دولة المواطنة أفقا للاندماج واستيعاب التعددية.. جدل الرفض والتبيئة (3)

تعرف الفكر العربي الحديث على مفهوم المواطنة مع الرعيل الأول للنهضة منذ رفاعة الطهطاوي (شترستوك)

أضحت المواطنة في الفلسفة السياسية والفكر الدستوري الحديث، جوهر الانتماء والتعريف السياسي بالنسبة للفرد في علاقته بالدولة، فأضحت اللفظة دارجة في الاستعمال بين النخبة والمجتمع في التداول الخطابي السياسي، وفي السياقات الديمقراطية حيث تحترم المواطنة، أو غير الديمقراطية التي تنتهك فيها المواطنة ولا تتحقق واقعا، مما جعلها مطلبا ملحا على مستوى الفكر والواقع منذ الحركات الإصلاحية، رغم ما عرفته من تعرجات بين الرفض والتوطين بسبب خلفياتها الفلسفية أو لقصور الوعي بها، لكن المهم واقعيا أنها أصبحت جوهر الفعل المجتمعي لصياغة تعاقد سياسي واجتماعي جديد، من أجل تجاوز معضلة الاستبداد الذي يعمل على تغذية الانقسام المجتمعي وإعاقة التحديث والتقدم.

ما طبيعة الجدل الذي مر به مفهوم المواطنة في الفكر والواقع منذ الفكر الإصلاحي النهضوي إلى حدود الربيع العربي؟ وإلى أي حد تشكل دولة المواطنة أفقا لاستيعاب التعددية وتحقيق الاندماج؟

كانت الأفكار النهضوية في زمنها، تعكس وعيا متقدما في الوعي بطبيعة المشكلات التي تعترض التقدم، فقدم رموزها مداخل متنوعة للعلاج والحل، تهمنا منها في مقالتنا هذه، ما يخص إشكاليتي السلطة والدين، ونشير إليهما بشكل مجمل.

مفهوم المواطنة في الفكر النهضوي وجدل الدين والسياسة

تعرف الفكر العربي الحديث على مفهوم المواطنة مع الرعيل الأول للنهضة منذ رفاعة الطهطاوي مع مفهوم الوطن من خلال ترجمته للدستور الفرنسي، غير أنه كان مشوبا هذه الفترة بعدم استيعاب أبعاده القانونية والسياسية، كما كان الطهطاوي مترددا بشأن دلالاته وخلفياته الفكرية في سياق النشأة، والتي تستبطن نوعا من المفاصلة مع الدين، وبالنظر كذلك للسياق الاجتماعي والثقافي الذي كان يكتب له الطهطاوي، لذلك تأخر التعرف على مفهوم المواطنة بشكل مكتمل وضمن رؤية جديدة لطبيعة السلطة، إلى فرح أنطون، مع مقالته عن فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية، التي أثارت جدلا فكريا كبيرا بينه وبين محمد عبده، الذي دخل في حوار مع أنطون في مجلته "الجامعة".

لعل الناظر إلى الحقبة التي سبقت كتابة فرح أنطون لمقالته، سيجد أنها كانت مصطبغة بنزاع حاد منتصف القرن الـ19، كما أن تجربة التحديث التي قامت بها الدولة العثمانية مع ما اصطلح عليه بـ"عهد التنظيمات" لم يستمر، بفعل عوامل متعددة، نذكرها كالآتي:

  • المد الاستعماري، حيث تغيرت موازين القوى وأضحت المجتمعات الشرقية متأرجحة بين معالجة مشكلاتها المركبة، ومواجهة التحديات والأخطار الخارجية.
  • القلاقل الاجتماعية والسياسية في معظم الأقطار التي كانت تنتسب للدولة العثمانية، والتي كان يتداخل فيها الذاتي والموضوعي، الذاتي من حيث التخلف والاستبداد، المتمثل في عدم تحديث نسق الحكم والسلطة الذي كان هاجس مفكري النهضة بمختلف مشاربهم. أما الموضوعي فتجسده الديناميات الجديدة على مستوى الفكر والواقع، النظم وطرائق التفكير الحديثة التي وجد العقل النهضوي نفسه في مواجهة معها، ودينامية المجتمعات وعدم قدرة النظم التقليدية على استيعاب قضاياها ومجالاتها، ومن ثم مجاراتها والتفكير في مستقبلها.
  • التطور الذي عرفه الفكر النهضوي العربي على مستوى الفكر الدستوري والسياسي الحديث، إذ إنه بالإضافة إلى ما أشرنا له سابقا، فقد شغل الفكر السياسي والدستوري حيزا مهما في الفكر العربي نهاية القرن الـ19 ومطلع القرن الـ20، في المشرق والمغرب معا، ويمكن الإشارة إلى الحالة المغربية، مع أول دستور سنة 1908 (ينظر كتاب علال الفاسي: الديمقراطية وكفاح الشعب المغربي من أجلها).

