غموض وترقب.. ما مصير لبنان في الاتفاق الأمريكي الإيراني الجديد؟

تسود الأجواء الضبابية بشأن شمولية الاتفاق بين واشنطن وطهران -الذي لم تُكشف بنوده حتى الآن- جبهة القتال في لبنان.
ففيما يؤكد مسؤولون إيرانيون وباكستانيون أن مذكرة التفاهم تشمل لبنان بالفعل، وتنص على "الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات"، يعزز الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حالة الغموض، مصرّحا بأن النزاع في لبنان سيُبحث من أجل تسويته، ومضيفا "علينا أن نتحدث مع إسرائيل بهذا الشأن".
أما إسرائيل، فيصرّح رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو بأن الاتفاق أبرمه ترمب، مشيرا إلى أن "هذا قراره ونحن لنا مصالحنا الخاصة"، مؤكدا على الاحتفاظ بحرية التحرك والعمل العسكري.
ومنذ الإعلان عن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران مع منتصف ليلة الاثنين، أعرب العديد من المسؤولين الإسرائيليين عن غضبهم، مشدّدين على أن المذكرة غير ملزمة لإسرائيل بالانسحاب من جنوب لبنان، ومتعهدين بمواصلة هجماتهم.
وبالفعل، استمرت الغارات والهجمات المدفعية الإسرائيلية على بلدتيْ كفرتبنيت والفوقا في النبطية جنوبي لبنان رغم سريان وقف إطلاق النار، في حين رُصدت عودة مئات اللبنانيين إلى قراهم وبلداتهم، وسط دعوات من الجيش اللبناني وحزب الله إلى التريث في العودة إلى حين اتضاح المشهد.

