مقالات

قانون الانتخابات اللبناني.. الطائفية باقية وتتمدد

نسبية بروح أكثرية
رابحون وخاسرون 

طُويت صفحة إقرار قانون جديد للانتخابات النيابية في لبنان، بعد جدل سياسي ودستوري وقانوني لم يخلُ من توتر استمر سنوات، واستُخدمت فيه كل الأسلحة الطائفية والذرائع المذهبية والمصالح الذاتية والعامة.

فقد تمكنت الطبقة السياسية اللبنانية من الاتفاق على نظام انتخابي جديد على أساس نسبي يقسم لبنان إلى 15 دائرة انتخابية؛ لكن السؤال الذي يشغل اللبنانيين الآن هو: هل ستجري الانتخابات في الموعد المحدد لها بحسب القانون الجديد (أي مايو/أيار 2018) أم أننا أمام تأجيل آخر قادم بألف حجة وحجة؟

الدافع إلى هذا السؤال هو الفترة الزمنية الطويلة الفاصلة بين إقرار القانون وموعد إجراء الانتخابات المقبلة، والتي كان يفترض إجراؤها قانونيا قبل انتهاء مدة المجلس النيابي الحالي (الممدِّد لنفسه مرتين) في 20 يونيو/حزيران الجاري.

لا سيما أن التطورات الإقليمية العاصفة ترخي بظلال سياسية ثقيلة على لبنان، بحيث إن كل فريق من السياسيين اللبنانيين ينتظر انقلابا في المعادلات الميدانية والسياسية الخارجية وخاصة في سوريا، لتصب في مصلحته داخل لبنان على حساب شركائه في الوطن.

القانون الجديد يفتح المجال أمام شكل جديد من التمثيل السياسي. ومرّة جديدة، من دون أن يعني تغييرات جذرية في جوهر النظام، لأن القانون نفسه قُيد بضوابط عدة مجحفة وطائفية، ولعل أهمها أن الأساس الذي تجري عليه الانتخابات هو الطائفية وليس المواطنة

إذن الثابت الوحيد الآن هو الآتي: نظريا هناك قانون جديد انتظره اللبنانيون طويلا، وواقعيا نحن أمام تمديد ثالث للمجلس النيابي الحالي فترة تقارب السنة وقابلة للتجديد.

وبغض النظر عن الذرائع "التقنية" غير المنطقية لتبرير التمديد الطويل، فإن القانون الانتخابي الجديد يمكن وصفه بـ"الإنجاز" مقارنة بالقوانين الانتخابية السابقة لسبيين أساسيين:

أولا، أنه دفن القانون الأكثري السيئ الذي تحكم في الحياة السياسية اللبنانية منذ نشأة هذه الدولة في عشرينيات القرن الماضي، وكان مجحفا -على الصعيد التمثيلي- لقوى سياسية عدة، لا سيما منها صاحبة الخطاب الوطني العام.

وثانيا، لأنه يُدخل لبنان في عصر النسبية، وهذا أمر غير بسيط. ومثالا على ذلك، فإن القائمة الانتخابية التي تنال الأكثرية زائدة واحدا كانت تحظى بغالبية المقاعد، وتحمل أحيانا إلى المجلس النيابي ممثلين عن الشعب شبه مجهولين، ولا يتمتعون بأي كفاية سوى الولاء المطلق للزعيم السياسي.

في حين أن القائمة التي تحظى بنسبة 49% من الأصوات كانت تخسر كل شيء ولا تحظى بأي مقعد، وتاليا فإن المصوتين لها لا يحظون بأي ممثل رغم كثافة عددهم.

وهكذا فإن القانون الجديد يفتح المجال أمام شكل جديد من التمثيل السياسي. ومرّة جديدة، من دون أن يعني تغييرات جذرية في جوهر النظام، لأن القانون نفسه قُيد بضوابط عدة مجحفة وطائفية، ولعل أهمها أن الأساس الذي تجري عليه الانتخابات هو الطائفية وليس المواطنة.

هذا في حين أن الدستور اللبناني -الذي أقِرّ في مؤتمر الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية– ينص على المواطنة عبر إلغاء الطائفية السياسية، وإنشاء مجلس نيابي على أساس الدائرة الكبرى وخارج القيد الطائفي لضمان التمثيل العادل للأفراد.

أما الطوائف فتُمثل في مجلس للشيوخ يضم العائلات الروحية، ويختص بالقضايا المصيرية، ويتمتع بصلاحية نقض القوانين التي تتعارض ومصالح هذه الجماعات. وهذا الأمر تجاهله القانون الجديد بالكامل.

نسبية بروح أكثرية
وبعد جدل طويل رسا القانون الانتخابي الجديد على اتفاق عريض باعتماد النسبية الكاملة في 15 دائرة، بعضها يقوم على جمع قضاءين أو أكثر في دائرة انتخابية واحدة، أو جعل القضاء دائرة واحدة مع الصوت التفضيلي على أساس القضاء.

