الحج المبرور ويوم عرفة: لحظة العمر وموعد مع الرحمة والغفران

على المسلم في أوقات العبادة والحضور في الرحاب الطاهرة، الالتزام بأكمل الآداب

ما أعظم نعم الله على عباده حين يفتح لهم أبواب القرب منه! ومن أعظم هذه الأبواب وأشرفها: باب الحج، الركن الخامس من أركان هذا الدين العظيم، الذي فرضه الله، عزّ وجلّ، على عباده المخلصين، ليكون موسم تطهير للذنوب، وتجديد للعهود، وارتقاء في مدارج الإيمان.. قال الله تعالى: ﴿وللّه على النّاس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾ [آل عمران: 97]؛ فالحج واجب شرعي، ونعمة ربانية، ومنحة إلهية، من قدّر له بلوغه فقد فاز بخير عظيم، ومن فاته فقد فاتته لحظة من لحظات العمر لا تعوَّض.

ويأتي يوم عرفة تاج هذه الأيام، وسيدها، وموسم الرحمة والمغفرة، يوم يباهي الله فيه ملائكته بأهل الموقف، ويعتق فيه الرقاب، ويغفر الزلات، ويستجيب الدعوات، كما قال صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة" (رواه مسلم).

كان السلف الصالح -رحمهم الله- يواظبون على فعل الطاعات ونوافل القربات في حجهم، ويستثمرون ساعاته ويعمرون أيامه بالأعمال الصالحة، كانوا حريصين على قيام الليل، وتلاوة القرآن وأنواع الذكر، على العكس من حال بعض الحجاج الآن

أولًا: الحج المبرور.. أسرار وفضائل

شهد أهل السلف موسم الحج، وأشادوا بعظمة هذه الشعيرة ومكانتها عند الله تعالى، ودورها الروحي في نفس الإنسان المسلم، فكيف تجلت معاني الحج ومواطن البر في أقوالهم وأفعالهم؟

  • ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله (ﷺ) قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". وللسلف -رحمهم الله- في المراد بالحج المبرور أقوال كثيرة، وكانت أفعالهم وأحوالهم في الحج تطبيقًا لهذه المعاني الفاضلة، والصفات الشريفة.
  • من معاني الحج المبرور فعل الطاعات كلها والإتيان بأعمال البر، وقد فسر الله- تعالى- البر بذلك في قوله: ﴿ليس البِرَّ أن تُولّوا وجوهكم قِبَل المشرق والمغرب ولكنّ البِرّ من آمن باللّه واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيّين وآتى المال على حبّه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضرّاء وحين البأس أولئك الّذين صدقوا وأولئك هم المتّقون۝١٧٧﴾ [البقرة: 177].
إعلان

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "فتضمنت الآية أن أنواع البر ستة أنواع، من استكملها فقد استكمل البر، أولها: الإيمان بأصول الإيمان الخمسة، وثانيها: إيتاء المال المحبوب لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وثالثها: إقام الصلاة، ورابعها: إيتاء الزكاة، وخامسها: الوفاء بالعهد، وسادسها: الصبر على البأساء والضراء وحين البأس.

وكلها يحتاج الحاج إليها، فإنه لا يصح حجه بدون الإيمان، ولا يكمل حجه ويكون مبرورًا بدون إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فإن أركان الإسلام بعضها مرتبطة ببعض، فلا يكمل الإيمان والإسلام حتى يؤتى بها كلها، ولا يكمل بر الحج بدون الوفاء بالعهود في المعاهدات والمشاركات المحتاج إليها في سفر الحج، وإيتاء المال المحبوب لمن يحب الله إيتاءه، ويحتاج مع ذلك إلى الصبر على ما يصيبه من المشاق في السفر، فهذه خصال البر، فمن حج من غير إقام الصلاة -لا سيما إن كان حجه تطوعًا- كان بمنزلة من سعى في ربح درهم وضيع رأس ماله، وهو ألوف كثيرة.