كانت الأفكار النهضوية في زمنها، تعكس وعيا متقدما في الوعي بطبيعة المشكلات التي تعترض التقدم، فقدم رموزها مداخل متنوعة للعلاج والحل، تهمنا منها في مقالتنا هذه ما يخص إشكاليتي السلطة والدين، ونشير إليهما بشكل مجمل.

المنحى الأول يخص إشكالية السلطة

من خلال الفكرة الدستورية، ويمكن الإشارة إلى مقدمة خير الدين التونسي لكتابه "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك"، والتي نادت بلغة تستحضر النزعة الخلدونية، إلى ضرورة التحديث السياسي، ولاحقا مع عبد الرحمن الكواكبي في "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"، الذي ظلت روحه حاضرة إلى زمن الربيع العربي، حيث فكك فيه الأسس التي يقوم عليها الاستبداد، باعتباره جوهر المشكلة، وتقييد صلاحيات الحاكم/السلطة بالقانون أساس الحل، كما هو عليه الأمر مع النظم الدستورية الحديثة.

المنحى الثاني: البعد الديني

أرسى محمد عبده بنزوعه الإصلاحي، أسسا لتجديد الفكر الديني، وتهمنا القضية المحورية التي نعالجها هنا، حيث مثلت حوارية محمد عبده مع فرح أنطون بشأن السلطة السياسية والسلطة الدينية، نظرا جديدا للعلاقة بين الدين والسياسة، حسب منظوره الذي يقوم على التمييز المرن بينهما (ينظر بشأن ذلك، محمد عبده الأعمال الكاملة، وفرح أنطون، ابن رشد وفلسفته)، دون أن نغفل عن الدعوى التجديدية التي قدمها الكواكبي في كتابه "أم القرى".

ونحن إذا نظرنا إلى ما قدمه الكواكبي، بين طبائع الاستبداد وأم القرى، كأننا نجده في ذلك السياق المشوب بكثير من الجدل والتحديات، يقدم مداخل العلاج في منحيي تحديث النسق السياسي من خلال الفكرة الدستورية، وتجديد الفكر والخطاب الديني، ومثل هذه الدعوى كانت في المشرق والمغرب، أي كانت عبارة عن روح عامل تسري في وعي النخبة المتعلمة من مختلف المشارب.

شكل البعد الديني في واقع الأمر، عاملا أساسيا في تشكل السلطة/ الدولة في التاريخ العربي والإسلامي -وكذلك بقية المجتمعات قديما- بل إن العرب حسب ابن خلدون، لا يحصل لهم الملك، إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين

إن استحضار هذا السياق المشوب بجدل متداخل الأبعاد، فكرية وسياسية واجتماعية، الغاية منه إبراز الدوافع التي جعلت فكرة المواطنة مفهوما يحتاج إلى التبيئة كما هي دعوى أنطون في مقالته، لحل مشكلة العلاقة مع السلطة، بحيث تكون العلاقة علاقة سياسية وقانونية، وليست دينية أو عقائدية، وبصيغة أخرى أن تكون الرابطة الوطنية هي أساس العلاقة مع الدولة، وليست الرابطة الدينية، وفي ذلك اعتراف بالتعددية في صبغتها الدينية، ونزع للقداسة عن السياسة والحكم.