أما العاصمة بيروتفجعلها دائرتين تحاكيان الانقسام الذي كان سائدا في الحرب الأهلية، أي بيروت الأولى (المنطقة الشرقية) التي تضم غالبية مسيحية، وبيروت الثانية (المنطقة الغربية) التي تضم غالبية إسلامية، والفاصل بينهما خطوط التماس التي كانت قائمة في ظل الحرب.

ولعل الإيجابية الوحيدة التي جاء بها هذا القانون هي إسقاطه قاعدة اللائحة الواحدة الفائزة، التي غالباً ما صنعت الطبقة السياسية وحفظت استمرارها، ومكّنتها من الإمساك بالسلطة وفرض قوانين الانتخاب المتعاقبة، كما يفترض أن يحد هذا القانون من إحجام الكتل النيابية المنفوخة المحسوبة سلفاً

هذا القانون -الذي حظي بتوافق القوى الأساسية المتحكمة في الحياة السياسية اللبنانية منذ عقود- لاقى اعتراضات كبيرة من قوى المجتمع المدني، ومن الأحزاب الوطنية غير الطائفية والأحزاب الصغرى.

وتتلخص هذه الاعتراضات في أن شكل النسبية المطروح في هذا النظام الانتخابي يعطي مفعول النظام الأكثري تحت مسمى النسبية، ذلك أن النظام النسبي بدوائر صغيرة أو متوسطة -كما هو مطروح حاليا (15 دائرة يتراوح عدد المقاعد فيها بين 5 و13)- مع كوتا مذهبية ومناطقية، يضعف كثيرا مفعول النسبية ويحولها إلى نظام أكثري مبطن.

وترى هذه القوى -وفي مقدمها الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات- أن "تقسيم الدوائر والمقاعد بالشكل المطروح يعزز الخطاب الطائفي للقوى السياسية، ويحد من التنوع في الدوائر الانتخابية".

كما أن هذا النظام الانتخابي ليس مبنيا على أسس علمية، وخصوصا أن توزيع المقاعد بين الطوائف في لبنان ليس مبنيا أصلا على أعداد تلك الطوائف ونِسبها.

إلى ذلك؛ فإن اعتماد الصوت التفضيلي على أساس القضاء -وليس الدائرة الانتخابية- يمكن أن يؤدي إلى شد العصب الطائفي بين أطراف القضاء نفسه، عدا عن أن اعتماد الصوت التفضيلي أساسا يعيد شخصنة المعارك الانتخابية ويضرب وحدة اللوائح.

وغابت عن القانون الجديد إصلاحات عدة مطلوبة ومهمة، مثل عدم إقرار هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات، وضبط الإنفاق المالي، وخفض سن الاقتراع من 21 إلى 18 سنة، والكوتا النسائية.

ولعل الإيجابية الوحيدة التي جاء بها هذا القانون هي إسقاطه قاعدة اللائحة الواحدة الفائزة، التي غالباً ما صنعت الطبقة السياسية وحفظت استمرارها، ومكّنتها من الإمساك بالسلطة وفرض قوانين الانتخاب المتعاقبة.

كما يفترض أن يحد هذا القانون من إحجام الكتل النيابية المنفوخة المحسوبة سلفاً، ودفع الأفرقاء إلى توقع أن تصبح كتلهم أصغر مما كانت عليه، مما يعيد التوازن الفعلي إلى البرلمان.

رابحون وخاسرون
تبعا للوضع السائد في البلد؛ فإنه إذا أجريت الانتخابات اليوم على أساس النظام الانتخابي الجديد، فإن الرئيس سعد الحريري الذي يمتلك اليوم أكبر كتلة نيابية (34 نائبا) سيواجه التحدي الأكبر، لأنّ القانون سينتج في الساحة السنية خَلطة من كل مكوناتها السياسية والشعبية.

ولذلك ربما تتراجع قليلاً حصة "تيار المستقبل" الذي يتزعمه الحريري لمصلحة الآخرين من الحلفاء أو الخصوم، من الرئيس نجيب ميقاتي إلى الوزراء السابقين محمد الصفدي وفيصل كرامي وأشرف ريفي، والنائب خالد ضاهر.

الطائفية اللبنانية باقية باقية وتتمدد، ومطلب الدولة المدنية الديمقراطية لا يزال حلما بعيد المدى، ما دامت السلطة السياسية التي تطرح هذه المشاريع لا تزال تعطي الأولوية لحساباتها الفئوية والمذهبية على حساب المصلحة الوطنية والعامة، وتصر على التنكر لإرادة التغيير وإعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية سليمة

ومن المتوقع أن تحصل خروق ملحوظة في بيروت، كما سيخسر عددا لا بأس به من النواب المسيحيين لمصلحة حليفه القديم "القوات اللبنانية"، وحليفه الجديد "التيار الوطني الحر".

لكن كان يمكن أن تكون خسارته أكبر بكثير لو أجريت الانتخابات على أساس القانون الأكثري السابق، ولذلك ارتأى الخروج بأقل الخسائر الممكنة والسير باقتراح القانون الجديد، ملاقياً الآخرين في منتصف الطريق أيضاً.

