"الخاطف كان لطيفا وسمح لنا أن نأكل".. التاريخ وراء "متلازمة ستوكهولم"

متلازمة ستوكهولم هي حالة نفسية تتعاطف فيها الضحية مع الجاني (بيكسابي)
متلازمة ستوكهولم هي حالة نفسية تتعاطف فيها الضحية مع الجاني (بيكسابي)

سمع كثير منا عن متلازمة ستوكهولم، خصوصا بعدما ذاع صيتها من مسلسل "لا كاسا دي بابيل" (La Casa de Papel) الإسباني، وهي حالة نفسية تتعاطف فيها الضحية مع الجاني وتشكل مشاعر إيجابية تجاهه، تعاكس مشاعر الخوف والرعب والازدراء المتوقعة من الضحايا في مثل هذه المواقف.

ورغم أن المتلازمة عادة ما ترتبط بحالات الاختطاف والاحتجاز، فإن الأشخاص العاديين قد يصابون بها أيضا استجابة لأنواع مختلفة من الصدمات.

وقبل أن نتحدث عن تفسير علماء النفس لهذه المتلازمة، وطرقهم التي يرون فاعليتها للتعامل مع الضحايا، هل تعرف تاريخ اكتشاف المتلازمة؟

الأشخاص العاديون قد يصابون بمتلازمة ستوكهولم استجابة لأنواع مختلفة من الصدمات (مواقع التواصل الاجتماعي)

تاريخ متلازمة ستوكهولم

متلازمة ستوكهولم (Stockholm Syndrome) لم تكن معروفة لعلماء النفس قبل عام 1974، وقطعا كان هذا السلوك يحدث قبل هذا التاريخ، لكنه لفت الأنظار وخضع للدراسة بعد حادثة اختطاف عرفتها السويد في هذا التاريخ، ونالت المتلازمة اسمها من عاصمة السويد حيث وقعت الحادثة.

هذا المصطلح مرتبط بشكل كبير باسم السيدة الأميركية باتي هيرست، حفيدة الصحفي ويليام راندولف هيرست ووريثة صحيفة كاليفورنيا، التي تعرضت للاختطاف مع آخرين من قبل مجموعة يسارية مسلحة قامت بالسطو على بنك بمدينة ستوكهولم، واحتجزوا جميعا لـ 6 أيام أجرت فيها المجموعة المسلحة مفاوضات مع عائلات الضحايا والجهات الرسمية.

الغريب أن هيرست التي كانت تبلغ حينها 19 عاما تعرضت للضرب المبرح حتى فقدت وعيها، واحتجزت في غرفة مغلقة وظلت معصوبة العينين ومقيدة اليدين، وتلقت تهديدات بالقتل، كما ساوم الخاطفون عائلتها لتوزيع 70 دولارا من المواد الغذائية على كل محتاج من سكان كاليفورنيا، وهي عملية ستكلف عائلتها ما يقدر بنحو 400 مليون دولار.

وبالفعل اقترض والدها وتبرع بقيمة مليوني دولار من المواد الغذائية لفقراء منطقة "باي"، لكن هذا لم يكن كافيا للإفراج السريع عن هيرست، والغريب أنها أظهرت تعاطفا مع الخاطفين لدرجة أنها تورطت معهم.

نشأ هذا التعاطف بعد السماح لها بالخروج لتناول الوجبات مع أفراد العصابة وفك عصبة عينيها، حيث دخلت في نقاشات سياسية مع المجموعة، حتى أنها تورطت في صنع قنابل مع العصابة أثناء احتجازها، وبعد انتهاء عملية السطو بشهرين أعلنت انضمامها للمجموعة رسميا، وألقي القبض عليها مع أحد أفراد المجموعة، ثم أدينت بالتورط في سرقة البنك، وحكم عليها بالسجن لـ 35 عاما، ثم خفف الحكم لاحقا لـ 7 سنوات، وأخيرا نالت عفوا رئاسيا من الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون.

بيت القصيد، أن الفتاة حينها تحولت من ضحية مختطفة إلى عضو يدافع عن مبادئ الخاطفين، وهو حدث تكرر مع ضحايا آخرين في أماكن وأزمان أخرى وبدرجات مختلفة بين التعاطف وصولا إلى الدفاع والاشتراك في الجرائم.

بل إن الحادثة نفسها شهدت تعاطف محتجزين آخرين، إذ أجرى الصحفي الأميركي دانيال لانغ مقابلة لمجلة "نيويوركر" (Newyorker) مع ضحايا الاختطاف لرسم الصورة الكاملة عن الخاطفين والأسرى، وقد تحدث الرهائن عن تلقيهم "معاملة حسنة" من قبل زعيم المجموعة الخاطفة جان إيريك أولسون.

وقالت إليزابيث أولدغرين -وهي إحدى الموظفات في البنك وكانت تعاني من رهاب الأماكن المغلقة- إنها رأت أنه لطف من أولسون أن سمح لها بمغادرة القبو الذي سجنهم فيه، رغم أنه ترك حبلا مثبتا حول رقبتها.

استهوى ذلك السلوك علماء النفس، الذين حاولوا تفسير سلوك الضحايا الذين يتعرضون لتهديدات مرعبة، وتحت تأثير الصدمة يفسرون أي تصرف بسيط مثل منحهم الطعام أو السماح لهم بدخول المرحاض أنه رحمة من مصدر التهديد ثم يختبرون شعورا جيدا تجاه آسرهم.

وقد صاغ الطبيب النفسي السويدي المتخصص في علم الجريمة نيلز بيجيروت اسما لهذا السلوك، وأصبح يعرف بـ"متلازمة ستوكهولم".

من أعراض متلازمة ستوكهولم أن تبدأ الضحية في إدراك إنسانية آسرها (مواقع التواصل الاجتماعي)

أعراض "متلازمة ستوكهولم"

هناك 3 أعراض أساسية تميز المصاب بمتلازمة ستوكهولم، وهي:

1- تطوير الضحية مشاعر إيجابية تجاه الشخص الذي يحتجزها أو يسيء معاملتها.

2- تتطور لدى الضحية مشاعر سلبية تجاه الشرطة أو شخصيات السلطة أو أي شخص قد يحاول مساعدتها على الابتعاد عن آسريها. وقد ترفض حتى التعاون ضد آسرها.

3- تبدأ الضحية في إدراك إنسانية آسرها وتعتقد أن لديها الأهداف والقيم نفسها.

تحدث هذه المشاعر عادة بسبب الموقف العاطفي المشحون للغاية الذي يحدث أثناء الاعتداء. إذ يشعر بعض المختطفين بالتهديد من قبل آسرهم، لكنهم أيضا يعتمدون عليهم بشكل كبير من أجل البقاء أحياء، وإذا أظهر الخاطف أو المعتدي لهم بعض اللطف، فقد يبدؤون في الشعور بمشاعر إيجابية تجاه آسرهم. وهنا تعتبر غريزة البقاء هي جوهر ظهور المتلازمة.

وبالرغم من أن متلازمة ستوكهولم ترتبط بشكل عام بحالات الاختطاف والأسر، فإنها يمكن أن تنطبق على العديد من العلاقات الأخرى المؤذية مثل بعض العلاقات العاطفية التي قد يحدث فيها إساءة جسدية وعاطفية.

وربطت دراسات محفوظة في أرشيف مكتبة الولايات المتحدة الوطنية للطب بينها وبين بعض حوادث الإساءة للأطفال، وفي دراسة نشرت عام 2020، وجد الباحثون أدلة تشير إلى أن ضحايا العنف المنزلي قد يعانون أيضا من متلازمة ستوكهولم.

التعامل مع المصابين بالمتلازمة

المتلازمة لا تزال تخضع للدراسة، لذلك لا يوجد علاج موحد واضح لها، لكن العلاج النفسي لاضطراب ما بعد الصدمة واضطرابات الاكتئاب والقلق يمكن أن يساعد في التخفيف من الشعور المرتبط بالمتلازمة.

وقد يساعد العلاج النفسي طويل المدى على التعافي، إذ من المهم مساعدة المصاب ليفهم سر شعوره، وكيف اكتسبه، وكيف يمكنه تجاوزه، خصوصا أن "متلازمة ستوكهولم" لا تعد تشخيصا رسميا ضمن أمراض الصحة العقلية.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من نفسي
الأكثر قراءة