وتاليا مواقف الأطراف المتباينة إزاء علاقة الاتفاق المعلن بالجبهة اللبنانية.
الولايات المتحدة: صمت وانحياز لإسرائيل
- غياب الإعلان الرسمي
لم يصدر عن الرئيس الأمريكي ترمب أو المسؤولين في إدارته ما يحسم موقف الاتفاق المعلن من لبنان، غير أن مسؤولا أمريكيا رفيع المستوى أكد أن تفاصيل مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران ستُنشر للرأي العام خلال 24 إلى 48 ساعة، موضحا أن الكشف عنها سيسمح بفهم أوسع لمضمونها.
كما أكد ترمب أنها ستنشر بعد توقيعها يوم الجمعة القادم.
- انسحاب إسرائيل ليس شرطا
لكن موقع أكسيوس نقل عن مسؤول أمريكي كبير قوله إن الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان "ليس شرطا للتوصل إلى اتفاق مع إيران"، مشيرا إلى أن إسرائيل تحتفظ بـ"حقها في الدفاع عن نفسها والرد" إذا شن حزب الله هجوما عليها.
إيران: شمولية لبنان شرط أساسي
في المقابل، تصرّ طهران على أن الاتفاق يشمل جبهة لبنان. ووفق آخر التصريحات الرسمية الصادرة عن الخارجية الإيرانية، فإن رئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه بري أعربا عن تقديرهما لإدراج إنهاء الحرب في لبنان ضمن نص مذكرة التفاهم، خلال اتصالين مع الوزير عباس عراقجي.
- تعديلات جديدة
ونقلت وكالة فارس عن مصادر قريبة من فريق التفاوض الإيراني قولها إن بعض التعديلات أُدخلت على نص مذكرة التفاهم خلال الساعات الأخيرة من المفاوضات، مشيرين إلى أن من أهم هذه التعديلات كان إدراج عبارة تؤكد "احترام وحدة أراضي لبنان وسيادته"، و"الإنهاء الفوري والدائم للحرب بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما".
- واشنطن مسؤولة
ونقلت الخارجية عن عراقجي تأكيده مسؤولية واشنطن عن ضمان حسن تنفيذ بنود مذكرة التفاهم، وضرورة الوقف الكامل للهجمات الإسرائيلية على لبنان، مشيرة إلى أن الوزير أطلع رئيسيْ الجمهورية والبرلمان اللبنانييْن على تفاصيل بنود مذكرة التفاهم، ولا سيما تلك المتعلقة بلبنان.
- توقعات بـ"نكث العهود"
وبينما توعد المتحدث باسم الجيش الإيراني بإعادة الوضع العسكري في المنطقة إلى ما كان عليه قبل الاتفاق "إذا انتهك العدو التزاماته"، قال عراقجي في تصريح آخر: "لدينا سجل من نكث العهود وعدم تنفيذ الالتزامات وتمزيق الاتفاقيات، وكل ذلك حاضر في أذهاننا".
وكان كاظم غريب آبادي -نائب وزير الخارجية الإيراني- أكد أن التفاهم يشمل لبنان أيضا، وقال "سيُعلن وقف الحرب والعمليات العسكرية بشكل فوري ودائم على مختلف الجبهات، بما في ذلك لبنان".
وذكرت وسائل إعلام إيرانية أن الاتفاق يشمل وقف الحرب على جميع الجبهات -بما يشمل إيران ولبنان- كشرط أساسي، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة ستتعهد بهذا الالتزام أيضا نيابة عن إسرائيل.
إسرائيل: الاتفاق مروّع ولن ننسحب من لبنان
تعكس المواقف الإسرائيلية رفضا وتحفظا واضحا بشأن الاتفاق بين واشنطن وطهران، إذ يُجمع نتنياهو ووزراء المجلس الأمني المصغر وقادة الأجهزة الأمنية على وصفه بـ"المروع"، وفق ما نقلته القناة 13 الإسرائيلية.
- نتنياهو: لست متأكدا من تفاصيل الاتفاق
وفي آخر تصريحاته مساء الاثنين، شدد نتنياهو على عزمه تنفيذ ما جرى في قطاع غزة -خلال عاميْ الإبادة الإسرائيلية- في لبنان، مشددا على بقاء الجيش الإسرائيلي في ما أسماها "المنطقة الأمنية العازلة" في لبنان، ومهددا بقوله: "لن نسمح للتنظيمات الإرهابية بالتمركز على حدودنا"، في إشارة إلى حزب الله.
وصرّح نتنياهو -المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب- بأنه يجهل تفاصيل الاتفاق بين واشنطن وطهران، معتبرا أن توقيع ترمب على الاتفاق شأن خاص به، لافتا إلى أنه "يصرّ على المصالح الأمنية" في العلاقة مع ترمب والولايات المتحدة.
وأكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس معارضته انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان "على الرغم من كل الضغوط الحالية والمستقبلية".
من جانبه، اعتبر وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير أن التفاهم لا يُلزم إسرائيل، مشيرا إلى أن إسرائيل ليست مستعمرة أمريكية.
- توافق إسرائيلي أمريكي
ونقلت القناة 13 عن مصدر أن ثمة توافقا بين إسرائيل وأمريكا على عدم الانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان، مشيرا -في الوقت ذاته- إلى أن إسرائيل ما زالت تحاول حتى الساعة الحصول على بنود الاتفاق الرسمي "دون جدوى".
وكرر مسؤول إسرائيلي للقناة 13 تأكيده عدم الانسحاب، غير أنه استدرك قائلا "لكن اعتبارا من الآن ستخضع كل عملية عسكرية للفحص والمراجعة".
ووفق القناة الإسرائيلية، فقد جرت محادثة متوترة بين نتنياهو وجيه دي فانس -نائب الرئيس الأمريكي- تناولت الوجود الإسرائيلي في لبنان.
ونقلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن مسؤولين في الكابينت الإسرائيلي أن الاتفاق لا يتضمن أي مطلب بانسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان، لافتين إلى أن هناك صيغا تتحدث عن الاعتراف بسيادة لبنان، وأن ترمب طرح مسألة الانسحاب أمام نتنياهو غير أن الأخير رفضها، وفق الصحيفة.
وأفادت القناة 12 الإسرائيلية بأن المؤسسة الأمنية أوصت القيادة السياسية الإسرائيلية بصوابية التوصل إلى اتفاق مع الحكومة اللبنانية في الوقت الحالي.
لبنان الرسمي: ترحيب وآمال بتوقف الحرب
وفي لبنان، رحب الرئيس عون بالتفاهم الذي جرى التوصل إليه بين واشنطن وطهران، معربا -خلال اتصال مع وزير الخارجية الإيراني- عن أمله في أن يشكل خطوة إيجابية نحو تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.
ووفق بيان للرئاسة اللبنانية، فإن الوزير عراقجي أكد للرئيس جوزيف عون أهمية احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه من قبل جميع الأطراف.
وثمّن الرئيس اللبناني ما تضمنته مذكرة التفاهم من "احترام للخصوصية اللبنانية، وإقرار بأن استقرار لبنان وأمنه يشكلان جزءا لا يتجزأ من أي مسعى جدي لترسيخ الاستقرار في المنطقة".
من جانبه، أشاد رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري بالاتفاق، كما شكر إيران والولايات المتحدة على تضمين بند "بشأن وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان بأكمله، للحفاظ على سيادته على كامل أراضيه".

حزب الله: إشادة بإيران وتأكيد على حق المقاومة
كما رحّب حزب الله بمذكرة التفاهم، مشيدا بإصرار إيران على إدراج الجبهة اللبنانية ضمن اتفاق وقف إطلاق النار الذي سيوقّع الجمعة المقبل، معتبرا أن "إدراج لبنان ضمن الاتفاق يعكس التزام إيران بضمان وقف الحرب والحفاظ على حقوق لبنان".
ودعا حزب الله -في بيان- الحكومة اللبنانية إلى الاستفادة من هذه المظلة الإقليمية والدولية لتحقيق سيادة لبنان وتحرير أرضه من الاحتلال الإسرائيلي.

وقال الحزب إن "المقاومة ستبقى متمسكة بحق لبنان المشروع والثابت في الدفاع عن أرضه وشعبه وسيادته حتى تحقيق الانسحاب الكامل وعودة الأسرى".
ونقلت مراسلة رويترز عن مسؤول في حزب الله قوله إن الحزب لم ينفذ أي عمليات منذ الإعلان عن الاتفاق الإيراني الأمريكي حتى بعد ظهر الاثنين، مشيرا إلى أن إيران أخّرت توقيع الاتفاق لمراقبة التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار في لبنان.
ومنذ 2 مارس/آذار الماضي أي بعد يومين من اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تشن تل أبيب عدوانا موسعا على لبنان، مما خلّف 3783 قتيلا وحوالي 11700 جريح، فضلا عن أكثر من مليون نازح، وفق وزارة الصحة اللبنانية.