عاطف الطيب.. البريء الذي ترجم آهات المصريين إلى أفلام وغادر على جناح يمامة

عاطف الطيب الملقب بمخرج "الغلابة" وصاحب المدرسة الواقعية الجديدة (مواقع التواصل)
عاطف الطيب الملقب بمخرج "الغلابة" وصاحب المدرسة الواقعية الجديدة (مواقع التواصل)

في مثل هذه الأيام وللعام 25 على التوالي، تكثر المقالات عن المخرج السينمائي عاطف الطيب في ذكرى رحيله، واصفة إياه بالفنان المقاوم ومخرج "الغلابة" وصاحب المدرسة الواقعية الجديدة، وغيرها من الأوصاف الحقيقية عن الطيب وفنه.

ورغم ذلك نرى أثرا ملموسا لتجربته الإبداعية في أداء السينما المصرية على مدى هذه الفترة الطويلة، وكأن صُناعها حيل بينهم وبين ذلك، أو ربما استصعبوا السير في طريق الآلام الذي سار فيه وأتعب مَن بعده، بإطلاقه دعوات البحث عن الهوية والتمرد على الواقع المهدد للثوابت وفضح الفساد، حتى أصبح أكثر مخرجي السينما غوصا في الحالة المصرية، قبل أن يغادر سريعا في عام 1995.

ولكي نفهم ما حدث في مصر من تحولات منذ بداية الثمانينيات، سنتابع خطوط رسائله الأساسية من خلال مجموعة من أعظم أفلامه.

البطولة والثمن

أبطال عاطف الطيب ليسوا ملائكة ولا شياطين، إنهم مصريون عاديون يصارعون لانتزاع حقوقهم.

ففي "سواق الأتوبيس" الذي أخرجه عام 1982، قدم الطيب مرثية لروح العبور، وصرخة احتجاج على تغيير هوية شعب يسحقه الانفتاح، من خلال البطل حسن (نور الشريف) الذي يحارب لإنهاء الحجز على ورشة أبيه "أهم ورشة في المنطقة" (في إشارة رمزية لمصر).

وفي "البريء" الذي أخرجه عام 1986، كان بطلنا هو أحمد سبع الليل (أحمد زكي) الريفي المجند في معتقل سياسي، الذي يصارع فكرة لقّنوه إياها من أول يوم، وهي أن كل من يدخلون المعتقل هم أعداء للوطن، وكلما أمعن في تعذيبهم أو قتلهم سيجد المكافآت في انتظاره.

أما في فيلم "الهروب" عام 1991، فقد أطلق الطيب "تنويحة صعيدية" على بطلنا "منتصر" الذي يواجه السجن والمطاردة، لرفضه المشاركة في ظلم "الغلابة" والاستيلاء على أموالهم مقابل تسفيرهم إلى الخارج بتأشيرات مزورة، ليتحول إلى بطل شعبي تُحكى عنه الأساطير.

وفي عام 1992، أخرج "ضد الحكومة" وقدم لنا مصطفى خلف المحامي (أحمد زكي) الذي كان طالبا ثوريا وأصبح محاميا شهيرا، يجسد في شخصه حجم الفساد المستشري في البلاد، حتى يدفع الثمن وهو يرى ابنه بين ضحايا حادث مروع، من حوادث الطرق التي يتربح من دماء ضحاياها.

وقبل رحيله في عام 1995، أخرج "ليلة ساخنة" ليعرفنا على سيد (نور الشريف) سائق سيارة الأجرة الذي يكافح لتدبير تكاليف عملية جراحية لحماته التي تعتني بابنه المعاق ذهنيا، وحورية (لبلبة) التي تراجعت عن "توبتها" لتدبير المال اللازم لترميم بيتها، لتجمعهما الأقدار في ليلة ساخنة بالأحداث.

الهوية والكبرياء

ولأن الكبرياء والهوية هما معركة الطيب الأساسية، رأينا في "سواق الأتوبيس" كيف رد حسن بكبرياء على زوجته (ميرفت أمين) عندما هددت بطلب الطلاق إذا باع سيارة الأجرة، بأنها طالق سواء باعها أم لم يبعها. وفي الكبرياء الوطني للأب (عماد حمدي) وفخره بمقاومة الاحتلال الإنجليزي، وفي لقاء المحاربين وحكايات البطولة على خلفية الهرم والنشيد الوطني.