  • كان السلف الصالح -رحمهم الله- يواظبون على فعل الطاعات ونوافل القربات في حجهم، ويستثمرون ساعاته ويعمرون أيامه بالأعمال الصالحة، كانوا حريصين على قيام الليل، وتلاوة القرآن وأنواع الذكر، على العكس من حال بعض الحجاج الآن -هدانا الله وإياهم- الذين شغلوا أنفسهم بالقيل والقال، والخوض في أعراض الناس والمجادلة بالباطل، مع كثرة اللهو واللعب والمزاح، وقد يتعدى الأمر بهم إلى السب والشتم وفعل مالا يليق بالمسلم، خصوصًا في تلك المشاعر المقدسة، وفي أجلِّ القربات وأفضل طاعات الحج. لعلمه أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
  • لقد كان مسروق -رحمه الله- يكثر من السجود والإطالة فيه، لما ثبت عن المصطفى (ﷺ)، وكان محمد بن واسع يكثر من نوافل الصلوات، وإذا ركب راحلته أومأ إيماءً، ويأمر حاديه أن يرفع صوته خلفه حتى يشغل عنه الناس بسماع صوته فلا يتفطن له، وكان المغيرة بن الحكم الصنعاني يحج من اليمن ماشيًا، وكان له ورد من الليل يقرأ فيه كل ليلة ثلث القرآن.

 

من معاني الحج المبرور الإحسان إلى الناس ومعاملتهم بالمعروف وحسن الخلق معهم، ففي صحيح مسلم أن النبي (ﷺ) سئل عن البر فقال: "حسن الخلق"، وهذا الأمر يحتاج إليه الحاج كثيرًا، فينبغي له أن يتحلى به ويجاهد نفسه في تحقيقه

  • من معاني بر الحج كثرة ذكر الله- تعالى- فيه، وقد أمر الله -تعالى- بكثرة ذكره في إقامة مناسك الحج مرة بعد أخرى، قال تعالى: ﴿ليس عليكم جناحٌ أن تبتغوا فضلًا من ربّكم فإذا أفضتم من عرفاتٍ فاذكروا اللّه عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضّالّين۝١٩٨ ثمّ أفيضوا من حيث أفاض النّاس واستغفروا اللّه إنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ۝١٩٩ فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا اللّه كذكركم آباءَكم أو أشدّ ذكرًا فمن النّاس من يقول ربّنا آتنا في الدّنيا وما له في الآخرة من خلاقٍ۝٢٠٠ ومنهم من يقول ربّنا آتنا في الدّنيا حسنةً…﴾ [البقرة: 198-203].

فانظر، أخي الحاج، كيف أمر الله بذكره واستغفاره ودعائه في هذه المواضع، ونبه على ذلك حثًّا لحجاج بيته الحرام أن يستغلوا تلك الأزمان الشريفة والأماكن الفاضلة بما هي أهله من الطاعات والقربات، وأعظمها ذكره- جل وعلا- واستغفاره.. عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله (ﷺ): "إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصّفا والمروة، ورمي الجمار، لإقامة ذكر الله تعالى" (رواه أبو داود). وقال أهل العلم: إنما كان ختام الأعمال الصالحة -ومنها الحج- بالذكر والاستغفار؛ لأن العبد محل تقصير في أداء تلك الطاعة، يعتريه النقص والخلل وعدم أداء ما وجب عليه حق القيام".

إعلان

ومن الذكر في الحج التلبية فيه ورفع الصوت به والدعاء معه، كما هو فعل الصحابة، رضي الله عنهم؛ فعن ابن عمر- رضي الله عنهما- أن النبي (ﷺ) كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهلَّ -أي رفع صوته- فقال: لبّيك اللهم لبّيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.

وكان عبد الله بن عمر يزيد مع هذا: "لبّيك لبيك لبيك وسعديك، والخير في يديك لبيك والرغباء إليك والعمل" (متفق عليه). وعن جابر -رضي الله عنه- قال: "أهلّ رسول اللّه- صلّى اللّه عليه وسلّم- فذكر التلبية مثل حديث ابن عمر، قال: والناس يزيدون: ذا المعارج" (رواه أبو داود في سننه، كتاب الحج).

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "أحرجنا رسول الله (ﷺ)، ونحن نصرخ بالحج صراخًا"، أي نرفع أصواتنا بالتلبية، وما ذاك إلا لأن التلبية من شعائر الحج في الظاهر، وفيها اشتغال بذكر الله المتضمن كلمة التوحيد وتحقيقها، ونفي الشرك ومخالفة المشركين.

