الوشم والنمص وتغيير خلق الله.. بين تعددية التراث وضيق الفتاوى المعاصرة

أردنية تطوع الحناء لرسم لوحات فنية وتخليد التراث الأردني

قبل أيام، جزم مفتٍ على إحدى الإذاعات بتحريم النمص والوشم مستدلاً بحديث لابن مسعود في ذلك، وقبل ذلك رأيت فيديو لأحد المشايخ يدعو فيه بالويل والثبور وعظائم الأمور لمن يفعل مثل هذه الأفعال من النساء. وقد سبق لمجمع الفقه الإسلامي الدولي أن حرم عمليات التجميل التحسينية جملةً؛ لأنه يُقصد بها تغيير خلقة الإنسان السوية، وذلك على خلاف فتوى اللجنة الدائمة في السعودية والشيخ عبد العزيز بن باز الذين أطلقوا القول بالجواز إذا كان هناك مصلحةٌ ولم يَتَرتب على العملية ضررٌ.

وقد يبدو الأمر مربكًا للمتابع العادي، خصوصًا مع وجود الفتاوى الجازمة بقول واحدٍ في التحريم، وقد استخدمت فتاوى التحريم أحد مسلكين: مسلك نصي أو مسلك مقاصدي مصلحي. ومثل هذا يثير لدي أكثر من سؤال، يتعلق أحدها بمنهجية الفتوى، وكيفية التعامل مع الإرث الفقهي المذهبي من جهة، وكيفية التعامل مع نصوص القرآن والحديث من جهة أخرى، وكيفية توظيف المسلك المقاصدي من جهة ثالثة. وتتأكد هذه الأسئلة إذا ما كان المفتي المعاصر سيتجاوز المذاهب إلى اجتهاداته الخاصة، ومن ثم فهو مطالب بتوضيح منهجه في هذه المسألة وغيرها، وما إذا كان ناقلاً أو مجتهدًا وما هي منهجية نقله ومنهجية اجتهاده. ثم هل على المفتي أن يبين في فتواه أن ما يقوله إنما هو "اختياره" الشخصي، وأن هناك اختلافًا في المسألة قد يجد غيره فيه سعة؟

يشيع في المسألة المطروحة هنا 3 ألوان من الاستدلال لدى المفتين المعاصرين:

الأول: أنه مثل هذه الأفعال تغيير لخلق الله، ومجرد التغيير منهي عنه بنص القرآن والحديث.

الثاني: أن اللعن الوارد في الحديث النبوي والمترتب على فاعل هذه الأفعال يقتضي أنها حرام، بل كبيرة من الكبائر.

الثالث: أن تحريم عمليات التجميل التحسينية قياسٌ على تحريم الوشم والنمص؛ بجامع تغيير خلق الله، والتطاول على مخلوقاته بالتغيير والتحوير، ولمفسدة التخدير لغير ضرورة، ومضاهاة خلق الله، والتلبيس والتغرير، وسد الذرائع، واعتبار المآلات، وأنها "من تزيين الشيطان وحبائله التي تصطاد فرائسها من أهل الدين الرقيق والحصانة الهشة".

تختلف روايات الحديث العمدة في الموضوع، ففي بعضها "لعن الله"، وفي بعضها "لعن رسول الله"، وهي مسألة تتصل بكيفية تقويم هذا الحديث: ففي حالة "لعن رسول الله" سيكون الحديث مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أما في حالة "لعن الله" فإن الحديث سيكون من فعل ابن مسعود نفسه أو دعائه

وإذا كان المسلكان الأولان أقرب إلى المسلك النصي أو الظاهري، فإن المسلك الثالث واسع الخطو جدًّا ويحاول أن يجمع بين المسلكين القياسي والمصلحي ويتشدد فيما لا يحتمل كل هذا التشدد. فإذا ما عدنا إلى نصوص المذاهب الفقهية المتبعة وكتب التفسير وشروح الحديث، سنجد أن المسألة على خلاف ذلك الوضوح والحسم، ولا تجري على هذا القدر من التبسيط المخل.