وعلى المستوى الشيعي؛ فإنّ ثنائي حركة "أمل" و"حزب الله" لن تكون لديه مفاجآت على مستوى النتائج التي سيحققها في الانتخابات، ويتوقع أن يتعرض لخرق في دائرتيْ بعبدا وبعلبك/الهرمل.

أما في الجنوب وبقية الدوائر فالمتوقع أن يبقى وضعهما التمثيلي على حاله، في حين أنّ حلفاء هذا الثنائي سيحققون فوزاً مؤكداً في دوائر زحلة والبقاع الغربي وبيروت وطرابلس. علما بأن قوة هذا الثنائي كانت محدودة في الوسط المسيحي مقارنة بندها السني "تيار المستقبل".

وعلى المستوى المسيحي؛ سيُحدث هذا القانون النسبي عملية خلط أوراق كبيرة، ولن يكون لدى "التيار الوطني الحر" فُرَص تحقيق تقدّم ملموس، وإنما سيحافظ على الوضعية التي هو فيها الآن كثاني أكبر كتلة نيابية.

وستتقدّم القوى المسيحية الأخرى كحزب "القوات اللبنانية" الذي سيزداد عدد نوّابه، وحزب الكتائب والقيادات المسيحية المستقلّة. فهذه القيادات يجب عدم الاستخفاف بقدراتها التمثيلية والشعبية وستكون قادرة على تحقيق الخرق في مختلف الدوائر.

أما رئيس "اللقاء الديمقراطي" النائب وليد جنبلاط فسيبقى محافظاً على حجم تمثيله السياسي، من خلال ضم الشوف وعاليه -حيث الغالبية الدرزية- في دائرة واحدة.

ولذلك، فإنّ كل القوى السياسية ستنكَبّ من الآن على التحضير لإدارة معاركها الانتخابية وإعداد لوائحها، وستحاول القوى الممثلة في الحكومة تحقيق مصالح انتخابية عبر تقديم الخدمات للمقترعين على حساب مالية الدولة، مع الأخذ في الاعتبار أنّ تركيب هذه اللوائح يتوقّف على طبيعة التحالفات الانتخابية التي ستُنسج.

هذا علماً بأنّ "الصوت التفضيلي" الذي تقرّر اعتماده في القضاء وخارج القيد الطائفي والمذهبي هو الذي سيحدّد المقاعد الفائزة، فهو أشبه بنظام "رجل واحد – صوت واحد"، وسيوّلّد حالة تنافس كبيرة داخل الأحزاب إذا لم تتمكن من تحقيق إدارة صارمة لتحديد الأصوات التفضيلية.

وسياسيا يمكن القول إن "حزب الله" وحليفته حركة "أمل" حصلا في القانون الجديد على حفظ الاستقرار ومنع الوصول إلى الفراغ، في ظلّ المخاطر المحيطة، بعيداً عن التلويح بالفراغ والمناورات الخطرة، وكذلك الوصول إلى قانون نسبي يحفظ الحدّ الأدنى من التمثيل، فيما حصّل جنبلاط الحفاظ على دوره التمثيلي.

أمّا القوات والتيار الوطني الحرّ؛ فيمكن القول أيضاً إن الاقتراح يلبّي مطالبهما برفع نسبة النواب المسيحيين الذين يحسم الناخب المسيحي أمرهم، من 31 نائبا في القانون السابق إلى ما يقارب 51 نائباً، وهو المطلب الرئيسي للتيار الوطني الحرّ، بينما نجح الحريري في الحدّ من خسائره.

أما الطائفية فهي باقية باقية وتتمدد، ومطلب الدولة المدنية الديمقراطية لا يزال حلما بعيد المدى، ما دامت السلطة السياسية التي تطرح هذه المشاريع لا تزال تعطي الأولوية لحساباتها الفئوية والمذهبية على حساب المصلحة الوطنية والعامة، وتصر على التنكر لإرادة التغيير وإعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية سليمة.

ذلك أن التغيير الحقيقي يبدأ بالعودة إلى الدستور والالتزام بأحكامه نصاً وروحاً، ولكي يحظى قانون الانتخاب بصفة الشرعية يجب أن يستند إلى أحكام الدستور اللبناني، خصوصاً الفقرة "ح" من مقدمة الدستور والمادة 22 منه.

فهذه المادة تنص على انتخاب مجلس نواب على أساس وطني لاطائفي (أي خارج القيد الطائفي)، ومجلس شيوخ، واعتماد النسبية الشاملة، في دائرة وطنية واحدة خارج القيد الطائفي، من دون أي تجزئة أو اجتزاء، حتى يكون النائب يمثل الأمة جمعاء وليس فئة واحدة أو طائفة أو منطقة.



المزيد من الكاتب

حول هذه القصة

ما يجري حاليا في لبنان يجب ألا يفصل عن ظروفه وسياقاته، فالنفوذ الإيراني يتمدد بعمق بعدة مسارات عربية خالصة، والتوافق الغربي الإيراني بلغ مستويات متقدمة، في ظل عجز عربي واضح.

الأكثر قراءة