لم يختلف محمد عبده مع أنطون من حيث العلاقة السياسية والقانونية مع السلطة، لكنه اختلف معه في الحجج الذي قامت عليها رؤيته، من حيث المطابقة والتعميم بين التاريخ الأوروبي والتاريخ العربي الإسلامي في علاقة الدين بالسلطة، إذ عمل محمد عبده على اعتبار أن مصدر الإكراه في ممارسات السلطة، قائم في نوازع الاستبداد السياسي لدى الحكام وفساد أحوالهم، وليس في الدين الذي يؤسس للحرية الفكرية والتعارف، ويمد العلاقة مع الآخر إلى حدود المصاهرة، مما يعني الاندماج الكامل نفسيا واجتماعيا.

بل إنه يمكن استنتاج أطروحة أو فرضية تناقض المتداول في الخطاب الفكري المعاصر بخصوص الحرية والإكراه بين الدين والسياسة، باعتبار أن الحرية قيمة مركزية ومبدأ أصيل في الدين على المستوى المعياري المجرد، تتلاشى أو تضمحل على مستوى التاريخ، بفعل نوازع الاستبداد، وأهواء السياسة، فالحرية حسب هذا المقول تتسع مع الدين في بعده المعياري وتضيق مع السياسة والسلطة بين ثنايا التاريخ، والتي تعتمد الدين وتوظفه في الغالب فيما يخدم شرعيتها ويقوي أسها وبنيانها أمام الجمهور.

ينبغي أن نشير إلى أن الجدل الذي حصل بين عبده وأنطون، كان يبرز القابلية لتوطين فكرة المواطنة في الفكر العربي إبان النهضة المجهضة، لكن تبيئتها واقعيا اصطدم بمعضلتي النزوع الاستبدادي من جهة، والذي له جذور نفسية وفكرية واجتماعية (ينظر: من ديوان السياسية، تأليف عبد الله العروي. وحنا أرندت: الأصول الاجتماعية للدكتاتورية والديمقراطية)، حيث إن السلطة كانت محصنة بخطاب تقليدي في تدبير شؤون الحكم موروث من الآداب السلطانية، وينظر بريبة إلى الفكر الدستوري والسياسي الحديث، باعتبار أن هذا الأخير سينزع عنه أحد مرتكزات الشرعية.

لقد شكل البعد الديني في واقع الأمر، عاملا أساسيا في تشكل السلطة/ الدولة في التاريخ العربي والإسلامي، وكذلك بقية المجتمعات قديما، بل إن العرب حسب ابن خلدون، لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة (ينظر مقدمة ابن خلدون: الفصل السابع والعشرون)، مما يفسر لنا توظيف السلطة للدين، لضمان استمراريتها والحفاظ على التقليد والعلاقات القائمة.

وقد تجلى ذلك في الاستعانة بخطاب ديني رافض للربيع العربي أو في الانقلاب عليه رفضا لإقرار نظم ديمقراطية تكون فيها العلاقة بين السلطة والشعب والحاكم والمحكوم قائمة على أساس التعاقد وليس التغلب والقهر، وهو نفسه ما حصل في السياق النهضوي، ممانعة للتحديث السياسي، وفي الحالتين معا، إن وجد خطاب ديني رافض للمواطنة وآخر متصالح معها، مما يستدعي تفسيرا مركبا للديني والسياسي، أو الدولة والدين، ومن ثم العلاقة بالتعددية في مناحيها المختلفة.

المواطنة في الفكر العربي والإسلامي المعاصر.. جدل الرفض والتبيئة

عرفت حقبة ما بعد عصر النهضة، حالة انكماش في الفكر العربي والإسلامي، أضحت معه المواطنة مشروعا مؤجلا كما النهضة ذاتها، ويمكن الإشارة إلى ذلك في مناح ثلاث:

المنحى الأول: سيادة ذهنية التحريم بخلفية دينية

وذلك على كل ما هو وافد، بحيث لم يعد التفكير في حالة وهج على ما كان عليه مع الفكر النهضوي، بل انكفأ على ذاته رافضا مفاهيم تشكل جوهر الاجتماع السياسي الحديث، وتستوعب الاختلاف والتعدد الذي يطبع المجتمع، ومن تلك المفاهيم، الحرية والديمقراطية والمواطنة، مما يعني وضع مفاصلة وقطيعة مع الزمن الحاضر، بل إن الدولة المنشودة في نظر المودودي، ينبغي أن تقوم على 3 أسس: الحاكمية فيها لله، فله السلطة والحكم، ثم إنه لا مشرع للناس إلا ما شرعه الله لهم وما سنه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا في نظره يختلف عن الديمقراطية التي يكون فيها الحكم وسن القوانين للشعب التي تخالف جوهر الحكم في الإسلام (ينظر كتابه: نظرية الإسلام وهديه).

هذا النموذج الذي تبنى في سياق معين ما سمي بـ"الدولة الإسلامية"، يجلي البون الشاسع بين الفكر النهضوي مع محمد عبده وأنطون وغيرهم وبين ما غلب من سيادة التحريم والرفض عوض الفهم والاستيعاب والتبيئة، وتجنبا للتعميم يمكن الإشارة إلى نماذج استمر معها الوعي النهضوي داخل الفكر الديني نفسه، لكن لم يتحقق له الانتشار الواسع في ذلك الحين، ونقصد علال الفاسي مثالا لذلك (ينظر كتابه: النقد الذاتي).

ولاحقا مع تطور الفكر السياسي الإسلامي، الذي حاول تجاوز مأزق الانغلاق والتقوقع على الذات، بالتأصيل للحرية والمواطنة والديمقراطية، بإعمال نزعة توفيقية بين الشورى والديمقراطية، أو البحث عن أسس للمواطنة الجامعة في التراث الإسلامي والتجربة النبوية مع وثيقة المدينة (ينظر: راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية)، لكن رغم ذلك بقي الفكر السياسي الإسلامي مشوبا بالقصور لعدم استيعاب تطور المواطنة في النظرية السياسية الراهنة.

المنحى الثاني: الأيدولوجيا والنزعة الشمولية

إذا أشرنا في السابق إلى ذهنية التحريم بخلفية دينية، فإنه في سياق حمى الأيديولوجيات، كانت الأيديولوجيا القومية تنزع منزعا شموليا يعيق أي إمكانية لتأسيس اجتماع سياسي على أسس المواطنة لكل المكونات، إذ شكل الإعجاب بفكرة الدولة القومية التي تتشكل على أسس القسمات اللغوية والثقافية والتاريخية المشتركة، عامل إقصاء يهدد التعددية، وهو ما برز لما تلبست نظم سياسية بخطاب أيديولوجي يمزج بين أيديولوجيا الاشتراكية والنزعة القومية، بحيث لم تكن الديمقراطية والمواطنة من أولوياته، بل أضحت مشروعا مؤجلا.

المنحى الثالث: دولة ما بعد الاستقلال

التي كانت صبغتها هي الشمولية التي لازمتها، ذلك أن الدولة الوطنية في السياق العربي عرفت فشلا في التوطين والاستنبات قبل أن يعلن الربيع العربي نهاية مشروعيتها والحاجة إلى عقد سياسي واجتماعي جديد، فهي تعاني مشكلة في الولادة والتوطين، كما عانت مشكلات في علاقتها بالمجتمع والتعددية الفكرية والسياسية، فأضحت جهازا قمعيا خالصا يغيب عنه القانون (علي أومليل: الإصلاحية العربية والدولة الوطنية)، كما يغيب عنها المجتمع المدني الذي يشكل دعامة من دعامات التحديث، وفوق هذا وذلك تحولت إلى دولة قهرية فاقدة للمشروع الوطني (برهان غليون: الدولة والدين).

إن نسقا من هذا القبيل لا يمكن أن يعبر عن المواطنة التي هي في حقيقتها مساهمة  تعبر عن كل المواطنين (عبد الله العروي: المواطنة والمساهمة والمجاورة)، مما يعني أنها ليست دولة قبيلة أو طائفة أو إثنية معينة، بل دولة تعبر عن مجموع تعددية المجتمع، ويكون ناظمهم الأساسي المواطنة، والتي تعني وفق تطور النظرية السياسية، حيث تطور مفهوم المواطنة نفسه، وأضحى مرتبطا بمجموعات بشرية وليس فقط في سياق الدولة القومية، فما استقرت عليه الحقوق الدولية من مواطنة شاملة أو جامعة، ليست معهودة في الأدبيات السياسية التي جعلت المواطنة المساهمة والفاعلة مرتبطة بمجموعة صفات، مما جعلها حقا لبعض وليس حقا لفئات أخرى تنعدم فيها هذه الصفات، من حرية وذكورة ورشد وأمانة. (روسو: العقد الاجتماعي).