يقول الحديث العمدة في الموضوع: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: "لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله". قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت: ما حديثٌ بلغني عنك أنك لعنتَ الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله؟ فقال عبد الله: "وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهو في كتاب الله". فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته! فقال: "لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه! [كذا هي بالياء في الفعلين]. قال الله عز وجل: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) [الحشر: 7]". فقالت المرأة: فإني أرى شيئا من هذا على امرأتك الآن! قال: "اذهبي فانظري". قال: فدخلت على امرأة عبد الله فلم تر شيئًا، فجاءت إليه فقالت: ما رأيت شيئًا، فقال: "أمَا لو كان ذلك لم نجامعها".

فهذا الحديث المروي في الصحيحين وغيرهما، يوضح تشدد ابن مسعود رضي الله عنه في التحريم، وأنه حمل العموم على ظاهره، لدرجة أنه اعتبره سببًا كافيًا لفراق زوجته إن هي فعلت ذلك! في حين أن المرأة تستنكر اللعن على مثل هذه الأفعال التي تفعلها النساء عادة، بل إن النقاش قد اتسع ليشمل التأكيد على "مرجعية" السنة النبوية مع القرآن، فابن مسعود استدل بعامٍّ من القرآن (وما آتاكم الرسول …) على تحريم هذه الأفعال محل النقاش، ولتثبيت حجية روايته، وهو مسلك بعيدٌ جدًّا، إذا ما كنا نناقش في حكم هذه الأفعال تحديدًا لا في مرجعية السنة النبوية، وقد كان حقّ النقاش أن يتجه إلى معنى ذلك اللعن والعلة من ورائه، وهو ما لا يَرد في شيء من الروايات، وهو ما أوقع الفقهاء وشراح الحديث في إشكال كما سنرى فيما بعد.

تختلف الروايات في ذلك، ففي بعضها "لعن الله"، وفي بعضها "لعن رسول الله"، وهي مسألة تتصل بكيفية تقويم هذا الحديث: ففي حالة "لعن رسول الله" سيكون الحديث مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أما في حالة "لعن الله" فإن الحديث سيكون من فعل ابن مسعود نفسه أو دعائه، وحينها سيقال: هو حديث موقوف لكن له حكم الرفع، خصوصًا أن جزأه الثاني مخبرٌ بأن ذلك إنما هو فعل رسول الله نفسه. ولكن المهم هنا هو البحث في حيثيات ذلك اللعن الصادر من الرسول، وهو ما لا نقف عليه في الروايات المختلفة، وإن كان يَرد في أخبار أخرى عن معاوية بن أبي سفيان أن وصل الشعر من فعل الزور أو أنه مما أحدثه الناس تأثرًا ببني إسرائيل.

وقد روى الحديثَ منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي عن علقمة بن قيس النخعي عن ابن مسعود، ورواه عن منصور بن المعتمر غيرُ واحدٍ، منهم سفيان الثوري وجرير بن حازم وشعبة بن الحجاج والمفضل بن مهلهل. أما شعبة ففي بعض الروايات أنه شك في لفظ منه، فقال: "وأحسبه قال: المغيرات خلق الله"، كما نجد في مسند أحمد والمستخرج على صحيح مسلم لأبي عَوَانة.

وفي بعض الروايات أن الاختلاف حول هذه اللفظة واقع ممن هو دون طبقة شعبة، وأنه يشمل "للحسن المغيرات خلق الله" كما عند أبي داود. ثم إن الجدل بين المرأة وابن مسعود يَرد في بعض الروايات دون أخرى، وتختلف ألفاظ أخرى في بعض الروايات، وقد اعتنى مسلم وغيره ببيان هذا الاختلاف بين الرواة في الألفاظ.

وإذا كان هذا الحديث يعبر عن مذهب ابن مسعود نفسه، أو ما فهمه من لعن النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء؛ لأننا لم نقف على لفظ النبي صلى الله عليه وسلم بنصه، فإن عائشة وأسماء بنتي أبي بكر الصديق -رضي الله عنهم- لهما مذهب مختلف في المسائل الثلاث: النمص والوشم والوصل، وهي الأفعال التي ورد اللعن عليها في حديث ابن مسعود.