  • من معاني الحج المبرور الإحسان إلى الناس ومعاملتهم بالمعروف وحسن الخلق معهم، ففي صحيح مسلم أن النبي (ﷺ) سئل عن البر فقال: "حسن الخلق"، وهذا الأمر يحتاج إليه الحاج كثيرًا، فينبغي له أن يتحلى به ويجاهد نفسه في تحقيقه، فيعامل الناس بالمعروف ويحسن إليهم بالقول والفعل، وما سمي السفر سفرًا إلا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال. ويتبع ذلك إطعام الطعام وإفشاء السلام.. عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن النبي (ﷺ) قال: "الحجّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة، قالوا: وما بر الحج يا رسول الله؟ قال: إطعام الطعام وإفشاء السلام. وفي لفظ آخر: وطيّب الكلام" (رواه أحمد والطبراني في الأوسط).

من الأيام الفاضلة عند الله عز وجل يوم عرفة، فهو يوم أهل الموقف، حيث الحجاج فيه على صعيد عرفات؛ يقول عليه الصلاة والسلام: "الحج عرفة"، وفضائل هذا اليوم العظيم كثيرة.

 

إن على المسلم في أوقات العبادة والحضور في الرحاب الطاهرة، الالتزام بأكمل الآداب، والتحلي بشريف الخصال، فكيف بالحضور في بيت الله المحرم والمشاعر المقدسة؟ فمما يكمل بر الحج اجتناب الإثم والمعاصي فيه

  • من أجمع خصال البر التي يحتاج إليها الحاج وصية النبي (ﷺ) أبا جري الهجيمي بقوله: لا تحقرنّ من المعروف شيئًا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تهب صلة الحبل، ولو أن تهب الشّسع، ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس يؤذيهم، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلق، ولو أن تلقى أخاك المسلم فتسلم عليه، ولو أن تؤنس الوحشان في الأرض" (رواه أحمد وأبو داود وغيرهما).

وفي حج السلف من الصحابة والتابعين -رحمهم الله تعالى- تحقيق لهذه المعاني، قال مجاهد: "صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه، فكان يخدمني"، وكان إبراهيم بن أدهم يشترط على أصحابه في السفر الخدمة والأذان، وخدمتهم لعدم انشغالهم بأمور أخرى، بل كانوا في خدمة أصحابهم مع اشتغالهم بطاعة الله. ومنهم عامر بن عبد قيس وعمرو بن عتبة بن فرقد، مع اجتهادهما في العبادة في أنفسهما، ورُوي عن بعضهم أنه كان يصحب إخوانه في سفر الجهاد وغيره، فيشترط عليهم أن يخدمهم، فكان إذا رأى رجلًا يريد أن يغسل ثوبه قال له: هذا من شرطي، فيغسله.

إن على المسلم في أوقات العبادة والحضور في الرحاب الطاهرة، الالتزام بأكمل الآداب، والتحلي بشريف الخصال، فكيف بالحضور في بيت الله المحرم والمشاعر المقدسة؟ فمما يكمل بر الحج اجتناب الإثم والمعاصي فيه؛ قال تعالى: ﴿الحجُّ أشهرٌ معلوماتٌ فمن فرض فيهنَّ الحجَّ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحجِّ وما تفعلوا من خيرٍ يعلمه الله وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى واتقونِ يا أولي الألباب﴾ [البقرة: 197]. وفي الحديث الصحيح: "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" (متفق عليه).

إعلان
  • من بر الحج مع إطعام الطعام سقي الماء وبذله للآخرين، فالحجاج في تلك المشاعر، وبخاصة في وقت الزحام الشديد، بأمسّ الحاجة إلى الماء يروون به عطشهم، ويستعينون به على قضاء نسكهم.

من طمع في العتق من النار، ورجا مغفرة ذنوبه، وإقالة عثراته، والتجاوز عن سيئاته في يوم عرفة، فليحرص على الإتيان بالأسباب التي يكون بها -بعد فضل الله ورحمته- تحصيل ذلك

 

ثانيًا: يوم عرفة.. إنه يوم عظيم!

إن من الأيام الفاضلة عند الله- عز وجل- يوم عرفة، فهو يوم أهل الموقف، حيث الحجاج فيه على صعيد عرفات، يقول عليه الصلاة والسلام: "الحج عرفة". وفضائل هذا اليوم العظيم كثيرة؛ منها أنه يوم إكمال الدين وإتمام النعمة على هذه الأمة، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأديان وأفضلها، لا يقبل من أحد دينًا سواه.. في الصحيحين عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن رجلًا من اليهود قال له: "يا أمير المؤمنين، آية من كتابكم تقرؤونها لو علينا -معشر اليهود- نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أي آية؟ قال: {اليوم أكلمت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا}، قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي (ﷺ) وهو قائم بعرفة يوم جمعة.

