شتاء جديد يفتح أبواب الأمراض والأوبئة في غزة

لم يعد الشتاء بالنسبة إلى سكان قطاع غزة مجرد فصل تنخفض فيه درجات الحرارة وتهطل فيه الأمطار. فبعد قرابة 3 سنوات من الحرب والدمار والنزوح المتكرر، يأتي موسم البرد هذا العام ليضيف أخطارا صحية جديدة إلى واقع يعاني فيه السكان من ضعف المأوى، وتلوث المياه، وتدهور خدمات الصرف الصحي، ونقص الخدمات الطبية.
وتحذر منظمات دولية من أن اجتماع البرد والأمطار والفيضانات المحتملة مع الخيام الهشة والاكتظاظ وسوء التغذية قد يحول الأشهر المقبلة إلى اختبار جديد لقدرة السكان، ولا سيما الأطفال، على الصمود.
قصص مقترحة
list of 2 itemsقطاع مدمر وشتاء قارس
أفاد تقرير لمنظمة اليونيسف، نُشر في سبتمبر/أيلول الماضي عن الوضع في قطاع غزة، بأنه لا يزال نحو 84% من السكان، أي أكثر من 1.76 مليون نسمة، يعيشون في مخيمات نزوح مكتظة أو في ملاجئ متضررة وغير ملائمة، مع قلة الحماية من البرد القارس والأمطار الغزيرة والفيضانات.
وتعرض هذه الظروف الأطفال لخطر انخفاض حرارة الجسم، والتهابات الجهاز التنفسي، والأمراض المنقولة بالمياه، مما يزيد خطر انتشارها.
ونتيجة لهذه الظروف، وخلال الشتاء الماضي في غزة، أفادت التقارير الرسمية لمنظمة اليونيسف المعنية بالطفولة بوفاة ما لا يقل عن 11 طفلا، بينهم رضع، بسبب انخفاض حرارة الجسم، وأرجعت الأسباب إلى عدم الاستعداد العاجل والتحرك المبكر، محذرة من أن الأطفال الذين أضعفهم النزوح وسوء التغذية والأمراض المتكررة سيواجهون شتاء آخر عام 2026 في ظروف بالغة الخطورة.
وبحسب تقرير لمنظمة الصحة العالمية عن حالة الصحة العامة في القطاع، فقد أدى استهداف المستشفيات خلال الحرب إلى وقف العمل كليا أو جزئيا داخلها، إذ لا يعمل منها سوى 18 مستشفى بشكل جزئي من أصل 36 مستشفى قبل الحرب، مما أدى إلى تدهور الخدمات الصحية، فأصبحت المستشفيات مكتظة بالمرضى وتدهورت حالتهم الصحية لعدم قدرة القطاع الصحي بما لديه من إمكانات على تلبية احتياجاتهم، مما زاد معاناتهم ورفع معدلات الوفيات نتيجة سوء الخدمات الصحية.
وتشير منظمة أطباء بلا حدود إلى انتشار أمراض مرتبطة مباشرة بسوء الأحوال المعيشية، مثل الأمراض الجلدية و"الجرب" نتيجة نقص المياه النظيفة الضرورية للاستحمام والنظافة الشخصية، ونقص مواد التطهير. وتشكل أمراض الإسهال المائي والتهابات الجهاز التنفسي نحو 17.5% من إجمالي الاستشارات الطبية داخل العيادات، وتزداد نسب الإصابة بها وتنتشر مع انخفاض درجات الحرارة ودخول فصل الشتاء، بالإضافة إلى السكن داخل مخيمات تغمرها مياه الأمطار دون تصريف لها، وهو ما يزيد انتشار حالات الإصابة وتفاقم الأعراض.

الموت بردا وجوعا
حذرت منظمة الصحة العالمية في تقريرها عن التعرض للأحداث المناخية في قطاع غزة الشتاء الماضي من أن القطاع يدخل فصل الشتاء في ظل ظروف إنسانية وصحية غير مسبوقة تجعل السكان أكثر عرضة لتداعيات الظواهر المناخية القاسية، وأشارت التقديرات إلى أن نحو 1.9 مليون شخص، أي ما يزيد على 70% من سكان القطاع، يعيشون في مناطق معرضة بشدة للأخطار المناخية، في وقت تعاني فيه البنية التحتية الأساسية من انهيار واسع النطاق.
وتتوقع المنظمة أن يشهد موسم الشتاء هطل أمطار تتراوح بين 450 و500 مليمتر، إلى جانب رياح قوية وعواصف وارتفاع في أمواج البحر، وهي ظروف قد تتسبب في تفاقم الأزمة الإنسانية، خاصة في ظل إقامة مئات الآلاف من النازحين داخل خيام مؤقتة لا توفر الحماية الكافية من الأمطار أو الرياح.
ويشير التقرير إلى أن قطاع غزة يواجه في الوقت نفسه تحديات بيئية وصحية متداخلة، من بينها تجمع مياه الصرف الصحي في مناطق واسعة، وتراكم ما يقارب نصف مليون طن من النفايات، بما يشمل نفايات طبية خطرة، دون القدرة على جمعها أو التخلص منها بصورة آمنة؛ مما يؤدي إلى زيادة احتمالات تلوث المياه وانتشار الأمراض مع بداية موسم الأمطار.
وحذرت منظمة الصحة العالمية من أن مستوى التعرض للأخطار المناخية ارتفع بصورة حادة منذ اندلاع الحرب، إذ انتقل من نحو 60% قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى أكثر من 90% مطلع عام 2026، مما يعني أن غالبية السكان أصبحوا معرضين في الوقت نفسه لأخطار الفيضانات، وتلوث البيئة، وانتشار الأمراض المعدية، والأضرار الناتجة عن الرياح الشديدة والعواصف الساحلية.
وترى المنظمة أن تزامن النزوح الجماعي مع هذه الظروف المناخية أوجد أزمة إنسانية مركبة، إذ أصبحت الأخطار الصحية والبيئية تتداخل بصورة غير مسبوقة، وهو ما يزيد احتمالات وقوع أزمات صحية واسعة خلال فصل الشتاء إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة للتخفيف من آثارها.
وما يحتاج إليه حاليا قطاع غزة لتخفيف آثار تلك الأحداث المناخية القاسية يشمل إنشاء أنظمة للإنذار المبكر، واختيار مواقع أكثر أمانا لإقامة مراكز الإيواء، وتحسين شبكات تصريف مياه الأمطار، وضمان استمرار وصول المساعدات الإنسانية بما يتناسب مع الظروف الجوية المتوقعة.
ووفقا لتقديرات مجموعة المأوى (Shelter Cluster)، يحتاج نحو 1.5 مليون شخص إلى مواد خاصة بالمأوى، ويحتاج العدد نفسه تقريبا إلى مستلزمات منزلية أساسية تساعدهم على مواجهة ظروف الشتاء.

كيف يمكن إنقاذ القطاع؟
دعت منظمة اليونيسف، في تقرير لها في 17 سبتمبر/أيلول الماضي، إلى ضرورة توفير 97.5 مليون دولار أمريكي لحماية 540 ألف طفل وأسرهم في جميع أنحاء قطاع غزة والضفة الغربية من انخفاض في درجات الحرارة إلى حد التجمد وغزارة في الأمطار والفيضانات وغيرها من الظروف الشتوية التي تهدد الحياة.
وقال الممثل الخاص لمنظمة اليونيسف في دولة فلسطين جوناثان فيتش: "بالنسبة لمئات الآلاف من الأطفال، لا يمثل فصل الشتاء مجرد صعوبة موسمية فحسب، بل يمثل أيضا تهديدا آخر لبقاء الأطفال وسلامتهم" .
وتركز استجابة اليونيسف الشتوية، التي تغطي الفترة الممتدة من أكتوبر/تشرين الأول 2026 إلى مارس/آذار 2027، على إعطاء الأولوية للأطفال والأسر المتضررة من النزوح وعدم كفاية المأوى، فضلا عن المعرضين لخطر الفيضانات والبرد القارس وانقطاع الخدمات الأساسية.
وتشمل المساعدات المطلوبة والعاجلة لإنقاذ هؤلاء السكان قبل حلول الشتاء، بحسب اليونيسف، الملابس والبطانيات الحرارية، وتعزيز الملاجئ الطارئة، وتوفير الخيام للأسر الأكثر احتياجا، وتنظيف الطرق وشبكات الصرف الصحي، وإزالة النفايات الصلبة، وعزل المراحيض ضد العوامل الجوية، وغيرها من التدابير للحد من تلوث مياه الفيضانات وأخطار الأمراض، بالإضافة إلى التوعية الصحية والسلامة.
آلية مستدامة للمساعدات
ومن جانبه، قال الدكتور في اقتصاديات الصحة وعلم انتشار الأوبئة إسلام عنان، إن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة أدى إلى تدهور البنية التحتية الصحية، مما حد من إمكانية الوصول إلى الرعاية والإمدادات الطبية الأساسية، مشددا على ضرورة الوصول إلى آلية مستدامة لإرسال مساعدات طبية مستمرة بهدف معالجة النقص الحاد في الإمدادات والخدمات الطبية، إذ تعد هذه المساعدات ضرورية لمنع تفشي الأمراض، وعلاج الإصابات، وإدارة الحالات المزمنة، وإنقاذ الأرواح.
وأضاف عنان في حديثه للجزيرة نت أن هناك نقصا حادا في الإمدادات الطبية، بما فيها الاحتياجات الرئيسة مثل أكياس الدم الضرورية للعمليات الجراحية الطارئة وعلاج المصابين، والأدوية الأساسية للطوارئ، واللقاحات اللازمة لمنع تفشي أمراض مثل شلل الأطفال والجدري المائي، ومحاليل معالجة الجفاف وأدوية الدوسنتاريا والإسهال للأطفال الناتجة عن نقص الغذاء والمياه النظيفة.
ونبه عنان إلى ضرورة توافر أدوات وفلاتر تنقية المياه مثل تلك التي تستخدمها حاليا منظمة الصحة من فلاتر سريعة وطرق بيولوجية لتنقية المياه في المناطق المنكوبة في أفريقيا، حتى يتمكن السكان من الحصول على مصادر مياه نظيفة للشرب والنظافة الشخصية لتقليل حالات انتشار الأمراض الناتجة عن سوء النظافة والتطهير.
كما شدد على ضرورة حماية وصول المساعدات العاجلة لتفادي خطر انتشار الأمراض المعدية بسبب الاكتظاظ وسوء الصرف الصحي وضعف مراقبة الرعاية الصحية، ولا سيما أن تفشي الكوليرا والحصبة وشلل الأطفال يشكل تهديدا خطيرا، معتبرا أن حملة التطعيم الإستراتيجية ومراقبة الأمراض جزء لا يتجزأ من خطة الإغاثة.