فبخصوص النمص: روى ابن سعد عن عائشة أنها سئلت عن الحفاف -وهو الأخذ من شعر الحاجب- فقالت: "إن كان لك زوج فاستطعت أن تنزعي مُقلتيك فتصنعيهما أحسن مما هما، فافعلي". وقد استدل بهذا الحديث من أباح النمص من الفقهاء؛ سواءٌ مطلقًا أم لزوج كما هو مذهب الجمهور. وعن عائشة أيضًا أنها قالت: "لو كان في وجه بنات أخي لأخرجته ولو بشفرة".

وبخصوص الوصل، فقد روي عن عائشة أن رجلاً سألها فقال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة". فقالت: "أيا سبحان الله! وما بأسٌ بالمرأة الزعراء أن تأخذ شيئًا من صوف فتصل به شعرها وتتزين به عند زوجها؟! وإنما لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة الشابة تبغي في شيبتها حتى إذا أسنّت وصلتها بالقيادة". واحتج بهذا الحديث بعض المالكية.

أما بخصوص الوشم، فقد روي أن يد أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما كانت موشومة، وقد صحح هذا الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني، واستدل به المالكية كذلك على إباحة الوشم في اليد.

توضح هذه الروايات عن عائشة وأسماء مفهومًا مختلفًا لهذه الأفعال يتجاوز الظاهر الذي وقف عنده ابن مسعود أو ما فهمه من اللعن، الأمر الذي يؤكد لدينا أهمية طلب لفظ النبي صلى الله عليه وسلم بنصه، فالاختلاف في ألفاظ الحديث واختلاف الرأي بين ابن مسعود وغيره وفي شأن هو خاص بالنساء، يُضعف لدينا فهم ابن مسعود رضي الله عنه.

ويتصل الإشكال الوارد على الحديث بجهتين:

الأولى: جهة ألفاظ الرواية كما سبق، فلفظ النبي صلى الله عليه وسلم لم نقف عليه، كما غابت حيثيات الرواية وأسباب هذا اللعن القاسي على مثل هذه الأفعال الذي لا ينسجم مع ظاهرها.

الثانية: جهة التأويل، فالاستثناءات التي ترد عن بعض الفقهاء في إباحة بعض هذه الأفعال الملعون أصحابها تُضعف الحمل على الظاهر، كما تضعف القول بالتحريم في بقية الأفعال؛ لأن اللعن وارد على الجميع، فكيف يمكن استثناء أحدها دون الآخر، أو القول: إنه مباح للمتزوجة دون غيرها؟ وهذا كله يدفع إلى البحث عن علة هذا اللعن خارج دائرة هذه الأفعال نفسها، بحيث يكون اللعن أو النهي واردًا على معنًى معقول يشكل باعثًا على هذه الأفعال وليس الأفعال ذاتها.

يتلخص من هذا أن ظاهر الحديث مُشكلٌ؛ لثلاثة أمور:

أولها: أنه لا تَناسب بين مجرد هذه الأفعال وبين اللعن الذي يأتي عادة على الكبائر، ومن ثم افتقر الظاهر إلى علة معقولة.

ثانيها: أن ظاهر الحديث "المغيرات خلق الله" مع ظاهر آية (فليغيرن خلق الله) يشمل كل تغيير، سواءٌ كان باطنيًّا أم ظاهريًّا. وهذا مشكل؛ إذ ورد في السنة النبوية الحث على إحداث تغييرات ظاهرية تشبه هذه الأفعال، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "خمس من الفطرة: تقليم الأظافر، وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، والاختتان".

ثالثها: أن ظاهر عبارة "المتفلجات للحسن" وعموم التغيير، يتناول التغيير الظاهري للأحسن أو التجمل أو التزين كما يشمل التغيير للأسوأ، والأول لا شك مطلوب شرعًا، وقد اعتبره جمهور الفقهاء حتى شمل إباحة النمص للمتزوجة، كما شمل عمليات التجميل للضرورة والحاجة.