  • من فضائل يوم عرفة أنه يوم عيد لأهل الإسلام، قال ابن عباس، رضي الله عنهما: نزلت في يوم عيد، في يوم جمعة، ويوم عرفة". وقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: كلاهما بحمد الله لنا عيد"، وهو عيد لأهل الموقف خاصة، ويشرع صيامه لغيرهم كما سيأتي.
  • من فضائله أنه يوم مغفرة الذنوب والتجاوز عنها، والعتق من النار، والمباهاة بأهل الموقف، ففي صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي (ﷺ) قال: "ما من يومٍ، أكثر من أن يعتق اللّه عزّ وجلّ فيه عبدًا من النّار، من يوم عرفة، وإنّه ليدنو عزّ وجلّ، ثمّ يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء".
  • من فضائل يوم عرفة ما قيل عن أنه الشفع الذي أقسم الله به في كتابه، وأن الوتر يوم النحر.. قال تعالى: ﴿والفجر وليالٍ عشرٍ والشّفع والوتر﴾ [الفجر: 1-3]، وقد روي هذا عن النبي (ﷺ) من حديث جابر فيما رواه الإمام أحمد وغيره. وقيل إنه الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه.. قال تعالى: ﴿وشاهدٍ ومشهودٍ﴾ [البروج: 3]؛ ففي المسند وغيره عن أبي هريرة مرفوعًا إلى النبي (ﷺ) وموقوفًا عليه: "الشّاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة".
  • من طمع في العتق من النار، ورجا مغفرة ذنوبه، وإقالة عثراته، والتجاوز عن سيئاته في يوم عرفة، فليحرص على الإتيان بالأسباب التي يكون بها -بعد فضل الله ورحمته- تحصيل ذلك؛ ففي صحيح مسلم عن أبي قتادة -رضي الله عنه- عن النبي (ﷺ) قال: "صيام يوم عرفة، إنّي أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده". أما الحجاج، فالسنة في حقهم الفطر، كما هو هدي المصطفى (ﷺ).

 

كان سلف الأمة من الصحابة- رضي الله عنهم-، ومن تبعهم بإحسان، حريصين أشد الحرص على استغلال يوم عرفة والإفادة منه، والمحروم من حُرم فضل الله وجوده، والشقي من تمر عليه هذه الأزمان الفاضلة، والأوقات الشريفة دون استغلال لها أو إفادة منها

  • من الأسباب أيضًا الإكثار من شهادة التوحيد بإخلاص وصدق، ودعاء الله بها، فهي أصل دين الإسلام الذي أكمله الله في ذلك اليوم، والدعاء فيه له مزية على غيره؛ فقد روى الترمذي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قديرٍ".
  • من الأسباب أيضًا الصدقة والإنفاق في سبيل الله، ففي الصحيحين عنه -صلى الله عليه وسلم-: "اتّقوا النّار ولو بشقّ تمرةٍ فإن لم تجدوا فبكلمةٍ طيّبةٍ".

كان سلف الأمة من الصحابة- رضي الله عنهم-، ومن تبعهم بإحسان، حريصين أشد الحرص على استغلال يوم عرفة والإفادة منه، والمحروم من حُرم فضل الله وجوده، والشقي من تمر عليه هذه الأزمان الفاضلة، والأوقات الشريفة دون استغلال لها أو إفادة منها.

فكانت أقوالهم -رحمهم الله- حاثّة على شغل هذا اليوم بما هو جدير به من الأعمال الصالحة، وكانت أحوالهم وأفعالهم تطبيقًا لذلك. وقد روي عن الفضيل بن عياض أنه نظر إلى الناس وتسبيحهم وبكائهم عشية عرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقًا -يعني سدس درهم- أكان يردهم؟ قالوا: لا، قال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق. يقول الشاعر:

إعلان

وإنـي لأدعــو الله أطــلـب عـفـوه  وأعــلم أن الله يـعــفــو ويــرحــم

لئن أعظم الناس الذنــوب فإنــهـا   وإن عظمت في رحمة الله تصغر

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان