السويداء بين التصعيد والرهانات الخارجية.. من يعرقل الحل؟

عاد ملف السويداء إلى الواجهة مجددا، مع حضوره في سباق الانتخابات الإسرائيلية من جهة، وتصريح المبعوث الأمريكي إلى سوريا والعراق توم براك قبل 3 أيام بأن المحافظة أصبحت "مركزا لتصنيع الكبتاغون"، وحديثه عن "شيخ درزي بعينه يستغل الانطباع بوجود دعم إسرائيلي".
ويأتي ذلك في وقت لا يزال فيه المسار السياسي لحل أزمة المحافظة متعثرًا، وسط تمسك الزعيم الدرزي حكمت الهجري بالرهان على العامل الإسرائيلي، ورفضه "خريطة الطريق لحل أزمة السويداء" التي طُرحت في سبتمبر/أيلول 2025.
قصص مقترحة
list of 2 itemsوفي آخر تطور يعكس استمرار التوتر، أغلقت مجموعات من "الحرس الوطني" التابع للهجري، صباح السبت، طريق دمشق-السويداء كليا عند حاجز أم الزيتون، ثم فتحته مساء.
وتسبب إغلاق الطريق في إرباك حركة الأهالي، وأعاد المخاوف من استخدام الطرق وسيلة للضغط أو فرض القيود على التنقل، بما قد يعرقل وصول الطلبة والمرضى والموظفين إلى وجهاتهم، فضلا عن انعكاساته على نقل المواد الغذائية والتموينية إلى المحافظة.
تكريس الفوضى
وأكد مدير مديرية إعلام السويداء مرهف الشاعر السبت، أن "المجموعات الخارجة عن القانون تحاول تكريس حالة من الفوضى والحصار، خدمة للمشروع الواهم الذي وعدت الناس به وفشلت في تحقيقه".
وجدد في تصريح لـ"الإخبارية السورية" استعداد الحكومة السورية "لبحث مطالب أهالي السويداء وإعادة بناء الثقة مع أبناء الوطن"، مشيرا إلى ضرورة التمييز بين حقوق الأهالي والمجموعات التي تتحكم في قرار المحافظة وتصادر قرارهم.
وأعلن محافظ السويداء مصطفى البكور في 18 أكتوبر/تشرين الأول الجاري استعداد الدولة للحوار وطرح الملفات المتعلقة بالمحافظة على طاولة النقاش، مؤكدا ضرورة تشكيل لجان من أبناء المحافظة مخولة بحث المطالب والمخاوف والتوصل إلى حلول تستند إلى ضمانات متبادلة والتزامات واضحة ضمن إطار القانون.
في المقابل، تحدثت ما تسمى "غرفة عمليات شهبا في الحرس الوطني"، عن إعادة فتح طريق دمشق-السويداء مساء السبت، بعد أن أغلقته مجموعات من "أهالي المغيبين والمفقودين"، معتبرة ذلك وسيلة "ضغط لمتابعة ملف أبنائهم وحثّ الجهات المعنية والمختصة ومجلس إدارة جبل باشان على التجاوب الفعلي والرد على مطالبهم".
انتشار المخدرات
في هذه الأثناء، بث "الحرس الوطني" -على صفحات التواصل الاجتماعي- مشاهد لما قال إنها عملية أمنية للقبض على مروجي المخدرات في المحافظة، بعد ساعات من تصريحات براك عن تحول السويداء إلى مركز لتصنيع المخدرات.
وكان براك قد قال -في مقابلة أجراها مع صانع المحتوى ماريو نوفال- "ما يقلقني في الجنوب السوري وجود شيخ درزي بعينه يستغل الانطباع بوجود دعم إسرائيلي من أجل اضطهاد الدروز الآخرين"، متحدثا عن صناعة الكبتاغون وتجارة المخدرات غير المشروعة في المحافظة.
ويجاهر الهجري بعلاقاته بإسرائيل، معتبرا أن دروز السويداء "جزء لا يتجزأ من إسرائيل"، كما يحاول الإيحاء بدعمه أمريكيا أثناء حديثه عن "الحلفاء والضامنين الدوليين"، ويشكر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وهو ما نفاه توم براك.
وسخّنت الانتخابات الإسرائيلية الأجواء المتوترة أصلا في محافظة السويداء، خاصة بعد حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن إجرائه اتصالا مع الرئيس السوري أحمد الشرع خلال أحداث السويداء في يوليو/تموز العام الماضي، وأن ذلك أسهم في وقف ما سماها "المجزرة".
وجاء حديث نتنياهو في 15 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أمام تجمع لدروز إسرائيل، خاطبهم قائلا سأواصل مساعينا لـ"حمايتكم وحماية إخوتنا وإخوتكم".
وبعد ساعات من حديث نتنياهو، رفضت دمشق في بيان نشرته "سانا" على لسان مصدر بالحكومة السورية، زج المكون الدرزي في "الدعايات والانتخابات الإسرائيلية"، مؤكدة أن هذا المكون "كان وسيظل جزءا أصيلا لا يتجزأ من النسيج الوطني للجمهورية العربية السورية".
رفض خريطة الحل
وبينما رفعت تصريحات نتنياهو منسوب التوتر في المحافظة، خاصة مع ترويج مناصرين من تيار الهجري لروايات عن اقتراب شنهم عملا عسكريا ضد قوات الحكومة السورية، أثارت تصريحات توم براك الأخيرة صدمة في حاضنة الهجري وفتحت مجددا باب التساؤلات عن مصير المحافظة التي يتعثر طريق الحل فيها.
وفي سبتمبر/أيلول 2025، أعلنت "اللجنة القانونية العليا في السويداء" -التابعة للهجري- رفضها بيان وزارة الخارجية السورية حول خريطة طريق لحل الأزمة في المحافظة، مؤكدة حق السويداء في تقرير مصيرها عبر الانفصال أو الإدارة الذاتية.
واتهمت اللجنة في بيانها، الحكومة السورية بالتنصل من المسؤولية، معتبرة الحكومة وأجهزتها الأمنية والعسكرية "شريكا مباشرا في المجازر والانتهاكات التي طالت آلاف المدنيين بين قتلى ومفقودين ومختطفين".
ما هي خريطة الحل؟
في 16 سبتمبر/أيلول أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، خلال مؤتمر صحفي مشترك في دمشق، مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، والمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم براك عن خريطة طريق لحل الأزمة في محافظة السويداء جنوبي البلاد.
وتضمنت تلك الخريطة عدة نقاط بينها محاسبة كل من اعتدى على المدنيين وممتلكاتهم بالتنسيق الكامل مع المنظومة الأممية للتحقيق والتقصي، وضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية والطبية من دون انقطاع وضمان تعويض المتضررين وترميم القرى والبلدات وتسهيل عودة النازحين، والعمل على كشف مصير المفقودين وإعادة المحتجزين والمخطوفين إلى عائلاتهم من جميع الأطراف، وإطلاق مسار للمصالحة الداخلية يشارك فيه أبناء السويداء بجميع مكوناتهم.
كيف بدأت الأحداث؟
ووفقًا للجنة التحقيق الخاصة بأحداث السويداء، تصاعدت موجات العنف بين أبناء المنطقة من "البدو والدروز" خلال الفترة الممتدة من 11 إلى 20 يوليو/تموز 2025، وشملت مصادرة الممتلكات، وحالات خطف وخطف مقابل، واعتداءات وانتهاكات تورطت فيها مختلف الأطراف.
وبلغ العنف ذروته في 13 يوليو/تموز 2025، وتوسعت الاشتباكات سريعا في القرى والبلدات لتوقع مئات الضحايا، فتدخلت القوات الحكومية لمحاولة احتواء المشهد.
وقالت اللجنة إن هذه الخلافات استدعت تدخلا حكوميا لفض الاشتباك وفرض حالة الأمن، إلا أن القوات الحكومية قوبلت بمواجهات مسلحة وتعرضت لعدة كمائن، إضافة إلى قصف الطيران الإسرائيلي للقوات الحكومية في المنطقة وقيادة الأركان في دمشق، مما تسبب في مزيد من الفوضى والأعمال الانتقامية.
وفي 19 يوليو/تموز من العام الماضي، أعلنت الحكومة السورية وقفا شاملا لإطلاق النار في المحافظة، ونشرت قوات إضافية في محيط المدن الرئيسية، في محاولة لإعادة الأمن وفتح الطريق أمام تسوية أولية.
وأعلنت اللجنة أن عدد الضحايا من جميع الأطراف بلغ 1760 ضحية، كما بلغ عدد المصابين 2188.