تفيد هذه الاعتبارات أن النهي في الحديث ليس عامًّا، وأن ظاهره غيرُ مراد، وهو مذهب جمهور الفقهاء على عكس ما يوهم بعض المفتين المعاصرين ممن يركنون إلى الظاهر ويستروحون للوقوف عند الألفاظ. بل إنه لا خلاف في جواز عمليات التجميل الضرورية والحاجية (وهما مستويان من مستويات المصالح)، ومن ذلك إصلاح العيب بإعادة العضو إلى أصل خلقته، وقد أفتت المجامع بذلك، ولكن الخلاف إنما هو في جواز عمليات التجميل التحسينية، وهو محل النقاش هنا ومحل كلام عائشة وفعل أسماء رضي الله عنهما.

الآن لو فتشنا في المذاهب الفقهية في المسألة، فسنجد اختلافًا بين الفقهاء على عكس ما توحي به تلك الفتاوى الجازمة، ففي مذهب الحنابلة نجد 4 أقوال في حكم النمص والوشر (تحديد الأسنان) والوشم: الأول أنه يحرم وهو الذي اعتمده أئمة المذهب لاحقًا، والثاني: أنه لا يحرم. والثالث: أنه يجوز مع الكراهة، وقد جزم به غير واحد من أئمة الحنابلة. والرابع: أنه يجوز بإذن الزوج. أما الإمام ابن الجوزي منهم فقد أباح النمص وحده. بل إن الحنابلة ذهبوا في المعتمد من المذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث نصوا على أن للمرأة حلق الوجه وحفه وتحسينه وتحميره ونحوه؛ لأن الإشكال إنما يرد -لديهم- على النمص لا على الحلق.

أما المالكية فقد فصل مذهبَهم الإمام ابن الفرس حين وضح أن الوشم جائز في اليد دون الوجه، قال: وأجازه قوم أي في الوجه. وقد وضح أيضًا أنه اختُلف في الوصل على 3 أقوال: (1) فأجازه قوم جملةً من غير تفصيل، (2) ولم يُجزه آخرون أيضًا جملة من غير تفصيل (منهم مالك)؛ لعموم حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنهم رأوا ذلك تغييرًا فتأولوا الآية عليه، (3) وأجاز بعضهم وصل الشعر بالصوف والخرق، ولم يجز وصل الشعر بالشعر.

وكل هذا الخلاف، سواء لجهة استشكال الحديث وتأويله أم لجهة المذاهب الفقهية في هذه الأفعال، يوضح أن الفعل في ذاته ليس قبيحًا، بل حتى من حرمه فإنما لم يحرمه لذاته؛ ومن هنا قلنا: إنه وقع الاتفاق على جواز عمليات التجميل في حالتي الضرورة والحاجة. بقي النقاش كله حول العلة التي لأجلها حرم من حرم، بل لأجلها وقع اللعن الذي عادة ما يأتي للدلالة على كبائر الذنوب.

وقد اختلف الفقهاء في تعيين العلة، ويوضح هذا الخلاف حكاية الإمام القرافي عن الإمام ابن رشد الجد قوله: "لم أر للفقهاء المالكية والشافعية وغيرهم في تعليل هذا الحديث إلا أنه تدليس على الأزواج؛ ليكثر الصَّداق. ويُشكل ذلك؛ (1) إذا كانوا عالمين به، (2) وبالوشم؛ فإنه ليس فيه تدليس. وما في الحديث من (تغيير خلق الله) لم أفهم معناه؛ فإن التغيير للجمال غيرُ منكر في الشرع؛ كالختان وقص الظفر والشعر وصبغ الحناء وصبغ الشعر وغير ذلك". فهذا إمام كبير بحجم ابن رشد يستشكل هذا الحديث لأجل غموض علته من جهة، ولغياب سياق وروده من جهة أخرى، مما يكشف عن تهور من يتوهم أن مجرد ظاهر الحديث كافٍ لإثبات التحريم!

وقد تحيّر ابن الجوزي في تعيين العلة أيضًا فقال: "وظاهر هذه الأحاديث تحريم هذه الأشياء التي قد نُهي عنها على كل حال، وقد أخذ بإطلاق ذلك ابن مسعود على ما رُوّينا. ويحتمل أن يُحمل ذلك على أحد ثلاثة أشياء: (1) إما أن يكون ذلك قد كان شعار الفاجرات، فيكنّ المقصودات به، (2) أو أن يكون مفعولاً للتدليس على الرجل فهذا لا يجوز، (3) أو يكون يتضمن تغيير خلق الله تعالى، كالوشم الذي يؤذي اليد ويؤلمها، ولا يكاد يُستحسن، وربما أثر القشر في الجلد تحسناً في العاجل، ثم يتأذى به الجلد فيما بعد".

ويمكن حصر العلل الكامنة وراء هذا اللعن الوارد على هذه الأفعال في صنفين من العلل:

الصنف الأول: اعتبارات أخلاقية تتصل بأغراض مختلفة، منها:

1. التدليس أو التغرير بالزوج لزيادة المهر (وهي مسألة اجتماعية عرفية). وقد ذكر هذا غير واحد، منهم الإمام القرطبي المحدث صاحب كتاب المُفهم، والإمام ابن الجوزي، والإمام القرافي، والقاضي عبد الوهاب، والإمام الخطيب الشربيني وغيرهم.

2. معيار الضرر المترتب على مثل هذه الأفعال وهو ما ذهب إليه العديد من الفقهاء، أو الإيذاء الذي تحدث عنه ابن الجوزي، أو التشويه الذي أشار إليه الفيروزابادي وابن عاشور، أي أن من التغيير ما هو مذموم، ومنه ما هو محمود كالختان وتقليم الأظافر والخضاب وثقب آذان النساء لوضع الأقراط والتزين، وحلق الشعر، وغير ذلك. وفي تقديري أن مثل هذه التغييرات للحسن هي مسائل تتصل بالثقافة والأعراف فهي متغيرة، ولهذا قال الإمام ابن الفرس في تفسير الآية التي تتحدث عن تغيير خلق الله: "وملاك تفسير هذه الآية أن كل تغيير يؤدي إلى ضرر، فهو داخل تحت الآية، وما لم يكن كذلك فهو مباح ويدخل تحته مسائل جمة ويطول بذكرها الكتاب، فأعرضت عنها لذلك". وقال الإمام ابن عطية في تفسير الآية: "وملاك تفسير هذه الآية: أن كل تغيير ضار فهو في الآية، وكل تغيير نافع فهو مباح".

3. كونه شعارًا للفاجرات، وهو تفسير للفعل بدلالته العرفية أو الثقافية السائدة في زمان النص، وهي دلالة متغيرة، وقد نص على هذه الدلالة غيرُ واحدٍ، منهم ابن الجوزي وابن مفلح والمرداوي وابن الملقن، وقال الإمام النيسابوري المفسر: إن المرأة "تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا" أي في ذلك الزمان. وهو ما آل إليه الطاهر بن عاشور حين اعتبر "أن الغرض منه النهي عن سمات كانت تعد من سمات العواهر في ذلك العهد، أو من سمات المشركات، وإلا فلو فرضنا هذه منهيًّا عنها لما بلغ النهي إلى حد لعن فاعلات ذلك".

الصنف الثاني من العلل: الإحالة العقدية الكامنة في هذه الأفعال أو بعضها، وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام الخطابي حين اعتبر أن النهي عن الوشم لأنه "من عمل الجاهلية، وفيه تغيير الخلق"، ونقل هذا المعنى أيضًا كل من ابن الملقن والقاري وغيرهما. ويُفهم كذلك من سياق تفسير ابن الفرس في الحديث عن "أعمال أهل الجاهلية بسبب آلهتهم". ولذلك نُسبت إلى فعل أو تزيين الشيطان لها، قال ابن الفرس في تفسير آية تغيير الخلق: "ونسبه الله تعالى إلى الشيطان، وهو أمر ليس على عمومه؛ لأن من التغيير لخلق الله ما هو سنة، ومن التغيير ما هو محرم باتفاق، ومكروه باتفاق، فهو داخل في الآية، ومنها ما هو مختلف فيه، وذلك كله على حسب ما ذكره المفسرون للآية".

ومن هنا حمل جمهور المفسرين (خلق الله) في الآية على أنه دين الله، وهو ما رجّحه الطبري وغيره، وإن كان ثمة قول هامشي في كتب التفسير يشير إلى التغيير الظاهري كالوشم وتقشير الوجه وغيره، وهو ما ضعّفه غير واحد من المفسرين كالطبري والماتريدي وغير واحد من الفقهاء ممن خالفوا ظاهر الحديث؛ فسياق الآية لا يساعد على حمله على التغيير الظاهري، ولأن التغيير مرتبط بالشيطان، ولهذا استبعد الإمام الماتريدي احتمال أن الشيطان أراد ذلك التغيير الظاهري؛ لأن هذا العزم من الشيطان (فلآمرنهم فليبتكن …) إنما كان يوم طلب من ربه الإنظار إلى يوم يبعثون، ويُستبعد أنه كان لديه علم بما سترد به شريعة الله تحليلا أو تحريما بهذا الخصوص حتى يعزم على إغواء عباد الله بمخالفتها!

فنحن أمام فعل وُضع في الظاهر للحسن والتزين، ولكنه أخذ دلالات أخرى عرفية وثقافية ودينية، ويمكن فهم هذا المعنى من مجمل قول الإمام الراغب الأصفهاني: إنه من باب ما وضع لفضيلة فاستعمل لرذيلة، فمثل هذه الأفعال وضعت لطلب الحسن، وقد استعملت للخداع والتغرير، أو للإفساد والغواية، أو للتعبير عن دلالات عقدية خصوصًا أن من الوشوم ما يحيل إلى رموز عقدية في الدلالة على الآلهة ونحوها في بعض الثقافات أو الأقوام قبل أن تتحول إلى زينة وتجمل في العصر الحاضر.

ومما يؤكد تقسيمنا لهذين الصنفين من العلل: أن ابن عطية وابن الفرس -كما سبق- ذهبا إلى أن ملاك الآية يدور على معايير النفع والضرر، وأن ابن عاشور ذهب إلى أن ملاك الآية يدور على "أن تغيير خلق الله إنما يكون إذا كان فيه حظ من طاعة الشيطان، بأن يجعل علامة لنِحلة شيطانية، كما هو سياق الآية واتصال الحديث [النبوي] بها".

مثل هذا التحليل والتدقيق يساعدنا على الإمساك بالبعد الثقافي والاجتماعي في النصوص، حين تكون متعلقة بدلالات متغيرة لم تعد قائمة، وتجاهلها يضعنا أمام مأزق في فهم الحديث النبوي؛ إذ يغدو مجرد الوقوف عند ظاهر اللفظ غير معقول المعنى ويضعنا في تعارض مع نصوص ومعان أخرى مقررة في الشريعة!

إن عودة بعض المفتين المباشرة إلى النصوص قرآنًا وحديثًا، بمعزل عن الإرث التفسيري والحديثي والفقهي، هو توجه حديثٌ دعا إليه الإصلاحيون والأثريون؛ لتوهم أنه سيحل المشكلة التي تصوروها، في حين أن مجرد العودة المباشرة إلى النصوص قابلة للتوظيف في كل اتجاه: تحليلاً وتحريمًا؛ وقد أدت إلى تجاوز التنوع أو التعددية التي احتوى عليها تراث المذاهب الفقهية؛ لمصلحة فهم واحد ظاهري في غالب الأحيان، وإعمال تقني لبعض قواعد العلماء مثل قاعدة أن اللعن يدل على أن الفعل كبيرة، من دون البحث في علل التحريم، وهل هو لذاته أم لغيره؟ وهل يتناسب اللعن -ومن ثم التحريم- مع حقيقة الفعل في معهود خطاب الشارع؟ وكيف تم فهم هذا النص تاريخيًّا؟ وهل جرى استشكاله؟ ولماذا؟ وما التأويلات المتاحة له؟ قبل الاسترواح إلى الترجيح والجزم المتعجل. وما أحوجنا إلى الهدي القرآني في قوله: (وقل رب زدني علمًا)؛ فكلما ازداد المرء علمًا اتسع أفقه وصدره للخلاف، واتسع أمامه المعنى بتعدد وجوهه.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة