شهدت ساحات لبنانية مظاهرات وتجمعات شعبية، يوم الاثنين 8 ديسمبر/كانون الأول، احتفالا بالذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، أو بعبارة هي الأحب إلى مسمع الكثيرين: ذكرى «هروب المجرم بشار الأسد».
كادت تلك التعبيرات الشعبية أن تكون طبيعية، وتحمل الكثير من الدلالات العفوية والشعبية في تعبير صادق عن مشاعر الكره لذلك النظام، الذي لم يرحم السوريين واللبنانيين أيضا على مدى أكثر من أربعة عقود من التعذيب والقتل والسحق، لولا تلك الإشكالات الأمنية التي حصلت في بعض المناطق المؤيدة للثنائي الشيعي مع المتظاهرين، كما جرى في منطقة حارة صيدا في الجنوب، أو غيرها، ما أنذر بوجود «تضخم» طائفي قابل لأن يشتعل في أي لحظة حربا بين الأفرقاء في الداخل، أو على الحدود مع النظام السوري. إذ إن العبارات التي خرجت من مناصري حزب الله وحركة أمل كانت نافرة، ولا سيما في ما خص التطاول على قيادات سورية.
لذلك، لم يكن مستغربا أن تشهد ساحات لبنان هذه التظاهرات التي تشكلت للتعبير والاحتفال بهذه الذكرى، وتحديدا في عاصمة لبنان الشمالي طرابلس، التي عانت ما عانته في فترات سابقة من هذا النظام، وفي بيروت، وتحديدا في منطقة الروشة، التي شكلت بالأمس القريب تحديا من قبل حزب الله للدولة وللبنانيين، في التعبير عن تمسك الحزب بسلاحه وبوجوده، رغم الدعوات إلى حصرية السلاح.
لا يبدو أن الحزب، الذي يعيد تموضعه ويعمل على التعافي بعد الحرب الأخيرة، يتجه نحو تسليم السلاح، بقدر ما يفتش عن تبريرات لبقائه والاحتفاظ به
يعيش حزب الله، بعد السابع والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني عام 2024، هاجس الدفاع عن سلاحه، ويعمل بشكل دؤوب على إقناع اللبناني المختلف عنه بماهية هذا السلاح ودوره في «الدفاع عن لبنان».
إذ لطالما خرج أكثر من مسؤول في الحزب بتأكيدات لا لبس فيها أن وظيفة هذا السلاح ما زالت قائمة، وأن تسليمه غير وارد، رغم صدور قرار عن مجلس الوزراء في 5 أغسطس/آب الماضي، واستكماله في 7 أغسطس/آب بطلب من الجيش اللبناني وضع خطة لتحديد آلية حصره بيد المؤسسات الرسمية.
لا يوفر الأفرقاء في الداخل اللبناني فرصة للمطالبة بتسليم سلاح الحزب، على اعتبار أن بناء الدولة لا يجوز أن يكون على قاعدة وجود جيشين. وإن إعادة الثقة بالعالمين العربي والغربي لا تكون عبر الإبقاء على تنظيم مسلح خارج إطار الدولة، بل يعمل وفق أجندات خارجية مرتبطة بمصالح طهران، رغم التأكيدات التي صدرت عن أكثر من مسؤول إيراني يتحدث عن ضرورة حصر قرار السلاح بيد القيادات في بيروت، ولا شأن لطهران بذلك.
وأطلق رئيس الحكومة نواف سلام جدلية أثارت نقاشا واسعا، في مقال نشرته صحيفة «فايننشال تايمز»، ارتبطت بسؤال: من سيطبق أولا بنود القرار 1701؟ حزب الله عبر تسليم السلاح، أم إسرائيل عبر وقف الاعتداءات والانسحاب من لبنان وتحرير الرهائن؟
وهي عناوين مرحلة تشهد فيها الساحة اللبنانية حركة دبلوماسية نشطة، تدعو إلى ضرورة حصرية السلاح كخطوة أساسية نحو بناء الدولة. وقد أنهى الموفد الفرنسي جان إيف لودريان زيارة إلى بيروت يوم الأربعاء 10 ديسمبر/كانون الأول، وسط معلومات عن دعوته إلى تسريع مساري الإصلاحات وحصرية السلاح جنوب وشمال الليطاني، وهما أمران يعيقان عقد مؤتمر دعم الجيش اللبناني.
ولا يتوقف الأمر عند الجانب الأميركي الرافض أي تسوية في ظل وجود السلاح، ولا حتى الفرنسي الذي يصب في الاتجاه الأميركي ذاته، بل يتعداه إلى الموقف العربي الرافض إعادة إعمار لبنان في ظل الحديث عن سلاح غير محصور.
فالإشكالية تتعقد عند الحزب، فيما ترتفع وتيرة التهديدات الإسرائيلية، إذ نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية أن رئيس شعبة الاستخبارات «أمان»، شلومي بيندر، التقى المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس خلال زيارتها الأخيرة إلى الكيان، قبل حضورها إلى لبنان للمشاركة في اجتماع «الميكانيزم»، وقدم لها معلومات بشأن «تعاظم قوة حزب الله وعجز الجيش اللبناني عن مواجهته».
يعتبر البعض أن تلك المظاهرات التي حصلت في لبنان والمؤيدة للشرع، أخذت منحى لدعم وترسيخ عقيدة التمسك بالسلاح، تحت شعار أن الخطر الوجودي على الشيعة قد لا يأتي من إسرائيل، بل من شرق وشمال لبنان
لا يبدو أن الحزب، الذي يعيد تموضعه ويعمل على التعافي بعد الحرب الأخيرة، يتجه نحو تسليم السلاح، بقدر ما يفتش عن تبريرات لبقائه والاحتفاظ به. ولهذا، يعتبر البعض أن تلك المظاهرات التي حصلت في لبنان والمؤيدة للشرع، أخذت منحى -عفويا أو غير مقصود- لدعم وترسيخ عقيدة التمسك بالسلاح، تحت شعار أن الخطر الوجودي على الشيعة قد لا يأتي من إسرائيل، بل من شرق وشمال لبنان، وتحديدا من النظام السوري ومؤيديه في لبنان، بدلالة تلك التظاهرات.
ولا نقاش حول ما إذا كانت التظاهرات قد انحرفت عن المسار المطلوب، أو إن كان -بحسب بعض المصادر- هناك «طابور خامس» على طريقة النظام الأسدي اخترق المحتجين، وذهب نحو افتعال المشاكل مع تلك المناطق، بهدف ترسيخ وعي مفاده أن هناك من هو قادم لإلغائهم، وهو ما يبرر فرضية التمسك بالسلاح.
لم يكن مجرد كلام ما قاله وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أمام نظيره الفرنسي، من أن سحب سلاح الحزب قد يؤدي إلى حرب أهلية وتدمير الطائفة الشيعية. فهذا، إن دل على شيء، فعلى أن الحزب ليس بوارد تسليم السلاح. وعليه، سيبقى لبنان بانتظار حرب، ليس المهم مصدرها بقدر ما سيكون عنوانها: سلاح حزب الله وآلية سحبه.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