وهو الكبرياء الذي أبداه الجندي البسيط أحمد سبع الليل في "البريء" عندما فوجئ بوجود صديقه وابن بلدته المتعلم حسين، ابن الشيخ وهدان (رمز الهوية)، والذي من المستحيل أن يكون من "أعداء الوطن"، فلم يتردد في الدفاع عنه حتى يتمزق جسده وجسد صديقه.

وكبرياء منتصر في "الهروب"، ذاك الجنوبي العنيد الذي يكتم أنينه ويخبئه في شجن موسيقى مودي الإمام، الشديد التعلق بهويته (بلده) "اللي مفيش أحسن منها، مهما قالوا عنها"، و(أمه) التي لم يتردد في أن يُسلم نفسه عندما قبضوا عليها، للضغط عليه، فقيمه لا تسمح بإهانة أمه تحت أي ظرف.

وكبرياء مصطفى خلف في "ضد الحكومة" وهو يدافع عن هويته المتمثلة في مستقبل ابنه الضحية، بعد أن يتطهر من أخطائه وخطاياه في مرافعته التاريخية، ليفتح لنا بابا للعودة إلى هويتنا، والتخلي عن السلبية التي جعلتنا "كلنا فاسدين، حتى بالصمت العاجز الموافق قليل الحيلة".

وأخيرا في كبرياء سيد، في "ليلة ساخنة" وهو يكدح للحصول على المال بعرقه، باحثا عن هويته في بيت دافئ وامرأة ترعى حماته وابنه، و حورية التي تعالت على ماضيها المخجل وانطلقت باحثة عن هويتها في البطل سيد، وطنها الجديد الذي سيحميها من الذئاب.

التمرد والانتقام

يصر عاطف الطيب على أن أبطاله متمردون وليسوا مجرمين، فهم لا يزاوجون بين القيم ولا يطيقون الضغوط. وإذا تورطوا في الاقتراب من السلطة فإنهم يقبلون بتحمل الثمن الفادح للتراجع، لكنهم يثأرون ولو رمزيا؛ فعنده لا عودة للأصل بغير التمرد والبطولة.

ففي مشهد النهاية في "سواق الأتوبيس"، رأينا حسن وهو يطارد لصا وينهال عليه ضربا، وكأنه ينتقم لوطنه الذي يُسرق ليل نهار في شخص هذا اللص، وموسيقى النشيد الوطني في خلفية المعركة.

وفي "البريء" يعود سبع الليل إلى المعتقل بعد مقتل صديقه بلدغة ثعبان، وانقضاء فترة تكديره بسبب دفاعه عنه، ويصعد أعلى برج المراقبة ممسكا بسلاحه الذي يوجهه صوب من في المعسكر من ضباط وجنود، ويبدأ إطلاق النار عشوائيا حتى يقتل الجميع. ويهبط من أعلى البرج وهو يعزف لحنا حزينا على الناي، حتى نهاية الفيلم التي حذفت من أجل السماح بعرضه للجمهور.

وفي "الهروب" لم يكن أمام منتصر غير التمرد على الجميع وإصدار أحكامه وتنفيذها وفقا لقيمه الموروثة، بعد أن أصبح رمزا للثورة ضد الاستبداد والظلم وانهيار القيم .

وفي "ضد الحكومة" يستعيد مصطفى خلف شجاعته وثوريته، وينتقم متهما وزراء ومسؤولين باعتبارهم الجناة الحقيقيين، ويصبح بطلا شعبيا يقف ضد الحكومة.

أما في "ليلة ساخنة" فيكون التمرد والانتقام بالاشتباك مع الفساد والاستيلاء على أموال المجرمين.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

على عكس ما عرضه عاطف الطيب بفيلم "البريء" بشأن ما يتعرض له السجناء داخل مصر من تعذيب، قدم النظام المصري صورة منمقة لحال المساجين وما يتنعمون به إلا أنها لم تقنع مجلس حقوق الإنسان. تقرير: زياد بركات/قراءة: عمر عبد اللطيف تاريخ البث: 2019/11/13

بعد الإعلان عن موعد عرض فيلم "رأس السنة" بدايات العام الماضي، تراجعت الرقابة عن منحه تصريحا بالعرض، ليظل حبيس الأدراج قرابة العام، قبل أن يبدأ عرضه تجاريا هذا الأسبوع.

المزيد من سينما
الأكثر قراءة