تراثي عبارة عن تحيز ذكوري. ومقالي السابق كافٍ لبيان مشكلة هذا التصور في ما يتعلق بمسألة الضرب على الأقل، حيث حاول الفقهاء ضبطه أخلاقيا وقانونيا بقيم مركزية هي الأدب والوفاء بالحقوق وعدم الإضرار أو التعدي، وأن المسألة برمتها محصورة في فئة محدودة جدًّا من النساء التي يتحقق فيها وصف النشوز بمعنى التعدي أو الإخلال بالحقوق والواجبات.

النظر الرابع: وهو الاستشكال الأخلاقي، بالرغم من أن ثمة محاولة لإدراج النسوية ضمن النظريات الأخلاقية الغربية الكبرى (كأخلاق الواجب وأخلاق المنفعة وأخلاق الرعاية). ويتمحور حول فكرة مركزية وهي أن الضرب ممارسة عنفية تتناقض مع مفهوم الكرامة الإنسانية بالمفهوم الحديث (عموم الإيذاء أو الامتهان وحرمة الجسد) وهو ما يتصل بفكرة حقوق الإنسان عامة، وهذا ما يقودنا إلى مدى أبعد من مجرد استشكال ضرب المرأة؛ لأنه سيشمل مطلق الضرب للمرأة والرجل والصبي معًا.

استشكال ضرب المرأة -إذن- قديمٌ من حيث الجملة، ولكن اختلفت وجوهه:

  • فالاستشكال الأيديولوجي تَبعٌ لتوجه محدد مسبقًا (التحيز الفكراني)، وهذا الاستشكال أقرب إلى منطق الاعتراض على النص أو الاستنكار، ولأن النص -في هذا النمط- عبارة عن مشكلة، يتم اللجوء إلى تأويلات تزيح عقبة النص وتُخرجه عن دلالته الحقيقية ليتواءم مع مسلّمات سابقة على النص، وهذا النمط من التأويل هو الوجه المقابل للاعتراض على النص؛ لأنه لا ينصت إلى المنطق الداخلي للنص ومنظومة العلوم المتأسسة عليه.
  • أما الاستشكال المعرفي فهو الذي يجري على أصولٍ، ويقع بين أهل العلم والمعرفة، ومن هنا ميز العلماء السابقون بين الاستشكال والمناظرة، كما نشأت فروع معرفية تبحث في مشكل القرآن ومشكل الحديث. والمتمرس بكتب الفقهاء والأصوليين يعرف تصاريف الاستشكال المعرفي؛ لأنه من صميم النظر، بل إذا اتسعت المعرفة عظُم الاستشكال؛ لأنه إنما ينشأ من العقل النقدي والرؤى التركيبية. أما الوضوح والحسم فكثيرًا ما ينشأ من قلة الاطلاع وضعف ملكة الفهم والتأويل، وقد قال الإمام القرافي: "معرفة الإشكال علم في نفسه وفتح من الله تعالى"، وسأحاول حل إشكال الضرب من منظور أخلاقي في مقال لاحق، بمشيئة الله.