فالتحول الذي حصل مع ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ثم ما تلاه من معاهدات، يعيد تعريف المواطنة، لتكون جامعة تحت لوائها مختلف أنماط التعددية الدينية والعرقية والثقافية (يمكن العودة في هذا الصدد لويل كيمليكا: أوديسا التعددية الثقافية)، وهو ما شكل لحظة ولادة جديدة عربيا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مع الربيع العربي، أي مسعى نحو التبيئة الشاملة بعيدا عن الجدل الذي صاحب مفهوم المواطنة فكريا، وواقعا سياسيا على المستوى العربي.

إن ما عبر عنه الربيع العربي في لحظات التوافق الوطني بين مختلف المكونات، كان في حقيقته تعبيرا مجتمعيا يتجاوز الحواجز الأيديولوجية وما تضعه الهويات من أغلال وقيود على الأفراد

دولة المواطنة أفقا للاندماج واستيعاب التعددية

إذا أردنا أن نختزل أهداف الربيع العربي ومطالب الشعوب في سياقه، فإننا لن نجد ما يجلي الدوافع المبطنة والمعبر عنها في الآن نفسه لجمهور المحتجين، أفضل من "دولة المواطنة"، ذلك أن معظم الطيف الوطني في مختلف البلدان بشمال أفريقيا والشرق الأوسط، عبروا عن رغبتهم في تشكيل عقد سياسي واجتماعي جديد، يعبر عن إرادتهم ويخلصهم من سياقات الإذلال والمهانة، فالربيع العربي هو تمرد على الوضع القائم الذي يعمل على تقسيم المجتمع ويجرد الفرد من مواطنته، وحيثما غاب القانون والمساواة والحرية، غابت المواطنة.

كما نشير إلى أن ردة الفعل التي أعادت السلطة وطرق تشكلها إلى مركز الاهتمام الانشغال المجتمعي، بحيث ينبغي لها أن تعبر عن إرادة المجتمع، قد دلت على لحظة حضارية فارقة في تاريخ المنطقة، على الرغم مما عرفه الربيع العربي من ارتدادات، هي في حقيقتها طبيعية في تاريخ الثورات ومسارات التغيير والنهضة.

لعل السمة البارزة والعنوان الرئيسي للفعل الاحتجاجي، تحلله من أعباء الانغلاق على الهويات الفرعية، وانسياقه العفوي والخلاق في روح جماعية، لا تنظر للخلفيات الدينية أو المذهبية أو الاثنية أو الإيديولوجية لمكوناتها، إنما تنظر للجميع باعتبارهم مواطنين أحرارا من كل قيد، ولم يبرز الانقسام إلا لاحقا مع ديناميات الثورة المضادة، والشرط الخارجي الذي كان معيقا لصيرورات الانتقال الديمقراطي وبناء دولة المواطنة.

ختاما: إن ما عبر عنه الربيع العربي في لحظات التوافق الوطني بين مختلف المكونات، كان في حقيقته تعبيرا مجتمعيا يتجاوز الحواجز الأيديولوجية وما تضعه الهويات من أغلال وقيود على الأفراد، فالمجتمع عبر عن أصالة تعدديته دون اندراج في التحيزات الضيقة، وأغلبية المكونات المجتمعية، أضحت تنظر إلى العلاقات من منظار سياسي مواطني، وليس من منظار عقائدي أو إثني أو أيديولوجي، مما يعني أن الربيع العربي أحدث رجة في الفكر والواقع معا.

الأهم في التمثلات الذهنية عن طبيعة المشكلة وطرائق حلولها، فاستعاد الوصل في تونس مع مطلع قصيدة شاعر الحياة أبي القاسم الشابي، التي أصبحت نشيد الربيع وجمهور المحتجين، كما ربط الوعي من جديد مع الكواكبي، كون الاستبداد أصل الداء والمعضلة الكبرى، وهو استبداد يقسم ولا يوحد، يفرق ولا يجمع، مستغلا في ذلك كل أنماط الخطاب، الفكري والديني والثقافي وغير ذلك، وأن تجاوز ذلك، في تفكيك البنى التي يقوم عليها، وتركيز النظر على الوعي الدستوري الحديث، وإرساء دعائم المواطنة، وتقييد صلاحيات السلطة والحكم بالقانون، ذلك أن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة.